Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الأحد 9 مايو 2010

مكائد السياسيين و نار الدين

د. احمودة خليفة

في حقبة الثمانينيات عندما كانت ليبيا من الدول المشغولة كثيرا بشؤون الخارج كان الخارج أيضا مهتم بداخل ليبيا، فعند ذلك الوقت و عندما تدفقت الى ليبيا "الكلاشنكوف الروسية" للتأثير في المعادلات السياسية كانت "السلفية المضادّة" أيضا تعبر الحدود اليها بتكتيك ممنهج، و بقيت ليبيا حتى الآن لم تسوي تماما حِسابات ذلك الإرث.

نعم كانت هي مكائد السياسة التي كنا لم نستطيع لها حساب إلا بعد أن كلفتنا دماء و أرواح و سجون مزدوجة الجدران. إنها كانت تدابير خفية على أرض بريئة و بتأثير شعوذة النفوذ خارجي وكان ضحاياها من الغافلين الذين لا يدركون الكثير عن ظواهر أكسدة الدين بالسياسة. و لنتعرّف الآن قليلا على عالم الاتجاهات الخفية من تحت أقدامنا و التي لازلنا نتردد في التعرض لها، و لكن لا بأس، علينا أن نلقي نظرة لنشاهد ذلك المنظور من الماضي، إنه يساعد في تقييم حساباتنا الآن.

ففي الوقت الحالي يتكتّل العالم الإسلامي السُني في الوطن العربي بشكل عام الى ثلاث إتجاهات. فما هي أصلا كيميا هذه الإتجاهات؟ و أين مواطن نشأتها؟ و كيف تتلون بسماد السياسة أو بسموم السياسة؟

الإتجاه الصوفي هو أقدمها ومنتشر بشكل متفرق و في الغالب في المغرب العربي، فمثلا في ليبيا لازالت قِباب الأولياء الصالحين و زواياهم تبيّض كل مدينة و قرية. الصوفية تعتمد على الطرق المتعددة و طريقة التفكير فيها هي عدم التشدد و "ترك الأمور لله" و الإعتقاد في العالم الروحاني المستتر، فمثلا الإعتقاد بأن الأولياء الصالحين لهم أبعاد مؤثّرة و حتى بعد مماتهم يمكن التبرّك بأرواحهم ومقاماتهم و ذلك إقتداء بمقامات النبي عليه الصلاة و السلام وآله و أصحابه، و الصوفية أكثر زهدا و تسامحا و أكثر إنتشارا خارج حدود الوطن العربي.

أما إتجاه الإخوان المسلمين فبدأ و لا يزال متكتّل في مصر و السودان وهو تكوّن كمجدّد ديني و محاور سياسي. و تفكير الإخوان المسلمين ظهر بعد فترة الإستعمار الغربي الذي أبهر العالم عند ذلك الوقت بالتفوق العلمي و التقني. كان الفقر و التخلف في كل صور الحياة حتى في صورة الصوفية نفسها السائدة في ذلك الوقت، فنتج عن ذلك نبذها و نعتها بأسباب التخلف و الركود، و ظهر محلها إتجاه الإخوان المسلمين الذي يدعو الى الأخذ بأسباب العلم و عدم فصل الإسلام عن الدولة مثل ما فعل الغرب. لكن ذلك الإتجاه دخل في مواجهة غير محسومة مع أهل السياسة وهذا الصراع بينهم أضر بالإستقرار و نتج عنه "دولة مُعاقة" تعيش في حالة طوارئ أبدية.

أما الآن فإتجاه السلفية هو الأكثر حركية و تم تبنّيه سياسيا كمنهاج للدولة منذ نشأته في موطنه، وهو يسود بشكل جوهري في أراضي الجزيرة العربية. غير أن السلفية التي ترى في نفسها رجوع الى الجذور و العودة الى سيرة السلف الصالح كان من قدرها أن نشأت و تربت في تبني السياسة لها بل دعمها. وهذا دليل واضح على توافق الدين و السياسة و نتج عن ذلك كيانات مستقرة. السلفية أبتعدت عن إتجاه التجديد الذي تبناه الإخوان المسلمون. فالسلفيون يعتبرون أي تطوير فكري في تعاليم الإسلام هو نوع من الفلسفة و هذا يقود الى فتح أبواب البُدع و أفكار الخلط بين "الله و الطبيعة". و السلفية هي في مولدها كانت إنقلاب على الصوفية التي ترى السلفية إن أولياء الصوفية و معالمهم و أضرحتهم هم شكل من أشكال "التصنيم" التي تتناقض مع عقيدة التوحيد. و هذا يعتبر تشدد غريب من طرف السلفية و يضر بمادئ الحوار و التعايش. في الحقيقة السلفية تصدّت لإنتشار الشيوعية العسكرية "المُلحدة" و ألتقت في تلك العمليات حتى مع مصلحة "الغرب الرأسمالي" بل تم بينهم حتى "تأسيس مدرسة أفغانستان"، لكن السلفية تدرّبت و نمت و أصبح لها شأن آخر. و مدرسة أفغانستان هذه غاية في التعقيد لانها نتجت عن كيميا من سماد و سموم السياسية العالمية. و بعد أن ماتت "الشيوعية المُلحدة" نقل خريجي تلك المدرسة بذورها الى العالم. لكن لماذا ليبيا و الجزائر بالذات من شمال أفريقيا لهما شأن مع السلفية؟ الجواب واضح من بداية الحديث، لكن لنترك للقارئ الكريم التفكير معنا في الجواب الصحيح ..

ماذا يفعل السياسيون الآن؟ هل هو الرجوع للصوفية من جديد؟ نرى الآن محاولات إستغاثة السياسيين بأولياء الصوفية ليردّوا عنهم عواصف السلفية، لكن لنسخر منهم قليلا: أن أولياء الصوفية يستجيبون فقط للنوايا الحسنة و ليس لأصحاب المكائد من السياسيين. فمن يستنجد بأولياء الله لسوء النية فإنه مكسور، هكذا أوصى الصوفيون! .. إذن المُعادلة تكمن في الإخلاص و الوعي، فالسياسة المُخلصة و الشعب الواعي المُحصّن بالمعرفة هو الذي يحفظ توازنه و أمنه و إستقراره. ذلك أفضل بكثير من بناء السجون و أفضل من كراديس الأجهزة الأمنية و سياسات أحكام الطوارئ.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home