Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Dr. Ehmoda Khalifa
الكاتب الليبي د. احمودة خليفة


د. احمودة خليفة

الجمعة 10 ابريل 2010

وطن بين مساق الرياح

د. احمودة خليفة

نقرأ التاريخ في بداية أعمارنا و نظن فعلا أنه تاريخ و أنه فقط في عالم " كان". الشئ الآخر اننا كنا نحلم بعالم ذو ألوان نضعها نحن متناسقة حسب طموحاتنا و كنا كذلك نضع المستقبل في إطار جميل و نعطي له بكل عفوية من الأسماء "سوف". أما الواقع الذي نعيش وقته فهو مزيج بين ثلاث فئات زمنية: شئ من الماضي رجع من جديد بعد أن كنا قد سجلناه في مقابر التاريخ، و شئ من أحلامنا تحقق لنقتات منه جرعة الحياة و الأمل، و فئة أخرى من عالم المفاجئات التي لم نعهد لها وقت و لم نحسب لها أي حساب و لم نضع لها أي خيال مسبق فنقول عنها فقط إنها من مشيئة الله و قدرته.

قرأنا في قصص القرآن عن حرب الفرس و الروم التي كانت حرب سجال بين كلا القوتين و كان العرب عندها قبائل تقودها شيوخ بالتوارث و حياتهم على هامش التاريخ لا تتغير ينامون ويصبحون على ترديد قصائد الأشعار و قرض المزيد منها.

جاء الدين الإسلامي و وحد العرب و سريعا ما كوّن أمّة من شتات القبائل. سيّر الحكّام العرب من نسل قريش أولا تلك الأمّة بشكل متفاوت السلطان، ثم دارت بينهم الفتن و ذهبت رياحهم في سكون أبدي. على نقيضهم جاءت أقوام الأتراك من أواسط آسيا فدخلوا في دين الله أفواجا و به سريعا ما سيطروا على أغلب الوطن العربي و بنوا أمبراطوريتهم العثمانية على حساب أمجاد العرب.

أستقل الفرس بأنفسهم، أما الروم فأنقلبت حربهم ضد هؤلاء الأتراك الذين أنتصروا وأنهوا تاريخ العصور الوسطى بإسقاط أمبراطورية الروم البيزنطيين التي دامت ألف و مئة سنة و سريعا ما أصبحت أسطنبول في القارة الأوربية عاصمة أكبر دولة للإسلام من العالمين العربي و التركي و تناوب السلاطين العثمانيون لحوالي خمسة قرون و كان أشهرهم السلطان محمد الفاتح ثم السلطان سليمان العظيم الذي أشرفت جيوشه حتى على قلب أوروبا. أما العرب فرجعوا الى شتات قبائل بعد أن ضيعوا حتى أشعارهم لأن سلاطين الأتراك لا يفهمون اللغة العربية حتى يرفعوا من مقام الشعراء و يدعموا أجود القصائد بعطاياهم مثل ما كان يفعل الخليفة العربي.

نهضت رياح الغرب في موجات إستعمارية أكتسحت شعوب العالم و أغتصبوا أوطان العرب من قبضة الأتراك و لكن سريعا ما ظهرت مقاومات الجهاد و التحرر فتم تقسيمهم بين الصحاري في شكل دول و تم ترقية أكبر شيوخ القبائل و سلالات الأشراف منهم ليصبحوا بين ملك و أمير و شيخ دولة و رئيس، و لا يخضع أحدهم للآخر بل زرعوا بينهم النزاعات الحدودية و العداوات حتى لا يتفقوا على شئ أبدا، بل بقيت أحيانا حتى الحدود بينهم مقفلة و حتى صلة الرحم مقطوعة.

في الحقيقة لم تموت فيهم النخوة العربية الأصيلة الى الأبد و إن صعبت عليهم الشقة، فتنادوا و شكّلوا الجامعة العربية و جلسوا تحت سقفها لأكثر من عشرين مرة و لكن لم تكن لهم و لا مرة إرادة واحدة لبناء جدار يمنع وطنهم الكبير من رياح الغرب أو رياح الشرق التي تعكر في كل مرة صفوة سماءهم الواحدة، و بقوا على هذا المنوال الى هذا الحين حتى أصبحت أجتماعاتهم ليست أكثر من مراسم.

الآن الوطن العربي من جديد مناطق تحت المساومات. عرب شمال أفريقيا هدف لنفوذ أوروبا لحل أزمات نقص الطاقة عندهم أما الشعوب هنا فلا تستحق حتى تأشيرة دخول أو تصريح إقامة في أوروبا لأجل علاج أو دراسة أو عمل أو حتى سياحة. أما عرب العراق و الشام فلسطين فهم بين تنافس الفرس و الغرب و دولة اليهود العنصريين، و مصير تلك الشعوب تحت رحمة الأقوى في الصراع الدائر. أما المعركة الثالثة فهي تدور في الخفاء و العلن حول كنوز جزيرة العرب، و من يعلم كم هي البليارات الضائعة في مسرح أنهيار البنوك الأنغلوأمريكية، إنه حقيقة غزو للأموال و من نوع مفاجئ التوقيت. و لا حتى "شيخ المدينة الحاكم" كان يدري أنه سيفقد في ليلة واحدة مآتا مليار دولار "أنهيار شركة إعمار" ويصبح لأول مرة ينظر الى الأرض تحت قدميه بعد أن كان لا ينخفض بصره عن الأفق البعيد.

حقيقة أن سفينة العرب الآن أصبحت بين مساق ثلاث رياح متعاكسة و هذا ليس تقدير للمستقبل بل يجري على مأخذ الجد. رياح الإسلام الفارسي ذات الثلاث كماشات حول جزيرة العرب من جنوب العراق و جنوب لبنان و شمال اليمن. و رياح الغرب الهادئة الساحرة و التي هي فقط لسحب المزيد من المليارات من الأموال المكدّسة فوق كراسي الحكّام. أما رياح الأتراك فيتم الآن فتح الأبواب لها من جديد على الوطن العربي و من العرب أنفسهم بعد أن تشتتوا و ضاقت بهم الدنيا، و من هم الأتراك؟ هل نسينا قسوة عسكر " الميري"؟

و الآن السؤال الكبير، هل يمكن للعرب أن يدركوا حالهم و أن يأخذوا بحبال شراع سفينتهم التائه بين مساق الرياح؟ أم حقيقة مستقبلهم العاجل ليس إلا مناطق نفوذ و شتات قبائل تحت المساومات تماما مثل تاريخهم بالأمس القريب؟

د. أحمودة خليفة


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home