Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Emes Intmora
الكاتب الليبي اميس انتمورا

السبت 12 سبتمبر 2009

عودة عاجلة.. اخلاقيات الحوار

اميس انتمورا

 

"ينبغي لمن آثر طلب الحق، إذا وجد قولا شنيعا ولم يجد مقدمات محمودة تزيل عنه تلك الشنعة، أن لا يعتقد أن ذلك القول باطل وان يطلبه من الطريق الذي زعم المدعي له أنه يوقف منها عليه، ويستعمل في تعلم ذلك من طول الزمان والترتيب ما تقضيه طبيعة ذلك الامر المتعلم"       ابن رشد[1]


من خلال قرأتي لما يكتب في هذا الموقع، وفي كل المواقع التي يكتب فيها الليبيين .... اشعر ان الليبيين يقرأون ما يكتب بموقف مسبق من ما يكتب وليس بقراءة واعية لما هو مكتوب ولا استثني نفسي عند قراءتي لما يكتبه المرتدين لثوب الثورة[2]. وللاسف اتخاد المواقف والتمترس ورائها عادة لا تحمد، لانها تضع الصديق في خانة العدو، والصادق في خانة الكاذب، وحسن النية في منازل السوء دون قصد، كما قد تسوي احيانا بين الحق والباطل. وبالتالي تضيع فائدة الحوار الذي يؤمل منه ان يؤسس قواعد وارضية سليمة لا تميد بمن يسير عليها دون حدر.

عندما نتحدث عن أئمة الحديث ورجالات الفقه والسيرة، فان الشهرة التي اكتسبوها ... وقد تكون عن جدارة بلا ريب ... اصبحت عائق لا تسمح لنا بتناولهم او تناول كتبهم بالبحث والنقد. واصبح نقدهم او نقد ما جاء عنهم في مقام نقد الدين، والبون شاسع بلا ريب. يقول الدكتور محمد عابد الجابري[3]: الشهرة في مثل هذا الحال "عائق" معرفي. الناس يتصورون المشهور، بل ويتحدثون عنه، لا كما هو في نفسه، بل كما تنتجه الشهرة، ويعيد إنتاجه ما كان يسميه القدماء بـ" الجهل المركب" ان هذا السلوك يؤدي فعلا للجهل المركب، الجهل الذي يصعب حل عقده وفصل مكوناته، ويزيد الامر صعوبة ان هذا الجهل المركب مرفاء امن لمن يخشي الابحار.  انه ما يسميه الجابري بالــ"الصواب الموروث"، أو"الموروث[4] الجماعي الذي يتلقاه الناس ويداولونه فيما بينهم بوصفه "الحقيقة" التي لا تناقش"

لقد وضع من يقف في خانة الاسلاميين امارير مثلا وحكيم في نفس الخانة، ولا ادري كيف تسنى لهم الولوج في هذا الخلط رغم البعد الشاسع في تفكير كل من امارير وحكيم. فاذ ينظر امارير الى الاسلام على انه "ثوب ابيض" تعرض للتلوث ببعض البقع التي لا تظهر اصيلة فيه، ويجب التفكر فيها ودحضها، يبنى حكيم كل فهمه للاسلام على هذه "البقع" التي ظهرت دون النظر الى باقي الثوب، ويعتبرها اصلا فيه.

لقد فكر امارير في نصوص بعينها، راى انها لا يستقيم التسليم بها في ضوء فهمه للاسلام خاصة وللدين عامة ولموازين الادراك البشرية، وبالتالي فهو لابد وان: يرفض هذه النصوص ويشكك في من نقلها، أوان يشكك في المنظومة التي تضمنت هذه النصوص. أمارير اختار الموقف الثاني، وهو موقف نوعا ما خطر، فاعتبر ان هناك اسلامان، سماهما اسلام النص يستند الى كتاب الله فقط واسلام تاريخي من صنع الفقهاء يستند الى كتب الاحاديث خصوصا.

وهذا موقف طبيعي يصدر عن كل انسان عاقل يتخد موقف مما يقراء على ضو ما يؤمن به، الا انه لا يقفل باب التفكير فيما يتجاوز النص وقبوله بشروط.

يقابل هذا الموقف موقفين متطرفيين هما

الموقف الاول:

 التعصب دون تفكير في قيمة هذه النصوص وقبولها لشهرتها وليس لقيمتها، وهذا مسلك جل المسلمين (بل وحتى المؤمنين من الديانات الاخرى)، فقبولهم للنصوص ليس لان لها قيمة ذاتية ولكن إما لشهرة من نقلت عنه والذي اصبح "عائق معرفي" كما يسميه الدكتور الجابري، أولشهرتها التي حالت دون تعرضها الى السؤال والنقد. 

الموقف الثاني:

 الكفر بكل شيء ينتمي لهذه النصوص، والبناء عليها فقط دون النظر الى المنظومة وقيمها في عمومها، وهو موقف حكيم ومن نحى نحوه.

ولنناقش ما الذي ينكره امارير على ضو كتاباته في هذا الموقع، انه يتكلم عما سماه الاسلام التاريخي مقابل اسلام النص. ويعنى بالاسلام التاريخي هو تلك النصوص التي امتلاءت بها كتب الترات وكتب الحديث، والتي لا يمكن قبولها عقلا أوتفسير مثونها على ضوء ما عرف عن الاسلام، او قل: في ضوء الاسلام "البسيط" الذي نعرفه كافراد وتعلمناه معايشتا ناهيك عن لو تناولناه دراسة وتفكير.

واني ساتطرق هنا الى نصوص بعينها على سبيل الشرح لا الحصر:

 

1.   حديث نعيم بن حماد الوارد في صحيح البخاري[5]، باب ايام الجاهلية. هذا الحديث لا يقبله عقل سليم، وليس لهذا الحديث علاقة البثة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى يجوز حشره في كتاب يتناول احاديث الرسول، وليس فيه درس او موعظة او سنة يمكن استنباطها منه، واخيرا.... ان قبلنا به (وهذا من باب الجهل الموروث)... فهو يناقض ما اعتاده العرب ذلك الزمان، حيث لم تكن هناك حدود يعمل بها في ايام الجاهلية. بمعنى ليس هناك سبب واحد مهما كان تافها يبرر وجود هذا الحديث. اليس وجود هذا الحديث في صحيح البخاري من باب قبول المشهور؟!....

هل هذا الحديث من جمع البخاري؟!....

للاسف كل جواب عن هذا التسأل يؤزم الموقف عوض عن ان يجد له حل!. فإن كان جوابنا بنعم، فهذا مصيبة .... لانه لو كان من جمع البخاري وقد قبله، فاننا لابد وان نشكك في عقل الامام البخاري، وبالتالي نشكك في كل ما جمعه من احاديث عملا بسنته في الجمع.

قد يقول قائل هذا حديث غير صحيح ومدسوس، ان انكار هذا الحديث واعتباره حديثا مدسوس يجرنا الى اسئلة اخري، لانه يتضمن ان شخصا ما دس هذا الحديث في كتاب البخاري، وبالتالي: هل يجوز ان نعتقد في وجود احاديث اخرى دست في كتاب البخاري؟ 

2.   الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم من البشر، ياتون ما ياتيه البشر. ولكن، لانهم انبياء فهم قدوة، ولانهم قدوة فقد عصموا، فكل الانبياء معصومون لان البشر يقتدوا بافعالهم واقوالهم، وبالتالي لايجوز في الانبياء اشياء قد تجوز في البشر. لا تجوز في الانبياء الصفات القبيحة والدميمة، لا يجوز فيهم الكذب والنفاق والحقد والتشفي والانتقام والهوى. والنتيجة ان كل حديث يشير الى قيام النبي بعمل فيه احد هذه الصفات هو تنقيص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل قبول هذا الحديث في باب قبول المشهور. ما الحكمة المستفادة او الدرس الذي يمكن ان يتعلمه المسلم من التشفي، او المفاخذ، او مجامعة كل النساء في ليلة واحدة، او القدرة على التحكم في الارب في الصوم، ناهيك عن العدل فيها؟؟!!... 

3.   عدول الصحابة امرا قد لا نختلف عليه، لكن عدول الصحابة شيء والعصمة شيء اخر .... فالصحابي ليس معصوم، وهو معرض لان يخطى وينسى ، بل وقد يتبع هواه احيانا، وهذا ليس نقصا فيهم، فهم بشر ككل البشر، كرمهم الله برفقة رسوله والاخد عنه، لكن هذا لا يعني انهم اصبحوا في منزلة الملائكة، ولا نعجز في ايجاد العديد من الشواهد والادلة على هذا الادعاء، وبعض هذه الادلة ذكرها القرآن[6] وثواتر بعضها الاخر[7]. ويحضرني هنا .... تصديقا لهذا الامر .... قول الامام مالك رحمه الله كان يقول: كل يؤخد من قوله ويترك الا صاحب هذا القبر[8]. فرغم ان الصحابة عدول، الا ان هذا لا يعني قبول كل ما صدر عنهم حتى وان تحققنا من صدوره عنهم، بعكس الرسول الذي يلزمنا ما يصدر عنه ان تأكد لنا صدوره عنه. 

هذا بخصوص امارير ومن يذهب مذهبه، لكن بالنسبة لحكيم الامر يختلف .... حكيم يرى هذه الاحاديث الخلافية اصلا، ويبنى على هذا الاصل بنائه المحكم بجدارة. مشكلة حكيم إذا، انه لا يستطيع ان  يرى من الاسلام (بل ومن كل الاديان) الوجه المضي، لم يرى القيم التى حملها ويدعو اليها الدين ... وحاكم الاسلام على ضو الممارسات التي مورست باسمه. لا يختلف مذهب حكيم عن مذهب المعاصريين من غير المسلمين حينما حكموا على الاسلام من خلال ممارسات جماعات الاسلام المسلح، ووضعوا كل المسلمين في نفس خانة هؤلاء، لانهم اعتبروا ان ما يدعوا اليه الاسلام هو ما يمارسه هؤلاء. والحقيقة لا نستطيع ان نلومهم في حكمهم هذا اذا رافق كل عمل من اعمال الاسلاميين التكبير والتهليل.

لا ادري كيف تسنى لحكيم ان يقنع نفسه بالالحاد ثم ينتقد ما يراه قيم انسانية اساء اليها الرسول صلي الله عليه وسلم ... ان غياب الدين يعني غياب القيم سواء تلك التي نسميها قيم دينية او تلك التي نسميها قيم انسانية، لا معنى للانسانية في غياب الروح، ولا يمكن للتفسير المادي للحياة ان يجد تبريرا مقنعا للقيم والاخلاق والفضيلة والمشاعر الا تجاوزا، وان غابت القيم فمن الجهل والغباء ان نتحدث عنها. ممكن للانسان ان ينكر وجود الله تماما، وبالتالي لا يجد معنى للوجود فتستوي عنده كل الامور[9]، او يؤمن بالله لكنه يعلن عصيانه له عن ادراك[10]. هذين نوعيين من اللاحاد افهمهما تماما، فاين حكيم من هذين؟؟ لا ادري....

ان الصرح الذي بناه حكيم لا يحتاج لنقد حكيم، لا يحتاج الى الصوارم والرماح والسيوف، بل يحتاج الى نقض النصوص التي بنى عليها حكيم صرحه ... سقوط هذه النصوص يجعل صرح حكيم يتهاوى كقلعة من تراب على شاطي البحر. 

هناك فرق كبير بين النقاش الذاتي والنقاش الموضوعي، في النقاش الموضوعي ينتصر الشخص للفكرة وللحقيقة، بينما في النقاش الذاتي ينتصر الشخص لنفسه. والانسان لا يملك الحقيقة كاملة...

اعجبني قول نقله ابن رشد عن ارسطو يقول[11]: "ومن العدل ـ كما قال الحكيم ارسطو- ان يأتي الرجل من الحجج لخصمه بمثل ما يأتي به لنفسه، اعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه، وأن يقبل لهم من الحجج ما يقبله لنفسه ..."

لقد اسس ابن رشد لفلسفة سياسة الحوار وفلسفة التسامح مع الخصم، وقد اجاد الدكتور العابدي في وصفه كتاب ابن رشد "تهافت التهافت" بانه انتصار للروح العلمية وتأسيسا لاخلاقيات الحوار. 

والله من وراء القصد. 

اميس انتمورا


[1]   نقلا عن محمد عابد الجابري في: قضايا في الفكر المعاصر الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1997

[2]   ان كتابات الثوريين لا تخلو من الكذب الصريح وانكار الحقائق وتزين الاوثان، ولانهم يتحصنون بخندق الشرعية الثورية التي تبيح لهم كل شيء وتوفر لهم الحماية، فليس من السهل إيجاد سبيل عليهم.

[3]   من مقدمة  محمد عابد الجابري في  لكتاب تهافت التهافت لابن رشد الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1998

[4]   المرجع السابق

[5]   صحيح البخاري، باب ايام الجاهليه، حديث رقم 3636

[6]   من ما ورد في القران كمثل الصحابة الذين تخلفوا عن الجهاد، صورة التوبة ايه 118 وكذلك تبرئة ام المؤمنيين النور ايه 11

[7]  معركة الجمل والفتنة الكبرى

[8]  ينسب هذا القول احيانا الى ابن عباس رضي الله عنه

[9]  اذكر هنا مثال البير كامو في رواية الغريب، شخصية الغريب بطل الرواية ملحد حتى النخاع، هو لا يؤمن بالله وقد انعكس "صدق" الحاده في كل مسالكه، فمسلكه في جنازة امه كان من النقاط الرئيسية التي بنى عليها القاضي حكمه في ادانته، وكانت في نظر القاضي ووكيل النيابة اكبر من جريمة القتل. وفي الرواية الكثير من هذه المشاهد، مثلا علاقته بصديقته، حواراته الداخلية مع نفسه وهو يتتبع محاكمته، حواره مع القسيس، ولا ادري هل حكيم يرى الى الاشياء كما يراها السيد مارسو في الغريب؟

[10]  هذا الموقف مثله من الكتاب المعاصريين جان بول سارتر في مسرحيته المشهورة "الذباب"

[11]  المرجع رقم (1)

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home