Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Emes Intmora
الكاتب الليبي اميس انتمورا

الإربعاء 3 نوفمبر 2010

انقلاب من عَـقـَـلَ الوثائق على الوثائق

اميس انتمورا

 

"ان لم تستحي فاصنع ما شئت"

                       قول مأثور 

في مقالي السابق[i] اشرت الى ما سماه تشومسكي بلعبة المصطلحات حيث قال "مصطلحات السياسة لها معنيان، أحداهما معناها المعجمي المتعارف عليه، والثاني معناها الذي يخدم ايديولوجية الاقوى" ، واضيف هنا ان المعنى الدي يخدم غرض ما هو الذي يشيع. فمثلا كلنا نقول "ان لم تستحي فاصنع ما شئت، وهو قول مأثور ويذهب البعض الى اعتباره حديث شريف.

المهم كيف يُفْهم هذا القول .... دعنا نفسره باللغة الدارجة ليكون فهمه اوقع .... معناها "كانك ما تتحشمش ووجهك كاغط احرش صحيح دير شن تبي"، لكن المعنى الاخلاقي الذي يعنيه هذا الحديث بعيد كل البعد عما شاع في معناه بين الناس، المعنى الاخلاقي هو "إن كان الامر الذي تاتيه غير مخجل فلا بأس من الاتيان به"، اى ان لم تستحي من طبيعة الشئ الذي ستصنعة فلا بأس من الاتيان به.

من الاخلاق ان لاتتهم الناس ظلما بنية الاساءة اليهم، ومن الاخلاق ان لا تمدح من لا يستحق، ومن الاخلاق الا تجحد امرا لتحقيق غرضا، ومن الاخلاق الا تتستر على عيب افتضح لتحقق مأرب لك فيه.

اظهر التقرير الاخير لمنظمة الشفافية الدولية ان ليبيا تتصدر قائمة الدول الاكثر فساد في العالم. غطى تقرير المنظمة مستويات الشفافية في 178 دولة، واعتمد المؤشر في تقريره على عدة استطلاعات[ii] قام بتنفيذها عدد من المؤسسات المستقلة[iii]، وتـُعَرف المنظمة الفساد بأنه "سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية(Corruption is the abuse of entrusted power for private gain)[iv]". ولا تميز المنظمة بين الفساد الإداري والفساد السياسي، بل الفساد السياسي هو المذخل للفساد الاداري.

 وهناك فرق كبير بين المنظمات التابعة لهيئة الامم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني المختلفة، ففي حين تعتمد منظمات هيئة الامم المتحدة على التقارير والبيانات التي تقدمها الدول المعنية بدون تدخل منها او مراجعة مصداقية هذه البيانات، فان منظمات المجتمع المدني تقوم بنفسها عن طريق مؤسسات خاصة اجراء دراسات واستطلاعات حول المواضيع التي تدخل ضمن نطاق عملها، ولعله من الجدير ان نقدم هنا اسباب تكون هذه المنظمة تحديدا.

قام بـتأسيس هذه المنظمة غير الحكومة بيتر آيجن الذي شغل منصب مدير البنك الدولي وعمل فيه مدة ثلاث عقود متوالية، استطاع خلالها ملامسة دور الفساد عن كتب في انهيار اقتصاديات ومستويات التنمية في العديد من دول العالم، وخاصة الافريقية منها، ولمس ايضا دور الدول المانحة في تشجيع الفساد والسكوت عنه تحت مبرارات سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المنتفعة من المنح التي تقدمها الدول المانحة دون شروط او قيود على انفاقها، مما ترك هذه الدول رهينة للدول المانحة، وكان المستفيد من هذا الفساد هو الدول المانحة والانظمة الفاسدة في الدول الممنوح لها، اى ان الدول المانحة .... او بعض مؤسساتها .... والانظمة الفاسدة كانا دوما شريكان.

وربما من اهم محفزات الفساد، ان الشركات المختلفة ...بل وحتى الدول.... نتيجة التنافس التجاري الشديد، تجد نفسها رهينة قبول دفع الرشاوي للشخصيات المتنفدة[v] في الدول التي تحكمها انظمة فاسدة او غير مستقرة، وشراء دمم الشخصيات التي لها صلاحيات في هذه الدول.

وعرف مؤسسو منظمة الشفافية الدولية دور المنظمة :" هدف[vi] عملنا هو خلق مناخ قادر على جعل التعاون الشفاف ممكناً على أرض الواقع. فواجب منظمتنا لا يكمن في البحث عن مذنبين، بل في خلق وعي عالمي بحجم الأضرار التي تبلغ قيمتها البلايين والناتجة عن تأخر عملية التطور في المجال التعليمي وفي مجال البُنية التحتية للدول النامية. وفي نفس الوقت تهدف منظمة الشفافية الدولية إلى تحويل بؤرة الاهتمام إلى الكوارث البيئية والتنموية الناتجة كذلك عن ممارسة الرشاوى".

ويحضرني هنا مقابلة اجراها إذاعي قناة البي بي سي الثانية جرمي باكسمان في برنامجه اليومي: (اخبار الليل ـ Newsnight)، مع كل من السفير الفنزويلي لدى بريطانيا الدكتور صمويل مونكادا والسفير الفنلندي بيكا هوهتانين بخصوص موضوع التقرير[vii]. من الملاحظ ان الفساد يرتبط ارتباط وثيق بمستوى المعيشة، فالدول الغنية يتدنى فيها الفساد وتزداد فيها الشفافية، والعكس صحيح.  في اجابة السفير الفنلندي[viii] على هذه النقطة يقول ان التعليم هو مفصل هذه العلاقة، فالدول الغنية قادرة على تطوير التعليم ومستوى المتعلمين، والمتعلمون بطبيعتهم اقدر الناس على فهم حقوقهم وبالتالي بامكانهم السيطرة على السلطة وعدم الوقوع تحت ثأتيرها، وذكر اربع نقاط .... نشاركه فيها .... يعتقد انها اسباب رئيسية في تدني الفساد في دول اسكاندنافيا عموما وفي فنلندا خصوصا وضعها كالتالي:

1)    التقليد العتيق لحكم القانون واحترامه الذي تمتد جدوره في التاريخ حتى العصور الوسطى.

2)    ادارة راشدة غير برقراطية وقليلة العدد، يتنافس عليها اناس على قدر عالي من الخبرة.

3)    عموم الناس متعلمين ومدركين لحقوقهم، لا يسمحوا للسلطة بترويضهم.

4)    اجهزة رقابة نشطة مكونة من تنظيمات المجتمع المدني غير الحكومي.

لن اتطرق هنا لرأي السفير الفنزويلي، فللاسف .... خطابه لا يختلف عن خطاب "ثوريي" عصر الانقلابات، فالمشكلة في عقول هؤلاء الثوريين تكمن في امريكا[ix].

المنافسة في الوظيفة هى اساس النجاح في الاداء، وهنا يختلف اداء الدول التي تعتمد على تنافس خبرات مواطنيها وبين الانظمة التي تعتبر الوظيفة العامة امتياز يمنح للموالين لها. لهذا اجيز لنفسي ان اسمى الاولى دولة المواطنين يديرها نظام يخدم المواطن، والثانية دولة الانظمة تحكمها عائلة او عصابة سيان. والفساد في العملية التعليمية يهذف الى السيطرة على المجتمع، وبالتالي اولى القطاعات التي تستهذفها الانظمة الدكتاتورية هي قطاع التعليم، فينتج المجتمع انصاف متعلمين لا يدركون حقوقهم، بلا انكاء من ذلك يعتقدون ان الحقوق هبة ومنحة تهبه الدولة لمن ترضى عنه.

طبعا اصحاب الوهم الثوري لا يريدون ان يروا اويكشفوا الفرق بين هذين النوعين من المنظمات، المنظمات الحكومية الاهلية والدولية على حد السواء ياتي دعمها من قبل الحكومات، وبالتالي لا نتوقع منها ان تكشف ما يغضب هذه الحكومات، او في احسن الاحوال كشف الحكومات الفاسدة ليس ضمن اطار عملها القانوني. لذلك لا نستبعد ان يرد في تقرير اليونسكو ان ليبيا في مقدمة الدول في مجال التعليم، لان احصائياتها عن المدارس والجامعات استقتها من بيانات الدولة الليبية، وهذا هو دورها في الحقيقة، فاذا ارادت ليبيا ان تؤهم العالم بانها يابان العصر فهذا شئنها وليس شأن المنظمة. المنظمات المهنية العالمية كاليونسكو والصحة تجمع هذه البيانات من الدول المعنية حتى يتسنى لها الاستفادة من خبرات الدول التي نجحت في اذائها وحل مشاكلها، وإفادة الدول التي تعطلت فيها واستعصى عليها حل مشاكلها، هي ليست معنية بما تدعي الدول، هي معنية بمساعدة هذه الدول ان كانت في حاجة للمساعدة، وعندما تقدم دولة ما بيانات كاذبة من اجل الدعاية، فانها تجني على شعبها وتفوت عليه فرصة الاستفادة من المساعدات المتاحة لها، وهذا ما يحدث غالبا في الدول المتخلفة.

لو تناولنا سوء التعليم والمأساة التي تعانيها العملية التعليمية التى انتجت اميين بدرجات عليا لما سعتنا اعين العالم عن البكاء على ماساتنا، وللاسف هناك اموال ضخمة تهدر في التعليم، وهذه شهادة نقولها، لكن الفساد المستشري اذهب بثمارها، وليس من قبيل المبالغة ان نقول ان المؤسسات التعليمة تخرج الاميين، فهناك حملة ماجستير في العلوم والهندسة لا يتقنون جمع الكسور، وهناك خرييجن من كليات القانون والعلوم الانسانية تخلو تعابيرهم من عبارة واحدة سليمة نحوا او املاء. وإن كان الثوريون لا يرون ذلك، فذلك لانهم يعيشون في بروج ثورتهم العاجية.

امريكا التي يلعنها الثوريين ... لمن تمد اياديها؟

قس على ذلك المجال الصحي، فطوابير "سياحة الاستشفاء والعلاج" في تونس ما زالت تنمو رغم الملايين المهدورة في القطاع الصحي، ولا زال "علية القوم" يلدون اطفالهم في مستشفيات اوربا. وان لم يكن هذا فساد بعينه وفمه واذنه وكل جسده، فما هو الفساد اذا؟؟؟!!!......

ثم ان هذه المنظمات، كاليونسكو التي يحلو للثوريين الاشادة بتقاريرها، اليست منظمات دولية تتبع الامم المتحدة التي تسيطر عليها الة الهيمنة الامريكية والغربية؟ فكيف نتهم "نوايا" منظمات المجتمع المدني؟ ألانها "طبق لم يوافق شنة"؟ وتلك نشيد بها لانها "وافق طبقا شنة"!!!......

ونحن نتسأل هنا، اين الحرية التي يراها الثوريوون ولا نراها، انسمي الالتفاف بـ"القائد" مثلا حرية؟ اين حرية من لا يريد ولا يعترف به "قائدا" في ذلك؟. أنسمي الانخراط في اللجان الثورية حرية، ولا نكون ثوريين الا اذا انخرطنا فيها؟ انسمي قانون تجريم الحزبية حرية؟ انسمي منع العصيان وشطب مفاهيم المعارضة والرأي الاخر حرية؟. ان كان ذلك كذلك فان الحرية تقع في مستنقع ايدلوجيات الثوريين، ونقع نحن في سجن المعنى الثاني للمصطلح السياسي، وتصبح المعاني وهم والواقع كابوس.

اني احيانا ... حتى اتحرر من كابوس الواقع .... اتمنى ان تكون لي عيون "الثورييين" لارى بها في ظلامهم الحالك، او امنحهم عيوني ليروا بها في النور.

والله من وراء القصد. 

أميس انتمورا 


[ii] ) شملت عمليات الاستطلاع وجهات نظر خبراء عن الدول المختلفة ورجال أعمال أجانب،  وتناولت مسألة مدى تقبل السياسيين وموظفي القطاع الاداري  للرشاوي.

[iii] ) المنظمات التي قامت بهذا الاستطلاع شملت وحدة المعلومات في مجموعة الإيكونومست البريطانية، البنك الدولي، دار الحرية، مؤسسة البصيرة العالمية، بنك التنمية الآسيوي وبنك التنمية الإفريقي.

[v] ) صفقة اليمامة مثال على هذا النوع من الرشاوي التي تمنح لمتنفدين في الدول من اجل الحصول على عقود ضخمة، ومرة اخرى انوه الى ان الذي كشف العملية وحدر من الفساد اللاصق بها هو افرازات المجتمع الغربي الذي نحاول ان ننال منه.

[viii] ) منقول من الذاكرة، وبالتالي قد لا يكون مطابقا تمام للحوار، وبالامكان العودة لهذا الحوار في الرابط السابق للدقة.

[ix] ) يتأسف الانسان ان يرى القارة التي انجبت مناضلين كالشاعر بابلو نيرودا والثواري تشي جيفارا والزعميم سيلفادور اللندي لا زالت ترزح تحت هذا التقل من الفساد.

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home