Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ezzeddin al-Lawaj
الكاتب الليبي عزالدين اللواج
Wednesday, 4 October, 2006

منطقة فوق صفيح ملتهب

قراءة وتحليل : عـزالدين اللواج

قراءة فى كتاب :
( العرب وأمريكا.. من الشرق أوسطية إلى الشرق الأوسط الكبير )

بإنهيار الإتحاد السوفيتي ومعسكره الشرقي انتقل المجتمع الدولي إلى مرحلة جديدة ـ قديمة هي مرحلة الأحادية القطبية والتي تفيد مضامين السطور الكونياليه لمفكرة تمظهراتها المختلفة بأن أبرز عناوين تجليات حراكها الدينامي قد تجسد في معطيات التحرير الرسمي والعلني لشهادة وفاة الشرعية الدولية وتكريس واقع تحول الأمم المتحدة إلى مجرد لاعب هامشي في منظومة تفاعلات المشهد السياسي الدولي ، وكذلك إقدام القطب الأمريكي المهيمن على التدخل غير القانوني في شؤون مختلف دول العالم من خلال عدة ترتيبات وإجراءات تطبيقية وعملية منها على سبيل الذكر لا الحصر ما يتعلق بطرح مبادرات استراتيجية ذات غائية توسعية لا تخدم إلا مصالح ذلك القطب الأمريكي المهيمن وحلفاؤه ، ولا تعمل إلا على زيادة مشاكل وأزمات الأطراف التي تُستهدف ضمن مشاريع تلك المبادرات ، خاصة إذا كانت تلك الأطراف أطراف إقليمية هامشية ومترهلة على شاكلة الدول المكونة لنطاق ما يسمى بالنظام الإقليمي العربي ، والذي تتعرض مكوناته القطرية المشتتة في الوقت الراهن لتداعيات مبادرة أمريكية تثير توجساً واستهجاناً وارفين في المنطقة العربية ، وهذه المبادرة هي مبادرة الشرق الأوسط الكبير التي يُحذر من عواقبها وأبعادها الخطيرة أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء الدكتور محمد علي حوات، وذلك في كتاب صدر له مؤخراً عن مكتبة مدبولي بالقاهرة احتوت صفحاته البالغة 276 من الحجم الكبير على مادة معرفية مميزة فيما يلي عرضاً مختزلاً لأهم محاورها الفكرية :ـ

الشرق أوسطية فكرة قديمة

بعد فصل تمهيدي يتناول من خلاله مؤلف الكتاب أهم التوترات التي مرت بها المنطقة العربية من جراء التدخل الخارجي في شؤونها ، يُدشن الدكتور محمد علي حوات كتابه بسرد تاريخي لأهم المشاريع الاستعمارية الشرق أوسطية التي مرت بها المنطقة العربية ، مؤكداً على أن شيمعون بيريز لم يكن في الواقع " أول من وضع نظرية السلام الاقتصادي كما يرى البعض ، وليس هو المهندس السياسي والفلسفي الرئيسي للشرق أوسطية الجديدة والتي يعتقد الكثيرون أنه قد صاغها وأخرجها في كتابه الشرق الأوسط الجديد الذي صدرت طبعته الأولى في عام 1994م ، كما أن صيغة مدريد الأمريكية والمباحثات المتعددة الأطراف لم تكن النافذة التي أطلت منها مخططات انشاء النظام الإقليمي الشرق أوسطي ، ليكون بديلاً عن النظام العربي ولتدخله إسرائيل وأطراف أخرى غير عربية ، فالفكرة إذاً ليست فكرة التسعينات ، بل هي فكرة قديمة ولدت في شكل مشروع صهيوني قبل ولادة الدولة العبرية نفسها وحانت فرصة التنفيذ بعد مؤتمر مدريد الذي أعقب كارثة الخليج الثانية ، فمشروع الدولة الإقليمية العظمى ، والتزاوج بين العقلية الصهيونية والثروات العربية قد ظهر مع ظهور المشروع الاستيطاني في فلسطين وإنشاء المنظمة الصهيونية بمبادرة من هرتزل .
وفي عام 1923م وضع جابوتسكي مشروع الفيدرالية الذي يتألف من النقطتين التاليتين : ـ
أ ـ إقامة فيدرالية تضم فلسطين بسكانها العرب واليهود وشرق الأردن .
ب ـ ضم هذه الفيدرالية إلى كونفدرالية تشمل الدول العربية الأخرى في الشرق الأوسط.
وفي الثلاثينات من القرن المنصرم أعلن بن جوريون أكثر من مرة أن من مصلحة الصهيونية تأييد مشروع الوحدة العربية ، بل وضرورة الإنخراط فيها ، وهو ما يعني ترك فلسطين لليهود عند إنضمامها للإتحاد الكونفدرالي العربي .
وفي عام 1943م وضع د . برجمان مشروع يهدف إلى تحويل دول الشرق الأوسط إلى سوق مشتركة تصب خاماتها في فلسطين ص 52 -53 .

الشرق أوسطية " مرحلة ما بعد 1948 م

بعد اغتصاب فلسطين مرت الفكرة الشرق أوسطية بمراحل مخاضية عدة يرصد الدكتور محمد علي حوات أهمها في الوقفات التاريخية التالية : ـ
1ـ دعوة حاييم وإيزامان عام 1950 م إلى ضرورة أن تتحول ما أسماه بدولة إسرائيل إلى سويسرا جديدة تمد أسواق الشرق الأوسط بالبضائع الاستهلاكية .
2ـ تأكيد " جولد مان " في عام 1952 م بأن إسرائيل التي تمثل الآن 1% من مساحة العالم العربي عن طريق الحرب والمواجهة الساخنة يمكنها احتلال مساحة الوطن العربي بأكمله من خلال حيلة السلام والتعاون الاقتصادي .
3 ـ ما توصل إليه " شيفر " المتخصص في اقتصاد الدول العربية في نهاية دراسته التي كلفته بها " جولدا مائير " إلى نتيجتين مهمتين هما :ـ
أ ـ إن السلام مع مصر سيؤدي لخفض الانفاق العسكري بين الطرفين .
ب ـ انفتاح إسرائيل على النظام العربي يلعب دوراً حيوياً لتأمين الاتصال البري بين مصر والدول العربية في المشرق والخليج .
4 ـ قيام إسرائيل بإعداد أطلس عام 1965 م تم من خلاله توضيح الرؤية الاستراتيجية الخاصة بالعلاقات المستقبلية مع الدول العربية .
5 ـ بعد نكسة 1967 م قامت عائلة الملياردير " روتشيلد " ببناء معهد بالقرب من جنيف وأطلق عليه اسم " معهد السلام في الشرق الأوسط" ، وفي أواخر عام 1967 م كتب شيمعون بيريز مقالاً في مجلة الأزمنة الحديثة الفرنسية تحت عنوان " يوم قريب ويوم بعيد " طرح من خلاله جزء من أفكاره وتوجهاته الشرق أوسطية مستدللاً بالنشاط السياسي الذي قام به " دجان مونيه " عقب دعوته إلى تأسيس السوق الأوروبية المشتركة ، ولقد أكد بيريز من خلال مقالته الآنفة على " أن الفكرة السياسية ليست وحدها تستدعي الانتباه بل إن الاقتصاد أو الحجة الاقتصادية يجب أن تكون محور الفكرة ، لذا فإن الفكرة الاقتصادية هي المركز والمحور بالنسبة لإسرائيل " ص 55 .
6 ـ الكتيب الذي أصدره التجمع من أجل السلام في عام 1968 م وذلك تحت عنوان " الشرق الأوسط عام 2000 م " وتنبأ من خلاله معدي الكتب بأن إسرائيل سوف تستحوذ على الجزء الأكبر من محصول السوق وستكون مركز المنطقة العربية وبؤرة تفاعلاتها التطورية المختلفة .
ولقد حددت الدراسة الآنفة الإطار الجغرافي لمنطقة الشرق الأوسط بالدول التالية " إسرائيل ـ مصر ـ الأردن ـ سوريا ـ لبنان ـ العراق ـ إيران ـ دول الخليج العربي ـ أفغانستان ، باكستان ، ليبيا " .
7ـ ما أعلن عنه وزير خارجية إسرائيل " أبا إيبان " في مؤتمر جنيف المنعقد في عام 1974 م من أن السلام ليس فقط وقف إطلاق النار ، وإن الضمان الحقيقي للسلام هو إقامة مصالح مشتركة بين العرب وإسرائيل بحيث تكون لها سمات التنوع والكثافة " .
8ـ بعد زيارة السادات للقدس وبدء محادثات كامب ديفيد عدلت الفكرة الشرق أوسطية واقتصرت على المطالبة بسوق شرق أوسطية مع مصر وحدها بحيث ستضم إليها فيما بعد كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ، على أن يترك المجال مفتوحاً لكل من يرغب في الانضمام من الدول العربية .
وبعد توقيع معاهدة كامب ديفيد وضع جفنون محافظ البنك المركزي الإسرائيلي بالتعاون مع د . مصطفى خليل رئيس وزراء مصر ووزير خارجيتها وقتذاك دراسة اقتصادية تتلائم مع أحوال المنطقة في تلك المرحلة ، ويقول د . خليل إن المشروع كان موضوعاً بمفهوم آخر وفلسفة تختلف عن ما هو موجود الآن على الساحة ، إلا أن العديد من التقييمات لمشروع جفنون ـ خليل تؤكد أنه نسخة منقحة ومزيدة من مشروع الشرق الأوسط 2000 م .
ورغم الجدل الذي أثاره الدكتور خليل في ندوة المصور " الشرق الأوسط إلى أين ؟ " في 15/10/1993 م فإن التصور الحديث للمشروع الشرق أوسطي قد بدأ بالظهور في فترة سابقة لدراسة جفنون ـ خليل ، وتشير بعض المصادر إلى أن هذا المشروع كان مشروعاً مشتركاً أعده شيمعون بيريز وأشرك معه مصطفى خليل في منتصف الثمانينات ليكون مشروعاً شرق أوسطياً مشابهاً لمشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، وقد أطلق عليه البعض مشروع بيريز ـ خليل ، وقد واكب الحديث عن هذا المشروع عقد اتفاقية منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتي تدمج السوق الإسرائيلية مع السوق الأمريكية وتتكامل معها " ص 57 .
9 ـ بعد صدور دراسة " التعاون الاقتصادي وسلام الشرق الأوسط " التي صدرت في عام 1989 م وأعدها مجموعة من كبار الأكاديميين الإسرائيليين والأمريكيين وذلك بتمويل من صندوق " هامر " للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب بالتعاون مع مؤسسات أمريكية ،ظهرت على الساحة السياسية العربية عدة ترتيبات مرحلية من ضمنها اجتماع يناير 1992 م الذي دعا لإتخاذ تدابير وإجراءات اقتصادية تصب في مصلحة تطبيق الشرق أوسطية ، بعد كل ذلك صدر كتاب شيمعون بيريز " الشرق الأوسط الجديد " والذي هدف من خلاله إلى " خلق جماعة إقليمية من الدول ذات سوق مشتركة وهيئات مركزية منتجة على غرار الجماعة الأوروبية ، ويطرح في هذا الصدد تصوره لدوافع ومراحل عملية تأسيس هذا التجمع الاقتصادي الإقليمي في سياق تحول الشرق الأوسط من المجابهة إلى السلام " ص 60 .
وفي تقييمه للكتاب الآنف يقول الدكتور محمد علي حوات "إن القارئ لكتاب بيريز (الشرق الأوسط الجديد) قد يندهش للوهلة الأولى بالموضوعية والمنطق ، وهو يتحدث عن فشل الحرب وأهمية السلام، غير أنه سرعان ما يشعر بالخبث والضغينة من خلال ما يطرحه عن التخوف من الفصائل والمنظمات الجهادية التي تلقن إسرائيل دروساً قاسية" ص 60.
وفي تقييم آخر لمجمل المشروع الشرق الأوسطي يؤكد حوات على أن المشروع يهدف إلى " تكريس الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية من خلال دور مركزي أمني بارز في الدفاع عن منابع النفط في الخليج العربي عن طريق اشتراك إسرائيل في توجيه أرصدة النفط من أجل تنمية مشتركة تقلل من تفاوت الثروة بين عرب العسر وعرب اليسر ، ومن واقع الدوائر والأنظمة الفرعية التي يحددها المشروع الإسرائيلي للشرق الأوسط داخل النظام الإقليمي ، نلاحظ أن إسرائيل تحدد دوائر تتدرج في اتساعها مع التقدم في مجالات التعاون المختلفة خارج مسار التفاوض الثنائي بالطبع : منطقة تجارة حرة مع الأردن والكيان الصهيوني ، نظام إقليمي فرعي للشرق يشمل مصر وتركيا وإسرائيل والأردن والكيان الفلسطيني ونظام فرعي ثالث يضم دول الخليج وتشترك فيه إسرائيل ، ونظام رابع للمغرب العربي ترتبط معه إسرائيل بشبكة من العلاقات الاقتصادية والتجارية والتمثيل الدبلوماسي مما يعني أن ثقل إسرائيل في داخل كل نظام فرعي أو إقليمي سيكون أعلى مما لو شاركت مجموع الأقطار العربية في تلك الأنظمة ، مما يعني تحقيق السيادة الاستراتيجية لإسرائيل في المنطقة العربية " ص 68.

من المتوسطية إلى الشرق الأوسط الكبير

بعد أن يؤكد المؤلف على أن المتوسطية قد جاءت في الأساس كرد فعل على المشروع الشرق أوسطي، وعلى أهم المخاطر التي ترافق تطبيق استراتيجية إعلان برشلونة بشأن الشركة الأوربية ـ المتوسطية، ينتقل الباحث إلى محور مشروع الشرق الأوسط الكبير مشيراً إلى أن هذا المشروع كان ثمرة لجماع "11" مبادرة غلفت بالإصلاح ووجهت إلى منطقتي المتوسط والشرق الأوسط وهذه المبادرات هي : ـ
1 ـ مبادرة المشاركة مع الشرق الأوسط " كولن باول " في 12 ديسمبر 2002 م .
2 ـ مبادرة الاتحاد الأوروبي ( أوروبا الأكثر اتساعاً ) " الجوار الجديد .
3 ـ تبسيط إجراءات الإتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان في 11 مارس 2003 م مع الشركاء المتوسطين 21/5/2003م .
4 ـ مبادرة الدانمارك " الشرق الأوسط الأكبر إتساعاً " في يونيو 2002 م .
5 ـ مبادرة يوتكا فيشر مبادرة جديدة عبر الأطلنطي 7/2/2004 م .
6 ـ مبادرة جاك استرو " حق التعبير في العالم الإسلامي " مارس 2004 م .
7 ـ مبادرة كندن واتماريته : ميثاق للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط .
8 ـ مبادرة فرنسية ألمانية من أجل مستقبل في الشرق الأوسط مارس 2004 م .
9 ـ مبادرة مجموعة قمة الثمانية " الشرق الأوسط الأوسع وشمال أفريقيا " 9/6/2004 م .
10 ـ مبادرة الإتحاد الأوروبي ودور المشاركة مع منطقتي المتوسط والشرق الأوسط في18/6/2004م.
11 ـ قمة حلف شمال الأطلنطي " مبادرة اسطنبول " 30/6/2004 م .
ويرى الدكتور محمد على حوات في إطار حديثه عن مشروع الشرق الأوسط الكبير أن المشروع " قد أتى في وقت تعرضت فيه السياسة الأمريكية لضربة موجعة في مصداقيتها بعدما ثبت عدم صحة ما تردد حول حيازة العراق أسلحة دمار شامل وهو الزعم الذي كانت أمريكا وبريطانيا تستندان عليه لشن حربهما على العراق ، ومن ثم تلقي الشكوك في مصداقية الإتهامات التي وجهت للعراق "كنموذج " على مبادرات الإصلاح السياسي والديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير المزعوم ، كما توفر السياستان الأمريكية والبريطانية أسباباً إضافية للشكوك وذلك بطرح قانون " الاشتباه " الذي يسمح باعتقال أشخاص ربما يكون لديهم نوايا بارتكاب أعمال إرهابية تظل حتى الآن بدون تعريف " ص 129.
وفي نقده لما يسمى بمبادرات الإصلاح والديمقراطية التي تحاول أمريكا وكذلك حلفاؤها فرضها على المنطقة العربية يؤكد حوات على أن تلك المبادرات تأتي في زمن تتعرض فيه المفاهيم الثابتة في ضمير الإنسانية إلى تغيير وتبديل فالمقاومة المشروعة تحولت إلى إرهاب وتحول انتهاك السيادة إلى تحرير وتحول المبدأ الثابت من أن " المتهم برئ حتى تثبت إدانته " إلى " المتهم مدان حتى ثبت براءته " . ص 129 .

وفي سخرية من الدعاوي الأمريكية المطالبة بالديمقراطية والإصلاح في المنطقة العربية يتساءل المؤلف ف قائلاً : ـ إذا كانت الولايات المتحدة راعية مشروع الشرق الأوسط الكبير تستخدم الآن مئات من القوانين المقيدة للحرية والتي تبيح الاعتقال بدون إبداء الأسباب وتبيح التجسس على الكلمات الخاصة للأشخاص والتجمعات أياً كانت وتتعقب من تراه خطراً على الأمن العام ، هي بذلك ترتكب ممارسات وإجراءات يدينها مشروعها الإصلاحي فكيف ستحاول فرض قواعد أصبحت هي في حل منها الآن ؟ .

الموجة الثالثة للشرق أوسطية

بعد أن يتعرض الدكتور محمد علي حوات لأهم الانتقادات التي وجهت لمشروع الشرق الأوسط الكبير من قبل دفاتر رسمية وكذلك من باحثين ينتمون لمصانع أفكار أمريكية مختلفة ، يشير إلى أن طرح المشروع خلال هذه المرحلة يمثل " الموجة الثالثة لتيار الشرق أوسطية المعاصرة وتحديداً في صياغتها الأمريكية والتي أعقبت الصياغة البريطانية لـ الشرق الأدنى وكلاهما مفهوم استعماري ينطلق من نزعة المركزية الغربية التي تحكمت فيها تصورات الإمبراطوريتين ، وهي تصورات ارتبطت بالجغرافيا السياسية للإقليم العربي ودورها في الاستراتيجية العالمية السائدة آنذاك ، فالشرق الأدنى كان مجرد طريق بريطانيا إلى الهند درة تاجها ، وأهم مستعمراتها قاطبة ، بينما كان الشرق الأوسط دوماً هو المجال الحيوي للاستراتيجية الأمريكية وأحد محاور حركتها نحو العالمية ، ففي الموجة الأولى لتيار الشرق أوسطية كان الطرح بقصد حصار الاتحاد السوفيتي في خمسينات القرن العشرين بحلف الدفاع عن الشرق الأوسط ، ثم حلف بغداد حيث ذاعت استراتيجية ملأ الفراغ التي تبنتها إدارة الرئيس أيزنهاور في مواجهة احتمالات التمدد الشيوعي في المنطقة العربية أساساً ثم الهلال الإسلامي المحيط بها وربما إفريقيا جنوب الصحراء في بطنها ، وفي الموجة الثانية له كانت الشرق أوسطية طرحاً شاملاً وتبشيرياً للانتقال بالعالم العربي وإسرائيل من عصر الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الاقتصادية بعد نهاية الحرب الباردة والتحالف العربي ـ الأمريكي ضد العراق بهدف تحرير الكويت وفي قلبه كان الهدف المركزي هو إدماج إسرائيل في المنطقة باعتبارها الوكيل الاستراتيجي الأساسي لها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي وإعادة بناء التحالف الغربي ، وأما في الموجة الثالثة الراهنة فيأتي تعبيراً عن الحضور الجديد والمختلف للولايات المتحدة في المنطقة والذي صار ضاغطاً عليها وغير قانع بأنماط التأثير السابقة فيها عبر بوابة التوافق الغربي الواسع حولها أو من خلال التفاهمات مع دولها الكبرى المعتدلة ، ونازعاً إلى حصارها عبر الأدوات الصغيرة من قضايا فرعية أو خلافية " تورط بعض العرب في أحداث سبتمبر " أو إشكالية " الموقف من الديمقراطية " والتي قادت تدريجياً وتصاعدياً إلى مبادرة الشرق الأوسط الكبير " ص 144 – 145.
والتي يرى الدكتور محمد علي حوات أن موجتها الآنية تتسم عن الموجتين السابقتين بالتالي : ـ
أ ـ الاتساع الجغرافي الملحوظ من الوصف الكبير ، إذ أن المشروع لم يعد يضم فقط باكستان وتركيا كما كان في الموجة الأولى ، أو تركيا وحدها في الموجة الثانية ، بل أصبح يضم تركيا وباكستان وأفغانستان وإيران وذلك بجانب العرب وإسرائيل وهما الركيزتان الدائمتان للشرق الأوسط صغيراً كان أم كبيراً .
ب ـ العمق الوظيفي المطلوب من الطرح وهو " التغيير الشامل " فعلى عكس الموجتين الأوليين من تيار الشرق أوسطية واللتين استهدفتا من أبعاداً سياسية واستراتيجية ضد الاتحاد السوفيتي أو تكيفاً مع ترتيبات الصراع العربي ـ الصهيوني ، يستهدف النظام العالمي الجديد من طرح مفهوم الشرق الأوسط الكبير إحداث تغييرات ثقافية عميقة على عدة مستويات أهمها النظام التعليمي والخطاب الديني .

جانب من الاستراتيجية الأمريكية في العراق

علاقة ما يحدث في العراق بمشروع الشرق الأوسط علاقة يراها المؤلف وطيدة وتتعلق في الأساس بترتيبات صهيو ـ أمريكية تهدف لإقناع العرب والمسلمين بأن النموذج العراقي هو النموذج الدولتي الذي يجب الاحتداء به في منطقة الشرق الأوسط الكبير ، ويكشف الدكتور محمد علي الحوات في سياق حديثه عن خفايا الاستراتيجية الأمريكية في العراق عن وجود مخطط صهيو ـ أمريكي قديم يهدف إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق مذهبية وعرقية وذلك عبر مرحلتين رئيسيتين هما : ـ
1 ـ مرحلة تكوين سلطة مؤقتة تحت الاحتلال تحقق مشروعية استمراره وتقوم ببناء أجهزة بديلة لبناء الدولة على أساس الطاعة الكاملة والتبعية المطلقة للولايات المتحدة .
2 ـ تكوين الدولة المؤسسية التابعة بجيشها وشرطتها وخارجيتها وإدارتها الداخلية من العناصر الموالية للمحتل لتنتقل قوات الاحتلال إلى مراكز تجمعات محصنة خارج المدن ، والأكثر من هذا وعلى المستوى الدولي أرادت أن تعلن وفاة الأمم المتحدة وإلغاء أي دور للخمسة الأعضاء الدائمين ونهاية صلاحية القانون الدولي ومؤسساته وبدأت تلوح بعصاها الغليظة المصحوبة بمقولة بوش أيضاً " من لم يقف معنا في حربنا على الإرهاب فهو ضدنا " .

اعترافات من داخل البنتاغون

تحت هذا العنوان يشير المؤلف إلى الاستهجان الذي لاقته الاستراتيجية الآنفة داخل الولايات المتحدة الأمريكية ، فبالإضافة لما تمخضت عنه الاستبيانات الصحفية التي أكدت على إن إدارة بوش الإبن فشلت في تحقيق أي مكاسب مثمرة من وراء احتلالها لأفغانستان والعراق ، هناك أيضاً تقارير صدرت عن البنتاغون وعززت من تلك الحقيقة ومن بينها تقرير صدر في " 102 " صفحة ، ويتضمن " انتقادات شديدة للاستراتيجية الأمريكية المنحازة انحيازاً كاملاً لإسرائيل والمعادية للعالم العربي والإسلامي ، وقد ورد في التقرير إن الغالبية العظمى عبرت عن اعتراضها لما يعتبرونه دعماً دائماً بل ومتزايداً لما يعتبره العرب والمسلمون بصفة عامة " حكومات طغيان " ، وقال التقرير صراحة إن العرب والمسلمين لا يكرهون حريتنا ولكنهم يكرهون سياستنا ، وإن من وجهة نظر العرب والمسلمين فإن الإحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان ، لم يؤدِ إلى الديمقراطية هناك ، بل إلى الفوضى والمعاناة ،وتبدو التصرفات الأمريكية على العكس تحركها حوافز خفية ، ويتم توجيهها بشكل مقصود ، لتخدم على أحسن وجه المصالح الأمريكية ، على حساب تقرير المصير للعرب والمسلمين " . ص 228 .
- استهداف علماء ومحاولة لتدنيس مقدسات دينية
في الفصل الأخير من كتاب " العرب وأمريكا ـ من الشرق أوسطية إلى الشرق الأوسط الكبير " يتطرق المؤلف لتداعيات الاستراتيجية الأمريكية الموجهة نحو العرب والمسلمين بشكل عام ولتداعيات مشروع الشرق الأوسط الكبير بشكل خاص ، ففي معرض حديثه عن ذلك يشير الدكتور الحوات إلى إن الإحصائيات كشفت عن أن أكثر من ثلاثمائة عالم عراقي قتلوا منذ بداية الاحتلال حتى شهر مارس 2005 م ، وإن العراق الآن يتعرض وبشكل يومي إلى حرب جديدة وذلك حينما ظهرت فيه " مجموعة مسلحة مجهولة الهوية والنسب تقوم باغتيال الكفاءات العلمية العراقية من أساتذة وعلماء في مجال الطب والفيزياء وكل العلوم التطبيقية كما تستهدف أصحاب العقول الفكرية والعلمية الوطنية كما تم حتى الآن خطف الكثير من الأطباء وأساتذة الجامعات ومن ثم الإفراج عن بعضهم بدفع فدية كلفت المختطف نصف ثروته أو كلها ، وتقول الدكتورة هدى عبد الكريم الاختصاصية الاجتماعية :إن الإحتلال قد هيئ الظروف الداخلية والخارجية لخلق هذه الظاهرة لأهداف مخطط لها مرسومة تهدف لإفراغ العراق من علمائه ورجال فكره . ص 252 -253 .
وبالإضافة لمحاولة استهداف علماء العراق ، يشير المؤلف لمحاولات تدنيس المقدسات الإسلامية ، ففي هذا السياق " أكدت لجنة الداخلية البرلمانية في الكنيست الإسرائيلي بعد الزيارة التفقدية التي قامت بها يوم 27 يونيو 2005 م إلى سجن " مجدو " داخل إسرائيل أنه تم فعلاً تمزيق نسختين من المصحف الشريف على أيدي أفراد من شرطة السجون خلال حملة التفتيش التي قامت بها في السابع من شهر يونيو 2005 م ، وفي ذلك ما يدل على أن تدنيس المصحف في غوانتا نامو أو تمزيقه في السجون الإسرائيلية ليس بالصدفة أو أعمال فردية تصدر عن الجنود الأمريكيين أو الإسرائيليين ، وإنما تحدث بخطط مدروسة واستراتيجيات خبيثة للنيل من عقيدة الأمة وتراثها وطمس هويتها العربية والإسلامية ، وهي مقدمة لتبني كتاب الفرقان " الذي أعد بمشاركة إسرائيلية مباشرة مع الإرادة الأمريكية واستغرق إعداده عدة سنوات ،والهدف هو إلغاء القرآن الكريم نهائياً وتقديم الفرقان الحق كبديل يهيئ الرأي العام الدولي لإعلان الحرب الصليبية الثالثة ضد المسلمين وعقيدة الإسلام ، وممارسة أشد أنواع القهر السياسي والاقتصادي والبدني والعسكري في مواجهة المتمسكين بالعقيدة والرافضين للكتاب الجديد ، ويمثل هذا المخطط الذي انفردت بكشفه جريدة الأسبوع المصرية ، كجرس إنذار لكل الغافلين وضوءاً أحمر لكل الصامتين لعل ذلك يحرك فينا إحساساً بالغيرة على العقيدة " ص 258 -259 .

ختاماً
فإن ما ذكرناه آنفاً يظل عرضاً تحليلياً مقتضباً ، حاولنا من خلاله الوقوف على أهم محاور كتاب "العرب وأمريكا ـ من الشرق أوسطية إلى الشرق الأوسط الكبير" ، والذي يظل رغم بعض الملاحظات الفنية والمنهاجية كتاباً تكمن أهميته الابستمولوجية في كونه يتناول موضوعاً فكرياً وحيوياً تمكن مؤلفه من بلورته في قالب معرفي مبسط وسلس شكل في الواقع إضافة جديدة ومثمرة للمكتبة السياسية العربية والتي هي كما نعلم في مسيس الحاجة لأقلام عربية صادقة ، تتناول بعمق منهجي وموضوعي مختلف القضايا المصيرية التي تمر بها منطقتنا العربية المكلومة .

عـزالدين اللواج
كاتب وباحث
Lawaj2005@yahoo.com
ليبيا


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home