Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Ezzeddin al-Lawaj
الكاتب الليبي عزالدين اللواج


عـزالدين اللواج

Monday, 2 June, 2008

مرحباً بالمشانق

عـزالدين اللواج(*)

في الآونة الأخيرة ترك العديد من المفكرين والنقاد العرب الجدل الدائر حول مصطلح المثقف ودلالاته الإجرائية المختلفة، وباتوا يتحدثون من خلال كتاباتهم ودراساتهم الفكرية عن ظاهرة المتثاقفين والتي ارتأى أولئك المفكرون والنقاد بأن تداعياتها السلبية على مشهدياتنا الثقافي العربي تستحق الاهتمام والدراسة، فالمتثاقفون كما هو وارد في تلك الأدبيات هم عبارة عن عناصر تنم سلوكياتهم وتصرفاتهم المرضية عن انفرادهم بحالة لا اتزان نفسي تكمن خطورتها في إقدامهم على محاولة تدمير البنية التحتية لمشهدياتنا الثقافية العربية وذلك وفق تقنيات وآليات عدة لعل من بينها :
• أولاً: آلية إقصاء المبدع، ومحاولة تهميش مشروعه الثقافي من خلال سد كافة المنافذ التي تمكنه من التعبير عن ذلك المشروع ومن تواصله المباشر مع المتلقي، خاصةً إذا شعر المتثاقفون بأن قدرات ذلك المبدع قد تشكل خطراً على الغنيمة المعنوية والمادية التي يتحصلون عليها عبر اصطناع وهم التميز في أي مجال من مجالات الإبداع الثقافي، فالمتثــاقــف الذي يحــاول أن يحاكي -بشكل مرثي- المثقف المتميز إبداعياً يقوم بدايةً بالكذب على نفسه وإيهامها بالتميز الإبداعي ثم يحاول في خطوة لاحقة فرض وهم تميزه على أفراد الوسط الثقافي والاجتماعي المحيط به، وهو وسط عادةً ما يقدم أفراده تحت تأثير عامل المجاملة أو التزلف أو الجهل بمعايير تقييم النص الإبداعي بالإثناء عليه، بل و يبذل قصارى جهدهم من أجل فرض ذلك النص الهلامي على من يُشهد لهم بالجدارة والكفاءة الثقافية والمعرفية.
• ثانيا: يجد المتثاقف فرصته السانحة عندما تبدأ بعض العناصر المثقفة بالتعبير عن وطأة الظلم والقهر الذي يمارس ضدها، وعن رفضها سيطرة الشريحة المتثاقفة على فعاليات المشهد الثقافي، فيقوم المتثاقف باللجوء لأسلوب تدبير المكائد والدسائس تجاه كل من يُبدي ازدراءه وامتعاضه من الأوضاع الثقافية السائدة، فيعمل المتثاقف مثلاً على توظيف نفوذه الإداري أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي من أجل سحق وإقصاء كل من لا يعترف بقيمه الثقافية الزائفة والمصطنعة والقائمة عادة على خطاب ظلامي بائس لا يجيد إلاَّ التخوين والإقصاء والمداهنة.
• ثالثاً: للمتثاقف سلوكيات متكلسة وهامشية غريبة، فهو - بالإضافة للتأويل السمج - حريص على أن يقتات من فتات النتائج النظرية التي تنجم عن حواراته أو استفساراته غير البريئة من العناصر المجتهدة في حقلها الثقافي والعلمي، والتي لا يتردد ذلك المتثاقف في سرقة جهدها المعرفي ونسبه إلى نفسه، بل إن ذروة تلك السرقة تتجسد في إدعاء المتثاقف بأنه قد بذل جهداً جهيداً من أجل البحث عن تلك الاستخلاصات والوصول لنتائجها، وعندما يحاول أحدهم بأن يصارحه بتلك السرقة تثور ثائرته ويحاول -تحت حجج واهية مثل المؤامرة أو الغيرة- تبرير ومواراة تلك السرقات.
• رابعاً: لا يتوقف المتثاقف عند حد تفخيخ المنافذ التي تمكن الآخر المتميز من الانطلاق والحضور الفاعل في المشهد الثقافي، بل إنه يحرص على الاستثمار الأمثل لوظيفة التشويه التي يتم من خلالها تلويث سمعة الآخر المختلف معه عبر اختلاق وقائع لا وجود لها إلا في مخيلته المريضة، ومن خلال استغلال ثقة ذلك الآخر في نفسه وعدم مبالاته بمكائد واتهامات أمثاله من المتثاقفين، وإيمانه بالمبدأ العقلاني الخلاق الذي عبر عنه المتنبي بالقول :
وإذا أتـتك مذمتي من ناقصٍ      فهـي الشهادة لي بأني كامـلٌُُُُ .
• خامساً: عقدة الإسقاط هي سمة مميزة لنص أو ملفوظ المتثاقف، فالمتثاقف شخصية باثولوجية «مريضة» تحرص كل الحرص على اتهام غيرها أو وصفها بمصطلحات لا تنطبق عملياً وواقعياً إلا على أمثاله من المتثاقفين، خاصةً إذا تعززت الفرضية الآنفة بالتقارير الكيدية والغرضية التي كتبها المتثاقف ضد زملائه في مرحلة ما أو بالوثائق التي تثبت نفاقه وتلونه، السياسي والثقافي وانتهاكه لحقوق غيره من الآدميين تحت مبرر الدفاع عن الوطن والذي يحاول ذلك المتثاقف الآن الرقص على جثث بؤساؤه من خلال ركوب موجة الدعوة للإصلاح أو الترويج لأكذوبة انتهاك حقوقه وتظلمه « البطولات المجانية » .
• سادساً: تنوع نمط الحرب التي يشنها المتثاقف ما بين نمط الحرب الساخنة التي تعتمد على الآليات الآنفة وغيرها، وما بين نمط الحرب الباردة التي تعتمد على تقنيات استفزاز الآخر المختلف معه، كما أن استراتيجية المواجهة في تلك الحرب تبدأ باستجلاء خصائص ثقافة المعاكسة، وتمر باستدراج الآخر إلى مستنقع العنف الثقافي وتنتهي باستخدام العنف المادي ضد ذلك الآخر.
• على كل حال، فإن هذه السطور ليست في الواقع إلا مجرد إيماءة عابرة على ظاهرة المتثاقفين الذين ابتليت بهم مشهدياتنا الثقافية العربية وهم عموماً ليسوا إلا انعكاس للمشهد السياسي المزري الذي تمر به المنطقة العربية الرازحة تحت نير أنظمة تقليدية مستبدة خلقت مناخاً مناسباً لتلك الشريحة المتثاقفة، والتي يعد استغلالها السيء للبراح الرقمي « الإلكتروني » أوضح مثال على ما ذكرناه آنفا من سمات وخصائص مرضية للشخصية المتثاقفة، سيما وأنه قد بدأت تزداد في الآونة الأخيرة مظاهر الاستغلال السيء لذلك البراح الموجود على شبكة المعلومات الدولية « الإنترنت » حيث تمثلت تلك المظاهر في توظيف مواقع وصحف إلكترونية من أجل تشويه سمعة نخب وطنية مثقفة لم يكن جرمها الذي تستحق عليه كل ذلك التجريح والتشهير سوى أنها حاولت بذل جهدها الجهيد من أجل الخروج من دائرة لعنة الظلام والقيام بإيقاد شمعة وسط سرداب تسلطي مظلم يدرك الجميع تفاصيل صفاته وتداعياته في منطقتنا العربية.
• وختاماً نقول لكل من يحاول أن يرهبنا من خلال نصب مشانق التثاقف في مشهدياتنا الثقافية العربية، بأن مشانقك من ورق، وبأن استغلالك القبيح لحرية التعبير لن يجدي، فقافلة التنوير والإصلاح ستسير رغم معاناتنا، وآهاتنا، ورغم إرهابك الذي سيجعلنا حتمًا نرحب بمشانقك الورقية المزيفة....... ولى عصر الخوف ولم يعد ثمة هناك مفر من المواجهة والتحدي .
والله المستعان .
________________________________________________

(*) رئيس تحرير صحيفة قورينا.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home