Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 31 يوليو 2008

فتش عن المرأة!!(*)

فرج بوالعَـشّة

في البحث عن معضلة "النهضة العربية"، في تعاطيها مع الحضارة المعاصرة، فتش عن المرأة.. فتش عن المرأة ليس بمعنى التفتيش عن دورها الشرير حسب القول البونابرتي. إنما بالتفتيش عن وضعيتها ومكانتها في المجتمع وتبيان موقفه منها وطريقة معاملته لها لمعرفة مكانة ذلك المجتمع وموقعه من التطور الحضاري.. فعورة المرأة، جسدا وصوتا، من عورة المجتمع.. وصورة "سي السيد" المخيفة هي من صورة الاستبداد الاجتماعي البطريركي.. وذات المرأة المنقوصة في كينونتها حد تماهيها في نقصها وتطويبه، هي من الذات الجمعية للمجتمع المنقوص في حركيته التطورية..!

بطبيعة الحال حدثت تبدلات وتحولات اجتماعية عميقة في بنية المجتمعات العربية منذ انطلاقة عصر النهضة مع مشروع محمد علي في مصر، بريادة رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) وهو ينقل من باريس مشهد حضور المرأة الغربية وكأنه عثر على زمن ضائع حيث .. "لا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء. وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن ثمة كرسي خال قام لها رجل وأجلسها.. فالأنثى دائماً مُعظّمة أكثر من الرجل.."

وإذا كانت الثورة الفرنسية قد بدأت بهجوم نساء باريس بالمكانس على قصر فرساي (وإن مُنعن من التمثيل في الجمعية الوطنية فيما بعد) فإن الصورة الثورية الرومانسية الأبرز في مشهد التحرّر النسوي في عصر النهضة العربية يتمثل في المشهد الصارخ لقيام هدى شعراوي (بنت الإقطاعية الباشاوية ذات الأصول التركية) بنزع برقعها في تظاهرة عامة، الذي لم يكن هو المشكلة؛ إذ انه لا البرقع ولا الحجاب يصنع التخلف ولا نزعه الإملائي المتطرف {كما في تركيا وتونس} يصنع التطور والتقدم..

واليوم، بعد قرن ونيف على "تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فىِ تَلْخِيصِ بَارِيز" لشيخ النهضة العربية لا تزال النساء العربيات منقوصات الحقوق في العائلة والمجتمع والسياسية.. {والمفارقة أن القوى السياسية الذكورية المحافظة، التي قبلت بإعطاء المرأة حق التصويت، فعلت ذلك لاستخدام أصواتهن الأجيرة عند ابائهن وأزواجهن واخوتهن في الانتخابات لضمان فوزهم وهيمنة مشروعهم المتعصب ضد المرأة..}

إن أبرز المقاصد المسكوت عنها في مقولة الحفاظ المهووس على الأصالة مع الأخذ بما لا يناقضها من مظاهر المعاصرة، تبقى، في العمق، حبيسة نزعة الامتلاك الذكوري التسلطي للمرأة ـ المحظية ـ حافظة النوع ـ تحت وطأة الخوف من استقلالها بذاتها..! من هنا منشأ تاريخ الصورة المكروهة والمنكورة بقلم الجبرتي لتبرّج نساء الحملة الفرنسية كأن تبرّج الحداثة من تبرّج النساء. ويصبح زمن الحداثة تهديدا لجوهر زمن الإسلام بالتحجج بتفسيرات معادية للمرأة لا تمت بصلة لجوهر الإسلام الصحيح في أصله وفصله المحمدي..

والحال لم تُخرج أو قل تُحرّر المرأة تماما، بعد، من صورتها في وصف تاريخ الجبرتي لبدعة الحداثة المتمثلة في تبرّج النساء (الفرنساويات) وخروجهن عن الحشمة حيث يجتمع الرجال بالنساء في "بدعة" المسرح للهو والخلاعة في أوقات مخصوصة (ولاحظ هنا) أن للغرب وقتا (زمنا) مخصوصا هو في نظر زمن المتزمت زمن مبدوع (ضلالة)..ولا نقاش في أن زمن تبرّج نساء هاتيك الحملة وخروجهن ومخالطتهن للرجال في الحياة العامة صار بضرورة العصر زمنا عاما في المجتمعات الاسلامية، بل ان امرأة تدعى بنازير بوتو حق لها أن تحكم، بغض النظر عن الظروف الخاصة التي أتت بها، لكن هذا لا يعني، بالتمام، أن "المسألة النسوية" قد حُلت.. ولا يعني أن المجتمعات العربية قد انجزت استحقاقات معاصرتها للزمن الحضاري الكوني بموازنة اجتماعية عادلة تزيح الهيمنة البطريركية من موقع السيطرة الأبوية المستبدة بالحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، لكي تتمكن النساء من تمكين أنفسهن {تشكل النساء والأطفال 70 بالمائة من فقراء العالم} من حقوق المساواة الإنسانية في العلم والعمل والمشاركة في الحياة السياسية وحراك المجتمع المدني في فضاء ديمقراطي سوي{غير مزيف} قائم على "المواطنة" أصلا ومصدرا. أصلا للهوية الشخصية للفرد: المواطن/المواطنة. ومصدرا لشرعية الحكم المتحققة بإرادة المواطنين الحرة رجالا ونساء سواسية..!

وذلك يلزم تخطي جمودية الثبات والاتباع المتأسّسة على والمؤسِّسة للخوف من الانفتاح على المستقبل بأسئلة جديدة، والتشبث بالقعود السعيد ركونا إلى الاجابات المألوفة، حتى أصبح الاعتكاف على الجاهلة منتهى السعادة التي دامت قرونا خارج التاريخ.!

إن الرفض الانغلاقي للحداثة والديمقراطية يتأتى في الأساس من الخوف منهما بسبب العجز عن إدراك منطقهما والتحكم في مقاصدهما.. وهو رفض انغلاقي للآخر/الغرب بحسبانه {الغرب} الساكن الشرعي للحاضر الحضاري، وبالتالي، فإن الإقامة في المستقبل تمر حكما وحتما بالتعاطي مع منتجه الحضاري المهيمن، ماديا وفكريا.. ويعني هذا تعقله وفهمه واستيعابه، وتجاوزه، إن أمكن..!

وهذه الاستحقاقات الحضارية المصيرية تستوجب ذاتا سوية وعقلا تنويريا ينجز قطيعة معرفية (عقلانية ـ علمية) تنقض وتهدم البنية (البطريركية) وزمنها الماضوي الاستبدادي الفائض الامتيازات على حساب الزمن النسوي المنقوص الحقوق... يتبع....

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 31 يوليو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home