Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الأحد 31 مايو 2009

عـطيل الأمريكي..!!

فرج بوالعَـشّة

1

إن الرئيس أوباما حسين،رغم ذكائه المتوقد وعقلانيته السياسية البراغماتية،وشخصيته الكاريزمية العالمية،وما يبدو أنها نواياه طيبة حسبما صدرت عنه أقوالا وبعض افعال،ما كان ليصبح السيد الأسود للبيت الأبيض،لو لم يكن الرئيس الذي سبقه هو بوش الصغير الأخرق،الذي أدخل العالم،بسبب أهوائه الصليبية الخرافية ونزعته اليمينية الفاشية،وهوسه بنظرية الحرب الاستباقية،في فوضى الحروب المُدمِرة ومآسيها الإنسانية القاسية،وعرَّض الاقتصاد العالمي للكساد والركود،وأثار أزمات ونزاعات سياسية،دولية وإقليمية،وانقسامات سياسية محلية،داخل البلد الواحد،كما في باكستان ولبنان والسودان وفلسطين (بين فتح وحماس).وزاد في تبشيع صورة "الامريكى البشع" في نظر جل شعوب العالم،وليس الشعوب العربية والإسلامية فقط...!

2

إن الأمبرطوريات العظمى قد تلجأ،في حالات الأخطار التاريخية الاستثنائية،إلى حد الاستنجاد بغير المألوف كي تنجو من مأزقها التاريخي المصيري.ومن هنا كانت "الظاهرة الإوبامية"،التي جذبت إليها حركة شبيبية أمريكية أقبلت على مناصرة المرشح الأسود،والتصويت له بأعداد هائلة غير مسبوقة في الانتخابات الأمريكية.وإليهم صوّت له بسطاء الناس والفقراء والأقليات المهمشة والنساء.كل هولاء كانوا وراء وصول الرجل الأسود إلى البيت الأبيض،الذي مثّل فوزه ثورة على ثقافة وتقاليد أمريكا البيضاء المحافظة،ورغبة في التغيير الجوهري،داخليا وخارجيا.وبحيث لم يكن أمام مركَّب قوى السلطة:(المجمع الصناعي العسكري،الطبقة السياسية الخاضعة لسيطرة الرجل الواسب WASP وتعني:(الرجل الأبيض ـ الأنجلو ـ الساكسوني ـ البروتستانتي) وشارع المال والأعمال،ومنظومة المولتي ميديا،سوى القبول بوصول (رجل أسود ـ أفريقي ـ والده مسلم) إلى البيت الأبيض،لا سيما أن هذا الرجل ليس أسود تماما وليس أبيض تماما.كما أن رؤيته التمردية لا تشكل أي تهديد لمؤسسة الحكم (مركَّب قوى السلطة).أو لنقول،مع المفكر عزمي بشارة،أنه:"ظاهرة لبقة تثير إعجاب التيار الرئيسي في المجتمع ولا تشعره بالتهديد. إمنح صوتاً لأوباما واربح تجديداً من دون تهديد، وتنقية ضمير ورضا عن الذات من دون مراجعة حقيقية!.. صوت لأوباما وشاهد فيلمين بتذكرة واحدة!"...!

3

يُحفظ للرئيس "بركة حسين" أنه أول رئيس أمريكي معاصر يُعتبر مثقفا وأكاديميا،مطلعا على فكر ما بعد الحداثة،وعلى الخصوص دراسات ما بعد الكولونيالية.وقد اتهم بعلاقته مع إدوارد سعيد،فيلسوف ما بعد الكولونيالية،وبعلاقته مع الدكتور رشيد الخالدي الذي يشغل كرسي البروفيسور الراحل إدوارد سعيد للدراسات العربية،ومنصب مدير معهد الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا.لكن رئاسة الولايات المتحدة ليست رئاسة لمركز دراسات وإنما قيادة لأعظم إمبراطورية كونية معاصرة.وها هو عطيل الإمبراطورية الأمريكية،وقد أتم عمل المائة يوم في البيت الأبيض،يحظى بأفضل آراء استطلاعات إيجابية لرئيس أميركي منذ 20 سنة.إذ يؤيد 69% من الأميركيين عمله حسب استطلاع أجرته اي بي سي نيوز وواشنطن بوست.ونسبة 54% من المستطلعة آرائهم يعتقدون أنه يفعل أفضل مما كانوا يتوقعونه.ويمكن القول أن الرجل،في رأي،يُبدي قدرا ملحوظا من الإلتزام العملي بشعار التغيير،الذي لا بد أن يؤدي،إذا جرى تطبيق مستهدفاته،إلى اعتماد ما اسميه استراتيجة الخروج من أمريكا القديمة إلى أمريكا الجديدة.وقد بدأ الرئيس أوباما في ترسيم بعض تحولاتها.إذ أنه حدد جدولاً زمنياً للخروج من العراق.واتخذ قرارات باغلاق معتقل غوانتانمو وحظر ممارسة التعذيب،وأمر بالكشف عن مذكرات رسمية تبيح تعذيب المعتقلين أثناء الاستجواب.وأمر بوقف استخدام تسمية "الحرب على الإرهاب".وابدا اهتماما ملحوظا بتحسين علاقة أمريكا مع العالم العربي والإسلامي .وتعهد بتعاون أمريكا مع العالم في جهود مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع حرارة الارض والخروج العالمي المشترك من ازمة الكساد الاقتصادي الحالية.إلا أنه لم يغير شيئا جوهريا حتى الآن في توجهات سياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط المصيرية.وفي قلب منها القضية الفلسطينية.

4

إن الطريق لا يزال طويل أمام استراتيجيات الخروج الأوبامية.ليس فقط الخروج من العراق وافغانستان،باعتبارهما،رغم كل حجج القوة المطروحة،هيمنة فجة على شعوب تملك كل الحق في الدفاع عن نفسها بكل الطرق والأساليب المشروعة،أو حتى غير المشروعة أحيانا،في سبيل تحرير أرضها من غزاتها الفرنجة،دون أن تكون معنية بشعارات وجودهم العسكري الاحتلالي المرفوض أصلا وفصلا،باسم القضاء على الطغاة وجلب الديموقراطية وتعليم البنات...!!

وعلى الرئيس أوباما،إذا كان ملتزما فعليا بشعار التغيير،ترسيم استراتيجية عملية ملموسة للخروج بحل عادل وشامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي،بما يعني حصول الفلسطينيين على دولتهم المستقلة ذات السيادة على كامل الأراضي المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس الشرقية مع ضمان حل عادل لقضية اللاجئين.وحصول السوريين على هضبة الجولان كاملة،ترابا وسيادة،دون نقصان ولو بحجم ذرة تراب أو قطرة ماء من بحيرة طبرية.وحصول اللبنانيين على كامل ما تبقى من أراض في حوزة الإسرائيليين،والعودة إلى اتفاقية الهدنة العام 49،دون أن يكون لبنان مضطرا إلى عقد سلام طبيعي أو تطبيعي مع بني صهيون.إذ يُمكن تصور سفارة إسرائيلية في دمشق وبقية العواصم العربية،لكن ليس في بيروت...!

لكن هذا التصور للخروج بحل عادل وشامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي لن يتحقق إلا هذا خرجت إدارة أوباما من نير الانحياز الخانع لرغبات إسرائيل حتى على حساب تضرر المصالح الأمريكية..!

وسيكون أمام الرئيس أوباما تحدي استراتيجي مفصلي للخروج بحل سلمي دبلوماسي للأزمة المستعرة بين بلاده وإيران،بما يُرضي الطرفين،ويراعي مصالحهما الحساسة.وهو ما لن يتحقق إلا إذا فضّل أوباما مصلحة أمريكا على مصلحة إسرائيل.وربط منع إيران من إمتلاك السلاح النووي بتجريد إسرائيل من أسلحتها النووية،من خلال وضع خارطة طريق استراتيجية واضحة للأجندة التي ينوي تقديمها بهدف نزع الأسلحة النووية من كل العالم....!

وسيكون على الرئيس أوباما،خلال إدراته الأولى،وربما الثانية على أكثر تقدير،أن يستمر في تنفيذ استراتيجية إخراج الولايات المتحدة من إزمتها الإقتصادية الكارثية.وهو ما سيلزم بالضروة خروج الولايات المتحدة من موقع الهيمنة المتفردة بالسيطرة على الاقتصاد العالمي والنظام المالي العالمي.أي عدم إبقاء سلامة الاقتصاد العالمي رهينة بيد الإدارة الأمريكية كما قال الرئيس الروسي ميدفيديف،الذي طالب ومعه رئيس الوزراء الصيني وين جيا باو بالحد من اعتماد الاقتصاد العالمي على الدولار الأمريكي باعتباره عملة رئيسية للاحتياطيات النقدية.والقبول بالعمل الدولي المشترك لأجل إصلاح المؤسسات المالية الدولية،وفي طليعتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،الخاضعين لهيمنة الولايات المتحدة واوروبا،منذ إنشاءهما بعيد الحرب العالمية الثانية.وهو ما يعني إنهاء هذه الهيمنة المركزية،وإشراك،كما طالبت البرازيل:"الاقتصادات الناشئة واقتصادات الدول النامية وتمثيلها في هذه المؤسسات."...!!

5

كان شعار حملة أوباما الانتخابية يقول بالنص:
'Yes, we can change'
نعم نستطيع التغيير
وتفرع منه شعار
Change comes to Washington
التغيير قادم إلى واشنطن

والسؤال هل يستطيع الرئيس "بركة حسين" مع فريق إدارته،الذي يضم نحو ألف مسؤول،أن يُحدث تغييرا حقيقيا،في السياسات الداخلية والخارجية،بما يُخرج أمريكا من أمريكا القديمة:الإمبريالية التوسعية المتأبطرة المتعجرفة،ليدخلها في أمريكا جديدة:قوية وعظمى،لكنها لا تهيمن على العالم إنما تشارك في قيادته مع دول العالم المؤثرة،وفق شرعة حقوق الإنسان والقوانين الدولية ومعايير سياسية دولية ثابتة،تنطبق على جميع الدول دون محاباة أو إنحياز...؟!!

faragasha@yahoo.com
______________________________________

سبق لي نشر هذه المقالة في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home