Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Monday, 31 March, 2008

مقاربة تاريخية ما بين المغـول القدامى والجدد..!!(*)

فرج بوالعَـشّة

أُسمي الغزاة الأمريكيين للعراق بالمغول الجدد، مع الاعتذار للمغول القدماء.. لأنهم،مهما قيل في همجيتهم ووحشيتهم يبقون أقل همجية ووحشية بكثير من المغول الجدد "المتحضرين".فقد كان المغول القدماء من صلب واقع الجغرافيا وحقائق التاريخ في المنطقة.وما لبثوا أن صاروا مسلمين، ليصبحوا قوة مضافة إلى الإمبراطورية الإسلامية. ويقيموا إمبراطورية إسلامية مغولية. امتدت سيطرتها من الصين والهند إلى الشام.. وقسماً من أوروبا الشرقية، إلى موسكو..!

لكن ذلك، لا يعفيهم، بطبيعة الحال، من أنهم جاءوا غزاة. قتلوا ودمروا.كما جاء المغول الجدد،من وراء المحيطات، بأحدث اسلحة الفتك والتدمير. وإذا كان "تيموجين"، قائد المغول القدامى، يُعرف بـ"جنكيز خان"، الذي يعني باللغة المنغولية "قاهر العالم (القديم)"، فإن جورج دبليو هو في الواقع "بوش خان" قاهر العالم الجديد.وكما لـ"بوش خان:" منطقه الاستعلائي المتغطرس في قوله :"من ليس معنا هو ضدنا"، المستمد من إنجيل متى، الإصحاح 12 الآية: 30 من ليس معي فهو ضدي".. يحيل إلى وصية "جنكيز خان" لابنه وخليفته: "..خُصَّ كل من يطيع أوامرك ويجتنب نواهيك في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي مصر بلطفك وبأنواع عطفك وإنعامك. أما من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به...."..وجاء في "الآداب السلطانية"،لابن الطقطقي، أنه:"لما فتح السلطان هولاكو بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة أمر أن يستفتى العلماء أيهما أفضل: السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر ؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك ، فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب وكان رضي الدين علي بن طاووس حاضراً هذا المجلس، وكان مقدماً محترماً، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر ، فوضع الناس خطوطهم بعده.."..ألا يروّج فقهاء "المنطقة الخضراء" لأفضلية بوش بحسبانه "السلطان الكافر العادل" على صدام "السلطان المسلم الجائر"...!

وهناك تطابق مثير في توارد الأحداث وتواريخها بين المغول القدامى والمغول الجدد. فالأولون غزوا العراق بعدما غزوا أفغانستان. وتذرعوا، بغزوهم أفغانستان، بحجة الثأر لمقتل مجموعة من تجارهم على يد مسلمين"إرهابيين" من خوارزم.. وبالمثل غزا المغول الجدد أفغانستان بحجة معاقبة قتلة الأمريكيين في تفجيرات 11 سبتمبر..!

طلب "جنكيز خان" من "محمد بن خوارزم شاه" سلطان إمارة خوارزم تسليم "القتلة" لمحاكتهم على طريقته.رفض "محمد بن خوارزم" الأمر،واعتبره تعديا على سيادة إمارة مسلمة،لا تُجوِّز محاكمة مسلم،بشريعة غير الإسلام؛عارضا محاكمتهم في إمارته وفق الشريعة الإسلامية...وبالمثل طلب "بوش خان"من"الملا عمر"أمير إمارة افغانستان،تسليم بن لادن وجماعته لمحاكمتهم على الطريقة الأمريكية..وبالمثل رفض "الملا عمر" عارضا ما سبق وعرضه "محمد بن خوارزم شاه"،مبديا استعداده لمحاكمة بن لادن وصحبه في أفغانستان،أو من قبل هيئة من العلماء المسلمين،في ثلاث دول عربية،إذا ما قدمت واشنطن أدلة تثبت تورطهم...!

وكما تطور غزو المغول القدامى لأفغانستان إلى غزو تدميري للعراق، عبر بلاد فارس،ثم تمدد في اتجاه بلاد الشام «سوريا لبنان وفلسطين»،حتى انهزمت جيوشه، نهائيا في 3 سبتمبر عام 1260 ميلادي، في معركة عين جالوت الواقعة في غور الأردن بفلسطين.. كذلك تطور غزو الفوضى الهلاكة للمغول الجدد لأفغانستان إلى غزو تدميري للعراق،عبر الكويت، وفي استراتيجته مخطط التمدد،شرقا،إلى إيران، وغربا إلى سوريا...لكن المقاومة العراقية كانت لهم من حيث لم يحتسبوا..!

ومن المصادفات التاريخية أن غزو المغول القدامى للعراق حدث في يوم 16 شهر محرم... كذلك في اليوم نفسه،من الشهر الهجري نفسه، بعد قرون طوال،بدأ غزو المغول الجدد للعراق..!

اقتحم المغول القدامى بغداد يوم 7 صفر واقتحمها المغول الجدد،بعد قرون مديدة،في اليوم نفسه،من الشهر الهجري نفسه...!

استغرقت مسيرة غزاة المغول القدامى، حتى سقوط بغداد 21 يوما.. وكذلك الحال مع مسيرة غزاة مغول القرن الواحد والعشرين..!

استباح المغول الصفر بغداد،خرابا ودماء...واستباحها المغول البيض،وعلى نحو أبشع، آخذين بعين الاعتبار التطور الوحشي في الوسائل والقدرات المروعة في توسيع رقع الدمار وفائض الجثث. بحيث إن ما أحدثته صواريخ توما هوك المغول الجدد وأمهات قنابلهم من دمار وقتل، خلال أسابيع الغزو الثلاثة فقط،لا يقارن،بما أحدثه المغول القدامى، ممتطو الخيول غير المسرَّجة، وأشد أسلحتهم فتكا كانت السيوف والبلطات.. وذلك بعد خصم المبالغات الخرافية المعروفة لدى المؤرخين القدامى في تضخيم الأعداد.!

ولكن المفارقة الحاسمة في سياق المقارنة التاريخية بين المغول القدامى والمغول الجدد؛هي المقاومة. فبينما تظهر الصورة التاريخية المنطبعة في الذاكرة العربية لغزو المغول حاضرة دائما برسم وصف ابن كثير،في كتابه الكامل في التاريخ، لجندي مغولي أمسك مسلما بغدادي، ولم يكن معه:"ما يقتله به فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض ومضى التتري وأحضر سيفاً فقتله به..".. أو كيف أن:"الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحداً بعد واحد ، حتى يفرغ من الجميع ، لا يمد أحد منهم اليه يداً.."..وهو تلخيص لحالة الخنوع والمذلة، التي مكّنت المغول من توسيع غزوهم إلى الشام،حتى كانت المعركة العظمى الفاصلة، في "عين جالوت"، عندما وحّد السلطان قطز بين مصر والشام، وقاد الجيوش الإسلامية إلى الانتصارالساحق على الوباء المغولي الأصفر،ليقضي نهائيا على مشروعهم في الهيمنة على أمة العرب..!

أما المغول البيض،من بني اليانكي المتصهينين والساكسون، فقد عجزوا عن تتمة مخطط غزوهم ليشمل سوريا ثم إيران.. إذ واجتهم "عين جالوت" في داخل العراق،بفعل المقاومة الوطنية،التي حصدت من أرواح أجناد "بوش خان" أربعة آلاف قتيل..وعشرات ألوف الجرحى والمصابين.. أكثر من نصفهم معاقين أو مرضى نفسيين.. أي أنهم في حكم الموتى من حيث عدم قدرتهم على مواصلة القتال من جديد..علاوة على هروب آلاف من الجيش الأمريكي منذ بدء الحرب على العراق.. وإليهم مئات الجنود المنتحرين...وطبعا "فاتورة" بخمسائة ألف مليون دولار،حتى اللحظة..!!!

ويبقى، في سياق المقارنة أو المقاربة بين المغول القدامى والجدد، الإشارة إلى دور العملاء،بين الأمس واليوم، في إيقاع الفتنة والتقاتل بين السنة والشيعة. ومن المعروف أن المغول القدامى استغلوا إثارة الفتنة لتسهيل غزوهم للعراق.فاستخدموا الوزير ابن العلقمي (الشيعي) ومعه الفيلسوف الفلكي (المنجم) كبير علماء الشيعة "نصير الدين الطوسيّ" من أجل استمالة الشيعة إلى صفهم، (بواسطة) تجييش (سخطهم المذهبي ـ الطائفي) كمضطهدين من الحكم العباسي...كما فعل غزاة المغول الجدد.. ولكن حذار من عدم الانصاف في المقارنة. فالقراءة المنصفة للوقائع والحقائق.. تبين أن الشيعة لم يكونوا بالعموم عملاء أو منخرطين في المشروع المغولي الهولاكوي...كما أن ليس كل الشيعة،اليوم، منخرطين في المشروع المغولي البوشي. ثم يجب ألا تغفل مشاركة زعامات ورجال دين وعوام من السنة في خدمة المغول القدامى مستشارين ووزراء وكتبة...كما هو الحال اليوم،في مشاركة قيادات وأحزاب سنية في العمالة المكشوفة لحكومة "المنطقة الخضراء"... مثلهم مثل أقرانهم من النخب الشيعية.... وكما توجد مقاومة وطنية يغلب عليها "الطابع السني"، هناك أيضا مقاومة الشيعة العرب، المرشح أن تتسع رقعتها في المستقبل المنظور...

والخلاصة انه لا عمالة ولا مقاومة حكرا على مذهب بعينه أو قومية بعينها.. فكما هناك حماس هناك حزب الله. وكما هناك المنطقة الخضراء في بغداد هناك المنطقة الخضراء في رام الله... أفلا يكف عملاء الفتنة من طغاة، وغوغاء موتورين، عن محاولة إيقاظ وحش الفتنة الأشد فتكا ودمارا من المغول القدامى والمغول الجدد مجتمعين....!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الإثنين 31 مارس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home