Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 31 January, 2008



جردة أفكار سنة منصرمة للعام الجديد!(*) (4)

فرج بوالعَـشّة

2007 كانت سنة إيرانية بامتياز؛ من حيث تصدّرها لأجندة الأزمات السياسية الدولية والاقليمية. ومن حيث نجاح الدبلوماسية الإيرانية في نسج السجادة النووية، على منوال: «الشعب الذي يصنع سجادة في خمسة أعوام لن يمل من التفاوض حول سعرها خمس ساعات...».. حتى يُرهق المُساوم. فيقبل بالعرض الأخير للبائع ـ الرابح بالضرورة!

وتميزت السنة المنصرمة بالهسترة الصهيوبوشية ضد «الخطر الإيراني النووي»، مُعبر عنها في ضغوطات سياسية ـ دبلوماسية، متواصلة، وحملة إعلامية هوجاء، مترافقة مع تحضيرات عسكرية سرية، في إطار مخطط أمريكي ـ إسرائيلي، لشن هجوم عسكري محتمل على إيران!

وكان من ابرز علامات التصعيد الإعلامي الدعائي ـ العدائي: «هتلرة» الحالة الإيرانية، إذ يقول سيمور هيرش: «نحن نملك في الولايات المتحدة أعجوبة اسمها زرع الهلع عند الناس.. نطلق على هذه السياسة تسمية مميزة لتبرير هجومنا.. إنها «الهتلرة».. أي زرع الخوف من هتلر وهمي لتبرير حربنا على الآخرين...».. فكما وُصِّم صدام بـ: «هتلر» الشرق الأوسط. وُصِّم أحمدي نجاد بـ«هتلر الملتحي»...!!

وإلى اللحظة، في بداية سنة هالة لتوها، واضح، أن إيران هي الرابحة، في المواجهة الدبلوماسية ـ الإعلامية، مع الإدارة البوشية، بشأن الملف النووي. لاسيما بعد نشر تقرير المخابرات الأمريكية، الذي برأ ساحة ايران من تهمة التصنيع العسكري للسلاح النووي، الأمر الذي أدى إلى توقف قرع طبول الحرب ضدها، وانفضاح خطاب التضليل الإعلامي وتزوير الحقائق، الذي كانت الإدارة البوشية تستهدف، به، إشاعة الخوف والهلع من «الخطر الإيراني» في الرأي العام الأمريكي، وتهيئته للقبول بخيار الحرب!

والخاسر الأكبر، من نشر تقرير المخابرات الأمريكية، هو إسرائيل، التي فقدت أهم أوراق رهانها على تحشيد الاجماع الدولي ضد إيران بحسبانها تشكل: «خطرا نوويا على سلام العالم قبل أن تكون خطراً على إسرائيل...».. الأمر الذي كان يوفر لها، قبل نشر التقرير، مبررات قوية لشن هجمات جوية ضد المنشآت النووية الإيرانية. لكنها، بعد نشر التقرير، أُسْقِطَ في يدها. أي شعرت بإخفاقها في حث العالم على فرض عقوبات اقتصادية مؤثرة على إيران..!

إن إيران تُدرك، أنها، حتى لو قبلت بوقف التخصيب والالتزام حرفيا بكل شروط الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ستبقى، في المنظور الإسرائيلي تحديدا، بقوتها التقليدية «الصلبة والناعمة»، مانعا استراتيجياً مضادا لهيمنة المشروع الصهيوأمريكي على الشرق الأوسط وضواحيه..!

لقد خدم الموقف الإيراني عوامل جيوسياسية حاسمة. منها ما هو مرجعه حسن تقدير السياسة الإيرانية. ومنها ما هو نتيجة موضوعية لفشل المشروع الأمريكي في العراق.

ولا شك أن إيران تفوقت، في إدارة الصراع، تكتيكيا واستراتيجيا، حتى اللحظة. إذ تمكنت من تعميق المستنقع العراقي تحت أقدام الغزاة اليانكيين «المغول الجدد». وحفّزت اعتمادها على قوتها القومية الذاتية، الناعمة والصلبة، وصلّبت مواقفها السياسية، مُستغلة تورط القوة الأمريكية المتورطة في حربها الخائبة في أفغانستان والعراق.

لابد أن نعترف بأن إيران ـ الثورة الإسلامية، أحببنا أم كرهنا، أيدناها أو ناهضناها؛أحيت أمة إسلامية عظيمة. وحررت شعبها من الخنوع والتبعية للأجنبي. وتملكت إرادتها الوطنية المستقلة. ومصير أمنها القومي. عكس ما يسمى بـ«الأمة العربية»، التي معظم حكامها منبطحون للسيد الأجنبي، ومعظم شعوبها منبطحة لحكامها المنبطحين.!

إن الإيرانيين، عكس من يسمون عربا، يبدعون، بشكل خلاق، في سبيل استنهاض أمتهم، وحماية أمنها القومي ضد الخطر الصهيوأمريكي الماثل على حدودها مع العراق، وفي مياه خليجها الفارسي. وضد بني صهيون، المتحصنين، نوويا، وراء أسوارهم العنصرية، في فلسطين المحتلة!

إن نظرية الأمن القومي الإيراني تتحرك في مجال جيوبوليتيكي واسع، من وسط آسيا إلى فلسطين. ومن بحر قزوين إلى باب المندب. بينما مفهوم الأمن القومي العربي غير مُعين، لأن الأنظمة العربية غير معنية بترسيم استراتيجي لمفهوم الأمن القومي، سواء في فضائه العربي الواسع، أو حتى نطاقه القطري. فمعظم الأنظمة العربية تختزل مفهوم مصالح الدولة العليا في مصلحة الحفاظ على الحكم واستمراره. وبالتالي فإن مفهومها للأمن القومي ينحصر في حماية أمن أنظمتها، المرتبط، عندها، بحماية أمريكا لها، ورضاها عنها، مقابل رعايتها للمصالح الأمريكية والتجاوب مع إملاءاتها السياسية. ومن ذلك الانخراط المنصاع، في أداء الدور المرسوم لها، حسب الاستراتيجية الصهيوأمريكية، في احتواء إيران ـ الثورة الإسلامية، والمشاركات في الاستعدادات والتحضيرات العسكرية لضربها، حين يحين وقتها، أكانت في عهد بوش، أو في عهد تاليه، أكان جمهوريا أو ديمقراطيا. فأمريكا تظل هي أمريكا الامبراطورية النيوإمبريالية المتصهينة.!

والسؤال: أين موقف العرب «الأنظمة الرسمية» من المواجهة المحتدمة دبلوماسيا ـ سياسيا، والقابلة للتصعيد عسكريا، بين إيران الإسلامية وأمريكا ـ إسرائيل المسيحية المتصهينة؟!

هل يمكن التصور، لو نظريا، بأنه لا تزال هناك فرصة متاحة لخلق موقف عربي مستقل عن السياسة الأمريكية، من خلال إعادة إحياء المحور المصري ـ السوري ـ السعودي، كمحور قومي قيادي، يتبنى حلولا عربية للأزمات العربية، كما في لبنان، فلسطين، العراق، دارفور السودان، الصومال.. العلاقة مع إيران... ويبني مواقفه القومية الموحدة، من التحديات الخارجية، على أساس الحفاظ على المصالح العليا للأمة، وحماية الأمن القومي العربي. وهو ما يستوجب من العرب التعاون الإقليمي الوثيق مع إيران، وليس الانجرار المذعن وراء العداء الأمريكي ـ الإسرائيلي لها. فمحددات المصالح العربية العليا وضرورات الأمن القومي العربي تفرض التفاهم مع إيران في إطار سياسة وفاق إقليمي، تقوم على التشارك في أمن الخليج «العربي ـ الفارسي»، وتبادل المصالح والمنافع، في فضاء القاسم الإسلامي المشترك!

ولكن ذلك يبقى مجرد افتراض نظري، أما عمليا فلا معنى لمصالح عربية عليا، أو أمن قومي عربي، في وجود أنظمة، أجهزة مخابراتها ملحقة بوزارة الخارجية الأمريكية؟!

إن سكنة ضفة الخليج العربية، المقابلة لضفة الخليج الفارسية، يدركون، في معظمهم، أن إيران الإسلامية ليست عدوة لهم بأي معنى. وأنه، في حالة انجرار أنظمتهم وراء المغامرة الصهيوأمريكية لمهاجمة إيران عسكريا، سوف يجلبون على أنفسهم الدمار والفوضى في قضية ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل...!

إن المشهد الجيوسياسي، في ما يسمى الخليج العربي، اليوم، يحيلنا، لا محالة، إلى تلك الأيام الغابرة، عندما كان العرب يتوزعون العمالة ما بين الروم والفرس، ما قبل موقعة «ذي قار»، التي كانت نبوة تاريخية ملموسة، عاكسة للنبوة السماوية الروحية، التي تلقاها سيد الأمة في غاره الجبلي على مشارف مكة، حيث كان سادة البذخ والبطر والعمالة يختزلون مفهوم الأمة ـ بتشديد الميم ـ في تملّك الأمة ـ بفتح الميم ـ..!

إن إيران، اليوم، ليست فارس كسرى المجوسي. وعندما حاول الشاه، العميل الصهيوأمريكي، فرسنتها، وجعلها قاعدة ـ صهيوأمريكية ـ معادية للعرب، قامت عليه الثورة الإسلامية. وكنسته وإيوانه إلى مزبلة التاريخ. وعادت إيران أمة إسلامية عظيمة، ربها رب المسلمين جميع، وحبيبها نبي الإسلام العربي، وآل بيته الأطهار. فماذا يريد العرب أكثر من ذلك؟!: استعادة جزيرتين لتصيرا قواعد أمريكية!!!!

طوال تاريخ الإسلام، منذ دخل الإسلام بلاد فارس، لم يُعد يأتي أي خطر، جدي، من جهة إيران، يهدد العرب في وجودهم. أما الصراعات التي دخل فيها مسلمو بلاد فارس، ضد الدولة الأموية أو ضمن الدولة العباسية، وحتى في زمن الدولة الصفوية في مواجهة الدولة العثمانية، فكانت مُندرجة في سياق الحروب الداخلية الإسلامية ـ الإسلامية.

وواقع الحال، على ما هو جار الآن، أن الأمريكيين يعيدون إنتاج استخدام العرب للقضاء على الدولة الإسلامية الإيرانية كما سبق واستخدمهم البريطانيون في القضاء على الدولة الإسلامية العثمانية. وكما باع البريطانيون العرب وعود التحرر والاستقلال المنكوثة، يبيعهم بوش، اليوم، وعد الدولة الفلسطينية المستقلة!

فأي عرب رسميين نملك اليوم؟!

إنهم اردأ بكثير من عرب ما قبل «ذي قار»!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 31 يناير 2007م.




Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home