Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 30 اكتوبر 2008

فتش عن الربا(*)

فرج بوالعَـشّة

1

هل الأزمة المالية العالمية،التي بدأت أمريكية،مجرد أزمة ظرفية عابرة،كما يقول بوش دبليو،يمكن تجاوزها،وإعادة الاستقرار للنظام المالي،بإجراءت محددة،دون الحاجة إلى إعادة صياغة النظام المالي العالمي..أم أنها،كما يرى ساركوزي،ومعه القادة الأوروبيون،أزمة متأصلة في هيكلية النطام المالي العالمي،الذي تهيمين الولايات المتحدة عليه،وهي،بالتالي،تتحمل مسؤولية التسبب في انهياره،نتيجة لإطلاق حرية المضاربات المالية الجشعة،دون رقيب ولا حسيب،مما أتاح للمؤسسات المالية "الشايلوكية" التلاعب بودائع المدخِّرين واستثمارها في منح قروض أعلى من قيمتها الحقيقية،بفوائد فوق قدرة المقترض على السداد،رغبة في جني أرباح خيالية،تحولت إلى خسائر خيالية{بنك ليمان براذرز أول المنهارين،في سلسلة الديمينو،خسر حوالي 613 مليار دولار،من ودائع زبائنه..}!!

2

ظهر الرئيس الفرنسي،ساركوزي اليميني،وكأنه زعيم يساري ثوري،عندما أخذ يطلق سلسلة من التصريحات الانتقادية القوية ضد النظام المالي القائم،معتبرا أن حالة الاضطراب التي أثارتها أزمات أسواق المال الأمريكية وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر.. ومطالبا بضرورة تدخل الدولة في الأسواق المالية،تنظيما ورقابة،و"البدء في التفكير في سياسة نقدية جديدة"..بل ذهب أبعد من ذلك..إلى اعتبار ان "عالما جديدا سينشأ من التقلبات الحالية، ليس فقط فيما يتعلق بالمال او الاقتصاد، ولكن أيضا في كل ما يتعلق بالسياسة او المجتمع"...وإن هذا العالم الجديد:"إما ان نتمكن من ضبطه وتنظيمه،وعندها تكون هذه الازمة قد أدت الى تقدم للانسانية،وإما ان لا نتوصل الى ذلك ويسود تاليا منطق الانانيات والتعصب والمواجهة،وعندها قد يكون هذا العالم أسوأ من الذي عرفناه"...!!
لكن تصريحات ساركوزي لا تعبر عن توجه معاد للنظام الرأسمالي، وقوله بنهاية اقتصاد السوق الحر لا يعني القول بنهاية الرأسمالية. فالغاية هي حماية نظام الاقتصاد الرأسمالي،من خلال منع تفاقم الأزمة المالية وتحولها إلى أزمة اقتصادية بنيوية، مما يستوجب تدخل الدولة الحاسم،من خلال وضع القيود والتشريعات الصارمة لضبط الاسواق المالية والأنشطة المصرفية،بحسب فلسفة دولة الرعاية الاجتماعية{الأوروبية}،التي تحمي مواطنيها من العوز،سكنا وغذاء وتعليما وتطبيبا وعلاجا، عكس نظيرتها الأمريكية القائمة على فلسفة ليبرالية وحشية لا تلقي بالا للعدالة الاجتماعية{يوجد خمسين مليون أمريكي بلا ضمان صحي}..!

3

إن الأزمة المالية العالمية هي أزمة أخلاقية في جوهرها، وجوهرها كامن في أس الاقتصاد الرأسمالي، وهي الربوية.. وهو نظام إقراض قديم قدم الجشع والطمع، ذمه حكماء وفلاسفة العصور القديمة، مثل أرسطو الذي اعتبر اكتساب الثروات من الربا يناقض الفطرة الطبيعية في اكتساب الثروة من العمل والانتاج، وشهيرة هي مقولة أفلاطون،في كتاب الجمهورية:" "يجب ألا نودع أموالنا عند من لا نثق بهم، وألا نقرضهم بفائدة"...!

ورغم أن اليهودية حرمت في بعض نصوصها الربا؛ كما في سفر اللاويين "وإذا افتقر أخوك.وقصرت يده عندك. فاعضده. غريباً أو مستوطناً. فيعيش معك. لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة. بل اخش إلهك. فيعيش أخوك معك. فضتك لا تعطه بالربا. وطعامك لا تعطه بالمرابحة.."..إلا أن الأخ هنا هو اليهودي..أي أن التوراة تبيح معاملة اليهودي بالربا مع غير اليهودي،كما جاء في سفر التثنية: "لا تقرض أخاك بربا. ربا فضة. أو ربا شيء مما يقرض بربا.. للأجنبي تقرض بربا. ولكن لأخيك لا تقرض بربا"..!
ومن هذا الباب اندفع التجار اليهود ليجعلوا من الربا نظاما للإقراض المالي. أي توليد المال من المال.. بمعنى دفع المقترضُ زيادة على ما اقترض تبعا لشروط المٌقرض، وأسسوا قواعده الأولية وطوروها عبر التاريخ، من وضعية مناضد صغيرة{بانكو} للصرافة،كانت تُقام في قلب المعبد اليهودي{الهيكل} حتى وصلوا بها إلى ما هي عليه الآن من نظام مالي كوني معُقد...!
ومعروف أنه لم يُسجل للسيد المسيح موقف غاضب مثل موقفه من تعامل اليهود بالربا،عندما دخل،إلى الهيكل وطرد التجار وقلب موائد الصيارفة،قائلا:أليس مكتوبا: بيتي بيت الصلاة يُدعى لجميع الأمم،وانتم جعلتموه مغارة لصوص."...! لكن أتباع المسيحية سرعان ما فرطوا في تعاليم السيد المسيح،وتعاملوا بنظام الربا على نطاق واسع،من خلال التجار اليهود،الذين انتشروا في الإمبراطورية الرومانية المسيحية....يتبع...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 30 اكتوبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home