Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Sunday, 30 September, 2007

ماذا عـن الرئيس القادم لمصر؟!(*)

فرج بوالعَـشّة

انشغل الشارع المصري، على نحو غير مسبوق، بإشاعة إصابة الرئيس مبارك بمرض مميت. حاول "السيد الرئيس"تبديدها، بظهوره في عدة مناسبات، ومشاركته في افتتاح بعض المشروعاات، وإدلائه ببعض التصريحات الإعلامية. لكن ظهوره زاد الطين بلة. إذ ظهر الرئيس (79 سنة) مُرهَقا حركته متثاقلة وصوته بطيء ولسانه ثقيل. وسمات الشيخوخة بائنة على وجهه، كما هي على نظامه، رغم التدخلات التجميلية لكليهما!

وقد عزز من مصداقية الإشاعة أن مصدرها، في الأصل، هو السفير الأمريكي بالقاهرة، الذي صرح لعدد من الصحفيين الأمريكيين، بإن آخر مقابلة له مع الرئيس مبارك تركت لديه انطباعا بأن الرئيس ليس بصحة جيدة. وصادق على تصريحه قرينه "شالوم كوهين"، السفير الإسرائيلي بالقاهرة، عندما تحدث لصحيفة هاآرتس عن علامات التقدم في السن، التي صارت واضحة جدا على وجه الرئيس مبارك.. وكيف أن قدرته على التركيز باتت محدودة!

وهكذا أصبح موضوع اعتلال صحة الرئيس المصري قصة إعلامية رئيسة، تتداولها الصحافة الإسرائيلية، في تغطية إعلامية غير معهودة. محورها القلق على الأمن الإسرائيلي من احتمال تغيب الموت لمبارك!

أما تغطية وسائل الإعلام الرسمية، لهذا الموضوع فقد مارست، كالعادة، لغة الردح ضد كل من يشكك في شباب الرئيس وصحته، التي هي "زي الفل"، على حد تعبير السيدة حرمه في حديثها مع فضائية عربية. وبدلا من أن يوجه النظام غضبه واحتجاجه الوجهة الصحيحة ضد السفيرين الأمريكي والإسرائيلي، اللذين أشاعا الخبر؛ شن حملة إعلامية رسمية شرسة ضد الصحافة المصرية الحرة، أكانت مستقلة أو معارضة. وما لبثت أن تحولت إلى حملة أمنية قضائية، استهدفت معاقبة مجموعة من الصحفيين، بعدما طالبت السيدة حرم الرئيس، بـ"محاسبة من روج للشائعة"، رغم أنهم لم يفعلوا سوى الكتابة، بأسلوب مهني مشروع، عن الوضع الصحي للرئيس. إلا أن التهمة كانت جاهزة والحكم أيضا. حيث حوكم أربعة رؤساء تحرير بالسجن لمدة سنة بتهمة سب وقذف الرئيس، وكذا ابنه، وبنشر "أخبار كاذبة تسيء إلى رموز الحزب الوطني الحاكم"!!

إن بني صهيون غير واثقين من انتقال تركة مبارك - المباركة امريكيا وإسرائيليا - إلى ابنه، الذي يمثل الضمانة الوحيدة المتاحة لاستمرارية العهدة المباركية. لكن المشكلة/المأزق، أن الابن لا صلة له بمرجعية ثورة يوليو الناصرية سوى اسمه: جمال. وهو الاسم الذي يحمله، أيضا، ابن السادات: جمال السادات!!

إن انتقال الحكم إلى مبارك، بالسهولة التي تمت بها، بعد مقتل السادات، لم يكن من الممكن لو لم يكن محسوبا على المؤسسة العسكرية. ولديه "امتياز" الضربة الجوية الأولى في حرب أكتوبر 73 علاوة على وجود رغبة أمريكية شديدة في تنصيبه رئيسا. ثم، وربما الأهم، أن الحراك السياسي المعارض، وقتها، لم يكن بالقوة التي هو عليها الآن، في مواجهة حكم مبارك ورفض التوريث.

لكني أركز هنا على دور المؤسسة العسكرية، التي تمثل المرجعية، والمشروعية السلطوية لثورة يوليو الناصرية. وكان موقفها حاسما في مبايعة الجنرال محمد حسني مبارك، لخلافة الرئيس المقتول لتوه. حيث لم يكن هناك وقت كافي للتفكير في الخيارات والبلد على كف عفريت، بعد حادثة المنصة. كان يكفى، على ما يبدو، أن تكون هناك صلة للرئيس الجديد بثورة يوليو «ولو على الريحة»!!

أما، اليوم، إذا ما غاب "السيد الرئيس"، قبل أن يعين نائبا له، فإنه، فعلا، سيوقع بني صهيون وبني اليانكي في مـأزق استراتيجي بشأن مستقبل مصر في معادلة الهيمنة الصهيو-أمريكية على المنطقة. فمصر الساداتية - المباركية أصبحت، منذ طار السادات إلى عش العدو، عام 1977، أهم حامل استراتيجي للهيمنة الصهيو-أمريكية!

وبالتالي فإن الخوف الإسرائيلي والأمريكي، وإليهما خوف التابعين، مثل السعودي والأردني، على مصير الحكم في مصر، بعد وفاة مبارك، خوف حقيقي وجدي. إذ ستكون ضربة استراتيجية قاسية لمحور المهيمنين والتابعين، إذ ما آل حكم المحروسة لرئيس وطني عروبي ملتزم بفلسفة ثورة يوليو في سياق أهدافها الجوهرية. ليست بما هي تأميم ومواجهات مباشرة لقوى الاستعمار، بلغة تلك المرحلة. ولكن بما هي إرادة سياسية وطنية سيادية مستقلة، وعدالة اجتماعية أفقية!

وفي كل الأحوال فإن المشكلة، بالنسبة للشعب المصري، ليس في موت الرئيس. فالموت حق على الجميع. حتى لو كان رئيسا اعتاد المصريون اطلالته المتواترة على قنوات تلفزة صفوت الشريف، لربع قرن؟

المشكلة في البلبلة التي ستصاحب غيابه المحتمل في أي لحظة!

والرئيس هو سبب هذه البلبلة. لأنه رفض، منذ أن أقال نائبه عبدالحليم أبو غزالة، عام 1989، بعد الاستئذان من الأمريكان، تعيين نائب له. ومذاك ترك مرحلة ما بعد غيابه سؤالا مفتوحا على المجهول ولم يكن من تفسير سوى أن السيد الرئيس يتقصد توفير كل الظروف لتوريث الحكم لنجله. ورغم كل ما بذله حزبه ودولته في تسويق خلافة ابنه له، إلا أنه، حتى هذه اللحظة، ليس واثقا، وحزبه، من تمرير "ولي العرش" لوراثة الحكم بالسهولة التي تم بها توريث الأسد الابن، في سوريا، على سبيل المثال!

وإن كنا لسنا في معرض المفاضلة إلا أنه ينبغي عدم إغفال إن الأسد الابن ظل محافظا على الموقف الوطني - القومي لسوريا في مواجهة التهديدات الإسرائيلية الأمريكية، وتواطؤ مصر والسعودية والإردن، وإليهما عصابة 14 آذار الحاكمة في لبنان!

إن السؤال المفتوح على مصير مصر، ما بعد غياب مبارك، يتعلق بالمؤسسة العسكرية بالدرجة الأولى. وبالتالي فإن رهان جمال مبارك على الفوز بحكم مصر بعد موت أبيه يتوقف على موقف المؤسسة العسكرية، التي تسيطر فعليا على مقاليد الحكم، تاريخيا وتقليدا، وتمثل المشروعية الثورية للجمهورية المصرية التي أسسها اليوزباشي جمال عبدالناصر. فهل ستترك المؤسسة العسكرية، مصدر الشرعية السلطوية لحكم مصر منذ 23 يوليو 1952، مقاليد أمر المحروسة بيد ابن أبيه!

أي: هل سينحج مبارك، وحزبه وطبقة الباشاوات الجدد في توريث الحكم للابن، في سابقة منافية لشرعية الثورة الناصرية التي قامت على أنقاض إلغاء النظام الملكي الوراثي، الذي استعبد المصريين قرونا طويلة؟!

أم سيكون الرئيس القادم، رئيسا يستحقه المصريون، بعد عقود على وفاة قائد ثورة يوليو. أي: رئيس وطني ديمقراطي عروبي، علامته الفارقة: أن تكرهه إسرائيل وتبغضه أمريكا، ويُحبه شعبه، والفلسطينيون.. وبقية العرب.. والمسلمون!!!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأحد 30 سبتمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home