Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 30 June, 2006

إنّ في الأمر إنّ

فرج أبوالعـشة

بدأت في كتابة هذا المقال قبل أن يتراجع الرئيس اليمني عن قراره عدم الترشح :

هل يعني الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، ما قاله فعلا بشأن عدم نيته ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة، نافيا أن يكون قد اتخذ قراره نتيجة لضغوط مورست عليه داخليا أو خارجيا، إنما هو خيار طوعي لصالح الترسيخ التداولي السلمي على السلطة، قائلا لأنصاره، بحماس: "أنا لست تاكسي أجره تستأجرونني من الفرزة لأوصلكم إلى الفنادق. لست تاكسي أجره يستأجرني المؤتمر، أو أي قوى سياسية أخرى لمصالح ما. أنا أرعى في المقام الأول مصالح هذه الأمة فأنا رعيت مصالح هذه الأمة لمصلحة وطنية عليا أتفاخر بها.. أنا لست مظلة للفساد. ولست مظلة لفساد أي حزب سياسي أو قوى معينة. أنا لست مظلة لكي يفسدوا على حساب سمعة علي عبدالله صالح وجهده وعرقه وسهره ليل نهار على مصالح هذه الأمة لا على مصالحي لأن مصالحي كما يعرف الشعب هي مصالح الأمة ومسخّرة لخدمة هذه الأمة.. أنا لا يهمني إلا الشرف والسمعة. يهمني التاريخ لا المال المدنس أبدا على الإطلاق..." إلى آخره من هذا الكلام الجميل!!

المؤيدون يقولون إن الرجل صادق في قراره. فتركته الديمقراطية بائنة مؤثرة في الحياة السياسية اليمنية. المعارضون يقولون إن الأمر لا يعدو كونه مسرحية مفضوحة.سيما وقد سبق له، عندما كان رئيسا لليمن الشمالي في أواخر السبعينيات، أن مارس لعبة الإعلان عن عدم الترشح، ليعود ويقبل بحجة الاستجابة لضغوط الجماهير، التي كان أعوانه يحركون تظاهراتها المفتعلة.

بالنسبة لي، بصفتي مواطنا - بين ظفرين - عربي، أعيش في ديار الفرنجة منفيا؛ فارا من دولة السيد الرئيس، القائد الأوحد، الواصل إلى السلطة من أقرب ثكنة إلى الإذاعة؛ أجدني غير مصدق لما سمعت. وكيف لي أن أصدق أن حاكما عربيا، هو في الأصل ضابط انقلابي، يقرر بعد عقود من التلذذ بمتع السلطة، التي تلحس الدماغ حسب تشخيص بوتفليقة، أن يقلع فجأة عنها. قد يكون العقيد علي عبد الله صالح، أقل العقداء العرب الانقلابيين إصابة بلوثة السلطة والشعور بالعظمة. وهو، ولا شك، أقلهم تسلطا وغرورا. لكن ترك السلطة، بعد نحو (27) سنة من الممارسة المتواصلة، ليس مثل التوقف عن التدخين. إن إدمانها أشد من إدمان إبر الهروين. فحتى، في عالم الغرب الديمقراطي ذي التقاليد الديمقراطية الراسخة في تداول السلطة بصفتها وظيفة عامة، يجد الرؤساء، التاركون مقاعدهم لبدائلهم، صعوبة نفسية كبيرة، في تقبل العودة إلى الحياة العامة. فما بالك بالذين لا يزالون، ونحن في القرن الواحد والعشرين، يأخذون السلطة غنيمة كقطاع الطرق والقرصانة. قد يُساعد الرئيس عبد الله صالح، في الإقلاع عن السلطة، دون أعراض جانبية خطيرة، كونه يحكم اليمن بتركيبة شعبه الاجتماعية البسيطة في بنائها القبلي، ما قبل طبقي، وحيث يمتلك شيوخ القبائل مكانة قيادية تفوق وجاهتها سلطة رئيس البلاد. بمعنى أن سر نجاح الرئيس علي عبد الله صالح في البقاء كل هذه السنوات في موقعه، يعود، في الجوهر، إلى موهبته "القبلية" في استخدام آليات الممارسة الديموقراطية بما لا يتعارض مع نفوذ القبائل. فأنجز ما اسميه بـ"ديمقراطية أعراف القبائل". دون أن يغفل جرها إلى الوحدة والتحديث.فلا يستطيع إلا ناكر لحقيقة التغافل عن الاستحقاقات الكبيرة التي تمت في ظل رئاسته:تحقيق الوحدة، وإرساء قواعد الدولة الحديثة، والتأسيس الديمقراطي. لكن تراث التحايل البغيض الذي يعتاش، عليه الحاكم العربي، منذ شعرة معاوية، يجعلني استشعر أن في الأمر إن، حتى وأن كان السيد الرئيس يصر بقوة أن ليس في الأمر إن. ولكن ماذا عن الجماهير التي تُحشَّد كل يوم، وفي كل المدن. وغالبيتها العظمى من الفقراء المفقرين، إذ يعيش 42% من الشعب اليمني تحت خط الفقر، بسبب سرطان الفساد الرهيب، بالدرجة الأولى، الذي وضع اليمين في خانة الدول الأكثر فساداً في العالم. و18% من اليمنيين غير قادرين على تأمين الغذاء الكافي. و46% من الأطفال دون الخامسة من العمر يعانون سوء التغذية. ومع ذلك يتمسكون بالسيد الرئيس. فهل يتمسك هو بقراره التاريخي، رغم تظاهرات ومهرجانات التطبيل والتزمير، التي ينظمها الحزب الحاكم. ورغم تحول التلفزيون الرسمي إلى "صندوق سحرى" لممارسة طقوس عبادة الشخص: أناشيد لا تنقطع في مديح الشخص. الحشود المتحاشدة ترفع آلاف النسخ لصورة الشخص، وآلاف الأمتار من اللافتات القماشية، تجمع شعاراتها المرفوعة على مضمون سواء: لن نرضى بغيرك بديلا. وسيول هادرة من البرقيات والبيانات والعرائض وخطب أئمة المساجد تتوسل الشخص ألا يتنحى، فيترك شعبه لليتم، ومركب الوطن ضائعاً في العباب بلا قطبان؟!

والطريف في الأمر أن تجمعاً لأحزاب المعارضة، تحت اسم "المجلس الوطني للمعارضة" أصدر بيانا يخاطب الرئيس: "نتوجه إليكم بالرغبة الصادقة في تسمية فخامتكم مرشحاً باسم أحزاب المجلس الوطني للمعارضة إلى الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو شرف نعتز به، وولاء ووفاء لمسيرة قائد تاريخي متميز بما اجترحه من مآثر العطاء لإعلاء شأن وطننا وشعبنا وسطر أنصع صفحات تاريخهما المعاصر في سفر الثورة اليمنية الخالدة والانتصار لأهدافها ومثلها العظيمة في الوحدة والديمقراطية وبناء مداميك الدولة اليمنية الحديثة ومكانتها المرموقة إقليميا وقوميا ودوليا.. ونصدقكم القول أن الوقت لم يحن بعد لتخليكم عن مهام مسؤوليتكم في قيادة وطننا، كما أن الزعامات التاريخية وأنتم واحد منها ليس لها من مفر إلاّ الانصياع لإرادة الجموع التي تتمسك بها".. والأطرف أن مناشدات الرئيس اليمني بإعادة ترشيح نفسه، جاءت إليه حتى من بعض زملائه العرب. ومن بينهم العقيد الليبي، الذي يُسمي نفسه عميد الحكام العرب. فقد اتصل، هاتفا، بزميله العقيد اليمني، وناشده الاستمرار في الحكم، مؤكدا له:" أن الشعب اليمني والامة العربية بحاجة إليه باعتباره احد الزعماء الذين تعول عليهم الأمة".

فهل، بعد كل ذلك، سنشاهد مشهد أول رئيس عربي يتخلى عن السلطة ويعود إلى الحياة العامة مثله مثل بقية خلق الله؟! مع حفظ المراكز. فيتفرغ لكتابة أو إملاء مذكراته. أو يترشح لأمانة جامعة الدول العربية.

أي هل سينضم الرئيس علي عبد الله صالح إلى العظيم سوار الذهب؟!!

وهنا جاء الخبر، قبل أن أرسل مقالتي للنشر: لقد عادت حليمة لعادتها القديمة. فانتقلت عروض الصندوق السحرى إلى أناشيد الابتهاج بعودة السيد الرئيس عن قراره.. ويا دانا دانا يا داني دان!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية، الجمعة 29 يونيو 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home