Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 30 أبريل 2009

مفهوم الشارع العربي..! *

فرج بوالعَـشّة

1
هل لمصطلح أو مفهوم "الشارع العربي" ما يعنيه في الواقع؟!
وقبل ذلك: أي منطق مفاهيمي وراء افتراض وجود شارع عربي شمولي؟!

2
لقد صار مفهوم الشارع العربي رائجا، ليس في اللغة العربية وحدها، إنما في اللغة الإنجليزية الإعلامية،كما في المحطات الإخبارية مثل السي إن إن والبي بي سي، وغيرها من وسائل إعلامية مرئية ومقروءة، تعتمد تسمية: Arab stret ،رغم غرابة منطقها اللغوي في اللغات الأجنية..!
مفهوم أن تقول في تلك اللغات: شارع المال،شارع الصحافة، شارع الموضة ـ على سبيل المثال، ولكن ليس بنسب الشارع إلى أمة أو قومية. إذ لا تهضم لغة الإعلام الغربي بسهولة استخدام مفهوم "الشارع" للتدليل على مفهوم رأي عام قومي. كالقول بوجود شارع أمريكي أو شارع أوروبي..!

3
هل كان الكاتب العربي ـ غير المعروف ـ الذي أطلق تعبير "الشارع العربي"، يعني مغازي خصوصيته القومية، اجتماعا وسياسة وثقافة، كتعبير يراد منه التدليل على وجود رأي عام عربي عابر لحدود الأنظمة العربية، من طنجة إلى المنامة، وهي التي بينها من يبغض بعضها البعض، بل ويعادي بعضها البعض...!
ما الذي يعطي العرب هذه الخصيصة بوجود شارع عربي قومي يعكس رأيهم العام بشأن القضايا العربية، القومية العامة والقطرية الخاصة. ويتبناه الإعلام الدولي، على أنه مفهوم إعلامي ـ سياسي عريض لأمة واحدة؟!

4
ليس الإعلام الغربي وحده، إنما سياسيون غربيون أيضا، أوروبيون وأمريكيون، يعتمدون مفهوم "الشارع العربي" في تشخيص موقف الرأي العام العربي، من طنجة إلى المنامة، عند التعامل مع القضايا العربية المركزية كما في فلسطين والعراق ولبنان، بحسبانها قضايا عربية قومية جامعة،ليس لأنهم يرغبون في التعامل معها على هذا النحو، إنما لأنها تفرض نفسها عليهم على هذا النحو...!

5
لقد حاولت إسرائيل، ومعها عرب أمريكا، بمعية سلطة المقاطعة في رام الله، اختزال القضية الفلسطينية وعزلها في نطاق نزاع سياسي محصور بين الفلسطينيين والإسرائيليين،يعتمد حله على إجراء مفاوضات منفردة بين الطرفين المعنيين، فيما ينحصر دور الأنظمة العربية في مساعدة الإدارة الأمريكية على استمرار العملية السلمية، حتى لو تحولت إلى عملية تفاوض للتفاوض...!
ولهذا حوصرت حماس، من طرف العدو الإسرائيلي المباشر، ومن أمريكا وأوروبا، بل ومن سلطة المقاطعة، ومن بعض العرب. وللسبب نفسه حوصرت سوريا وإيران، واعتبرت مقاومة حزب الله جسما غريبا في الأمة العربية. لكن رهان الشارع العربي على المقاومة انتصر. إذ انتصر خيار المقاومة في حرب تموز 2006 في جنوب لبنان،فانتصر له "الشارع العربي"،بحسبانه نصرا للعرب والمسلمين،رغم حملات الإعلام العربي ذي الهوى العبري..!
ثم كانت الحرب الإسرائيلية على غزة، بوحشيتها الإجرامية الرهيبة، حيث تواطأ بعض العرب، بشكل أو آخر،مع العدوان الصهيونازي،رغبة في التخلص من روح المقاومة الفلسطينية،كي يصير كل الفلسطينيين عباسيين. لكن الشارع العربي انتصر لغزة بأهلها ومقاومتها التي استطاعت بصمودها الأسطوري منع العدو من تحقيق أهدافه المبتغاة...!

6
في حرب إسرائيل الإجرامية على غزة،طوال ثلاثة وعشرين يوما من "الرصاص المصبوب"،قتلا وتدميرا، أبان "الشارع العربي" عن تحول دراماتيكي غير مسبوق في حراكه الجماعي الغاضب، منذ العدوان الثلاثي 56 وحرب تحرير الجزائر 58 ـ 63. لكنه لم يكن هذه المرة غضبا موجها بكامله للمعتدي المحتل فقط، إنما تطوى على غضب مركزي موجّه ضد الأنظمة العربية التي ظهر تواطؤها مع العدوان الإسرائيلي على غزة مكشوفا على عينك يا تاجر. الأمر الذي أخاف تلك الأنظمة، فرأيناها تبذل ما بوسع وسائلها المخابراتية والإعلامية الرسمية وشبه الرسمية من أجل إدانة المقاومة وتجريمها....!

7
لكن، بعد توقف العدوان الصهيونازي على غزة وأهلها، مخلفا الموت والدمار،همد "الشارع العربي".وعاد كمعتاده إلى بيات طرائق عيشه اليومية البائسة في معظمها: معدة وجيبا وفكراً، وكأن مهمته انتهت، في انتظار عدوان آخر. بينما المفترض أن مهمته الحقيقية تبدأ آنذاك، وهي المفترض أن تكون قد بدأت منذ وقت طويل. وأعني مهمته التاريخية التي لم تنجز بعد، وعنوانها المفصلي: استحقاق الديمقراطية بمواصفاتها الوطنية المتكاملة،التي تجعل من يحكم موظَّفا منتخبا من "الشارع"، وشريعته وحكمه تستمدان من إرادة "الشارع". بهذا المعنى فإن مهمة "الشارع العربي" النضالية السلمية ستبقى ضرورة تاريخية لأجل إقامة أنظمة ديمقراطية وطنية، تعبر مؤسساتها كافة عن إرادة شعوبها، وتدافع عن مصالحها، وتدمج أمنها الوطني في أمنها القومي. وعندها يتوقف الحديث عن الفجوة الكبيرة بين "الشارع العربي" و"النظام العربي الرسمي"..!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 30 أبريل 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home