Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 29 November, 2007

     

"القاعـدة" في ليبيا!!   (2 من 4)

فرج بوالعَـشّة

2 ـ بين بن مالك وبن لادن!

استدلت "الجماعة الإسلامية المقاتلة"،في تكفير النظام ومحاربته،علىإنكار القذافي للسنة النبوية،ومنعه للصلاة والسلام على الرسول(ص)،وإبداله للتاريخ الإسلامي المرتبط بالهجرة بتاريخ مرتبط بوفاة الرسول(ص)،وإدعاؤه أنه رسول الصحراء الذي يأتي بعد موت أخر الأنبياء.وإلغائه لوظيفة مفتي الدولة بجعله لنفسه المفتي الوحيد.وافتاؤه بتحليل أمور حرمه الشرع وتحريم أمور حلله.ومن ذلك منع التجارة،وتأميم الاموال والأراضي،وباختصار الاعتداء على الضرورات الخمس،التي حُرم المساس بها هي:حفظ النفس،وحفظ العقل،وحفظ النسل،وحفظ المال،وحفظ الدين.وبذلك وجدوا أن الأسباب الشرعية الموجبة للجهاد متوفرة لمحاربة النظام وسلطانه!
وإذا كانت "الجماعة الإسلامية المقاتلة" قد أخذت على نظام القذافي موالاته للسوفيات "الملاحدة الكفرة" واحتلالهم لافغانستان المسلمة،فإنها اليوم،في نهضوها الجديد،تحت ظلال القاعدة،تأخذ عليه تخليه عن "سلاحه ومعداته"،وإنبطاحه لهرقل الروم الجدد في البيت الأبيض.كما لم تنس له مناصرته للصرب،ودعمهم بالنفط،في حربهم الصليبية العنصرية ضد مسلمي البوسنة والهرسك!
وإذا كان النظام الليبي قد طارد وسجن وقتل "الجهاديين"،أيام ولائه للسوفيات،بتهمة عمالتهم لأمريكا،فإنه،اليوم،يلاحق التيار الإسلامي،والمعارضة الداخلية بصفة عامة،باسم الحرب الأمريكية على الإرهاب!
والآن،بعد انضمام "الجماعة المقاتلة" للقاعد،فإن نظام القذافي الأب،المنهمك في تدبيرات نقل "العرش الثوري" إلى الابن،قد يجد نفسه في مواجهة قتالية محتملة مع "الجماعة المقاتلة"،في طور جديد،تربط فيه معركتها،داخل ليبيا،بالمعركة الأشمل في "المغرب الإسلامي"،حسب استراتيجية القاعدة في جعل شمال أفريقيا جبهة واحدة لما تسميه "قاعدة الجهاد في المغرب الإسلامي".وستتوقف طبيعة هذا الطور القتالي المحتمل،للجماعة الليبية المقاتلة،على كيفية الترجمة العملية لقواعد اشتباكها العسكري،المحتمل،مع أجهزة النظام الأمنية.كما يتوقف على مدى قدرتها على امتلاك الأمكانات والقدرات اللازمة للظهور بقوة جديدة غير مسبوقة في مواجهة النظام.وما إذا كانت ستلتزم بمحظوراتها السابقة في عدم استهداف المدنيين العاديين.ورغم أن "الجماعة المقاتلة" قد اعتبرت،في البداية،حرب "الإسلاميين" على النظام الجزائري "جهادا مشروعا".وقاتل عدد من عناصرها إلى جانب الجماعة الجزائرية المسلحة.لكنها عادت وسحبت تأييدها لـ"الجماعة المسلحة" بسبب ممارساتها الدموية المنفلتة.وحسب كميل الطويل،الكاتب الصحفي،المختص بشؤن الجماعات "الجهادية"،فإن عضو مجلس شورى "الجماعة الليبية المقاتلة"،المعروف بـ"عبدالله الليبي"{هذا ليس اسمه الحقيقي الذي يتحفظ الكاتب عن نشره كونه يعيش حالياً في بلد أوروبي وقد يتعرض لمتاعب أمنية}،والذي أرسلته (الجماعة) مع وفد صغير،تسلل إلى الجزائر،والتحق بمعسكر الجماعة الجزائرية المسلحة،بغرض الاطلاع على حقيقة الأمور على الأرض،اختلف،فقهيا،مع الجماعة الجزائرية المسلحة.وقد كتب رسالة سرية،أرسلها إلى قيادة "الجماعة الليبية"،في الخارج،يبلغها فيها:"إن الجماعة المسلحة(الجزائرية) تضم عناصر منحرفة في شكل كبير في فهمها للدين، وأن لا دين لهم ولا اخلاق"...ثم نشرت الجماعة الإسلامية الليبية في مطبوعاتها،ما بين عامي 1996و1997،عدد من البيانات أدانت فيها أفعال الجماعة الجزائرية ووصفتها بالخروج عن الشريعة والجهاد،لا سيما بعدإقدام الجماعة الجزائرية المسلحة على قتل عدد من أعضاء وفد الجماعة الليبية المقاتلة!

بالنسبة لتنظيم القاعدة فإن إنضمام "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة"،يمثل لها مكسبا إعلاميا دعائيا وعملياتيا،يدعم جبهته الشمال أفريقية،ويفتح باب "االعمل الجهادي"،من جديد،داخل ليبيا،بدعم مباشر من القاعدة،في سبيل الاطاحة بنظام القذافي،وإقامة إمارة إسلامية تدين بالولاء لإيديولوجية "القاعدة"!
والسؤال:هل تعتنق "الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة"،جناح "أبو الليث الليبي"،إيديولوجية "القاعدة" الأصولوية المتشددة،أم أنه تحالف مصالح وأهداف مشتركة؟!وما طبيعة الخطاب الإسلامي للجماعة الليبيية؟! أي ما مرجعيتها الإسلامية،بالمعنى السوسيوثقافي؟!وهل لها خصوصية ليبية محلية؟!
لقد انبثق الإصلاح الإسلامي الحديث،في ليبيا،مع ظهور الحركة الإسلامية السنوسية، في المنتصف الأول من القرن التاسع عشر،التي يرجع نسب مؤسسها،السيد محمد بن علي السنوسي{1787ـ1859}، إلى آل البيت، من نسل السيدة فاطمة. لجأ جده البعيد إدريس بن عبد الله، إلى بلاد المغرب، هربا من العباسيين، بعد فشل أحد ثورات آل البيت ضد الحكم العباسي في مكة. وقد تمكن إدريس بن عبد الله، بسبب هيبة نسبه الروحي لآل البيت، إقامة دولة الأدارسة، وعاصمتها فاس، بالمغرب. كان السيد محمد السنوسي،المعروف بـ"السنوسي الكبير"، مثقفا إسلاميا إصلاحيا، مستنيرا، بالنسبة لعصره. تتلمذ، صوفيا، في حضرة السيد أحمد بن إدريس الفاسي، شيخ الطريقة الخضيرية. وأطلع على التراث الصوفي. فخرج من تجربة تتلمذه الصوفي بتقييم عقلاني للصوفية،على أساس أن الطرق الصوفية التقليدية السائدة،تتحمل أحد ابرز الأسباب الجوهرية وراء تخلف الإسلام وعجزه عن الحضور الفاعل في العصر.واعتبر الطرق الصوفية التقليدية السائدة،من الناحية الشرعية،مناقضة لأصول الإسلام الحقة.وإذا كان قد عاب على الطرق الصوفية انحرافها عن الإسلام الصحيح،فإنه لم ينكر التصوف روحا وممارسة في الإسلام.لكنه أراد أن يعيد جوهر الصوفية الروحية،من خلال التوفيق ما بين ممارسة التصوف الروحي الإيماني وإتباع منهج الكتاب والسنة.أي الجمع ما بين الانتماء الروحي ـ الصوفي ـ الديني ـ الشرعي ـ،والانفتاح المادي على الحياة العامة وعلومها العقلية.وبهذا تفارق الطريقة الصوفية السنوسية،الطرق الصوفية الدرويشة،النابذة للشأن العام.فالصوفية السنوسية وسيلة روحية وعملية فاعلة في الدنيا،غايتها السمو بالنفس،روحيا وأخلاقيا،وتهذيبها،وتطهيرها من شرور النفس البغيضة.وعلى هذا الأساس من التوفيق،ما بين الروحي والحسي،العباداتي والمعاملاتي،النظر والعمل،نجحت الحركة السنوسية،في نشر طريقتها،من الحجاز إلى أعماق أفريقيا.وتحولت،بتأثير زواياها المنتشرة،إلى خط عقائدي جهادي مانع للمد الغربي الاستعماري التبشيري في القارة.ولم تكن تلك الزوايا مجرد مثابات دينية تعليمية إصلاحية فقط،وإنما أيضا مواقع عسكرية جهادية في مواجهة الحملة الاستعمارية الأوروبية،بروحها الصليبية الجديد. في العام1837،أسس الشيخ محمد بن علي السنوسي أول الزوايا السنوسية،في جبل ابي قبيس،الذي يطل على الكعبة،من جهتها الشرقية.وأقام بها حوالي ثلاث سنوات يلقي دروسه،ويدعو إلى أفكاره الإصلاحية.فتكاثر حوله طلاب العلم والمريدين والأتباع.وفي العام 1840 ترك السيد السنوسي أرض الحجاز عائدا إلى ديار المغرب العربي.وهو لم يختر ليبيا،مركزا لطريقته الدينية،عن رغبة محضة.فقد اضطر للمكوث،عدة أشهر،في واحة سيوة،عند حدود ليبيا مع مصر،بسبب مرض شديد ألم به.ثم واصل رحلته قاصدا بلاده،الجزائر.لكنه توقف عند الحدود الليبية مع تونس بعدما تبيّن له صعوبة مواصلة الرحلة في وجود الاستعمار الفرنسي.فعاد إلى برقة ليستقر في مدينة البيضاء،مؤسسا ثاني الزوايا السنوسية،والأولى في ليبيا العام 1842،بالقرب من ضريح الصحابي "سِيدي رافع الأنصاري".وهكذا انبثقت الطريقة السنوسية،في ليبيا،حركة اجتماعية جهادية،تطورت إلى حركة سياسية،على أساس إسلامي ـ صوفي مستنير.ولم يكن من أهدافها حمل السلاح ضد الدولة العثمانية المسيطرة على ليبيا،وقتها.فهي دعوة للإلتزام بصحيح الإسلام في طاعة الله ورسوله،حسبما فسرها السنوسي الكبير في رسالة عممها على شيوخ القبائل الليبية.جاء فيها:" إنا ندعوكم بدعاية الإسلام من طاعة الله ورسوله ، قال تعالى في كتابه العزيز:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول".وقال تعالى:"من يطع الرسول فقد أطاع الله".وقال تعالى:"ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً."والطاعة هي امتثال أمر الله ورسوله من إقامة الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وأداء زكاة الأموال وحج بيت الله الحرام واجتناب ما نهى الله عنه من الكذب والغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق وشهادة الزور وغير ذلك مما حرم الله ورسوله.فبذلك تنالون الخير الأبدي والربح السرمدي الذي لا يعتريه خسران ولا يحوم حول حماه حرمان .وقد طلب منا أناس من ذلك الطرق أن نبعث معهم بعض إخواننا يذكرون عباد الله ويعلموهم ما فرض الله ورسوله عليه ويهدوهم إلى سبيل الرشاد ، وعزمنا على ذلك لكون هذه الوظيفة هي التي أقامنا الله عليها: ننبه الغافل ونعلم الجاهل ونرشد الضال..."!
وعند وفاة المؤسس السنوسي الكبير العام 1859،وتولي السيد المهدي السنوسي قيادة الطريقة،أصبحت واحة الجغبوب مركزا دينيا ـ دعويا مزدهرا،ترتبط به شبكة من الزوايا السنوسية واسعة الانتشار،داخل ليبيا،إضافة إلى عديد الزوايا في أرض الحجاز.وكانت تلك الزوايا بمثابة مدارس ومعاهد دينية تعليمية،تعلم القراءة والكتابة والعلوم الدينية،والمهارات المهنية.كما كانت،أيضا،بمثابة مثابات دعوية لنشر الإسلام في أفريقيا،ومركزا لشكل من الإدارة الزمنية.فالشيخ الزاوية هو إمام جامع،وفقيه إفتاء،ومعلم مدرسة.وكذلك قاض شرعي للنظر في القضايا الاجتماعية الشرعية(زواج طلاق أرث) وفض المنازعات والخصومات العامة،والقضايا الجنائية أيضا... وبعد وفاة السيد السنوسي الكبير،العام 1859،خلفه،على زعامة الطريقة،نجله الأكبر،السيد محمد المهدي السنوسي،الذي في عهد زعامته الدينية والزمنية،ازدادت الزوايا السنوسية،من حوالي ستين زاوية،إلى أكثر من مائة وخمسين زاوية.تنتشر من الحجاز،إلى السودان.وبعد وفاته،العام 1902،تولى زعامة الطريقة،السيد أحمد الشريف السنوسي،ثم السيد محمد إدريس السنوسي،الذي سيحكم ليبيا كملك بعد استقلالها العام 1951 وحتى إنقلاب الملازم أول معمر القذافي العام 1969!
على هذه الخلفية التاريخية المقتضبة تشكل خطاب الإسلام السنوسي الإصلاحي،المتأصل في فقه المذهب المالكي في ليبيا،المتميز بانفتاحه الفقهي العقلاني على غيره من المذاهب الإسلامية الفقهية،في احترامه لسوابق الشرائع السماوية المُجلة قرآنيا.وقابليته للتطور والتجديد ومواكبة العصر.ومرونته العملية في معالجة الإشكاليات العصرية غير المختبرة فقهيا في حياة المسلمين من قبل،من باب السماحة والتيسير في الأحكام.ومن منظور الوسطية والاعتدال في إصدار الأحكام والمواقف،أكان بالقياس على الأصول أو بالنظر إلى فروعها المفترضة،ما دام المقصد مصالح الناس الواقعية المرسلة ،ونوازل الأزمنة المختلفة المتبدِّلة،وفروعها في مختلف الأبواب،بالاستناد إلى منطق العلم ومناهجه في استبيان المعرفة العقلانية،التي تتطابق بالضرورة العقلانية مع صحيح الشريعة الإسلامية وروحها..وهو ما ساعد،في اعتقادي،على سهولة تقبل الليبيين،بإسلامهم (المالكي) البسيط المتسامح،صياغة الدستور الليبي لمفهوم الدولة الليبية كدولة مدنية ديموقراطية،الإسلام فيها دين الدولة،دون أن يكون هو المصدر الوحيد للتشريع،وإنما أحد مصادر التشريع.وهو الدستور،الذي كان الملك إدريس السنوسى ينظر إليه على أنه تجسيد للمؤاخاة بين الدين والعلم والاخلاق،مؤكدا ذلك في قوله:"إن بعث الروح الإسلامية أمر يُحدث قوة لايستهان بها، ولاسبيل إلى بعث هذه الروح إلا إذا فرقنا بين المدنيتين الحقيقية والصناعية، وأخذنا الأولة باليمين والأخرى بالشمال،وفتحنا باب الأجتهاد ورجعنا إلى قواعد السياسه الإسلامية"......وللمقال صلة في مقال تال نناقش فيه تشكّل الخطاب الإسلاموي الأصولوي في ليبيا وظهور "الجماعات الجهادية"!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس، 29 نوفمبر 2007م.


     

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home