Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الجمعة 29 أغسطس 2008

تعليم الحداثة بالسبورة والطباشير!(*)

فرج بوالعَـشّة

عندما وصف الغرب إمبراطورية "الخلافة العثمانية" برجل أوربا المريض، في أواخر القرن التاسع عشر،كان ذلك توصيفا سياسيا "مجازيا" يُشخِّص حالة القصور الحضاري المريع لإمبراطورية إسلامية اجترت لقرون زمنا معطوبا "خارج التاريخ"..بمعنى التكرار الاتباعي لما ما آلفته واعتادته واستقرت عليه،جامدة على الموجود.!!

كانت الخلافة العثمانية إمبراطورية إسلامية عمادها القوة والتوسع.. وحتى قوتها الصلبة Hard power كانت منقوصة الأداء نتيجة اعتمادها على قوة عسكرية متضخِّمة دون قوة اقتصادية تفي باحتياجاتها وتطوِّر من قدراتها على الإنتاج المطرد،كميّا ونوعيّا.. وجامدة كذلك كانت قوتها الناعمة Soft Power،بما تعنيه من ثقافة وفكر ولغة وأساليب حياة وقيم أخلاقية أنسية،تمثل مصادر الطاقة الحضارية الضرورية لبقاء الأمم والأمبراطوريات في صدارة التاريخ.!

لقد ظهرت على الخلافة العثمانية علامات انحطاط قوتها الناعمة مبكرا،ربما في قرنها الأول،حيث جُمد فقه الاجتهاد وحوربت العقلانية الفكرية "الفلسفية" والعقلانية العلمية،وساد الجهل والشعوذة والدروشة..أما سبب بقائها إمبراطورية مسيطرة لنحو أربعة قرون على إيالاتها الإسلامية ومستعمراتها الأجنبية،في آسيا وأفريقيا وأوروبا، فيعود إلى قوتها العسكرية الباطشة،وقوة جذب الرسالة الإسلامية الروحية التي تحكم العالم الإسلامي باسمها بحسبانها رأس الخلافة التي يتمسك بها المسلمون،علاوة على ضعف أوروبا..لذلك مع دخول أوروبا إلى عصر الحداثة،في بداية القرن الثامن عشر"مع اكتشاف المحرك البخاري العام 1727"،مُؤسِّسة للحضارة الصناعية الحديثة التي نعرفها اليوم،بدأ المسار التاريخي الحتمي لاضمحلال "الخلافة العثمانية" وانحسار سيطرتها على أوروبا تدريجيا،وصولا إلى اعتبارها "رجل أوروبا المريض"،الذي حان وقت تقاسم تركته،خصوصا،بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى.!

كان العثمانيون أكبر الخاسرين في الحرب العالمية الأولى وقد انكشفت تماما عورة تخلفهم الحضاري وانحطاط ظلاميتهم البطريركية الإقطاعية،المطبوعة على استبدادها الشرقي الخراجي في مواجهة تفوق الحضارة الغربية باقتصادها الصناعي المتقدم وتطورها الاجتماعي وثقافتها ورقي تعليمها وفكرها وفلسفتها.!

وكان أن تقزمت الأمبراطورية العثمانية وضاقت في حدودها أراضي قوميتها التركية،حتى أن الجيش اليوناني تمكن من احتلال منطقة "أزمير".. وهنا ظهر الجنرال مصطفى كامل،الذي سيصبح أتاتورك،أي أب الأتراك،الذين نظر معظمهم إليه وكأنه منقذ أسطوري فوق بشري بعدما انتصر في "معركة الخلاص" في مايو العام 1919،داحرا الجيش اليوناني وقوات التحالف الأوروبي عن تركيا،جالبا لها النصر والاستقلال.. فمنحه دوره الانقاذي التاريخي هذا مكانة الزعامة الأبوية المطلقة.. ومكّنه من توجيه تركيا إلى المستقبل الذي يتصوره لها بحسبانها دولة أوروبية منفصلة عن زمن "الخلافة الإسلامية" وثقافتها الشرقية،متصلة عضويا بتمامها في الحضارة الغربية،في عملية إلغاء وإحلال.. حيث أبدل نظام حكم الخلافة الإسلامي بنظام حكم جمهوري علماني،والقوانين الإسلامية بالقوانين الغربية،والتعليم الديني بالتعليم العلماني،والطربوش بالبرنيطة،وملابس النساء الإسلامية بالأزياء الأوروبية،والأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية،والتقويم الهجري بالتقويم الغربي.!

كان "أتاتورك" علمانيا متطرفا على نحو لا مثيل له في الدول الغربية،التي تمثل أصل العلمانية وفصلها. كان "ولا يزال" هو الجمهورية والجمهورية هو. إنه معلم الأتراك ألف باء الحداثة بالسبورة والطباشير،قائدا عملية فصل تعسفي لتركيا من جذور تراثها الثقافي الإسلامي،وإقحامها في فضاء علمانية مُهندَّسة،تحولت إلى ما يشبه الدين البديل.!

كانت العلمانية على الطريقة الأتاتوركية كاريكاتورا أكثر منها إنموذجا،لأنها كانت مُسقطة على الواقع بإرادة بطريرك مهيمن،مما،كما يقول المفكر الإسلامي محمد أركون:"نال من المناخ السميائي لشعب بأسره.."..والنتيجة هوية انفصامية ولَّدت تمزقا سوسيوثقافيا عنيفا قسّم المجتمع التركي إلى نصفين متصادمين بين هوية إسلامية تأخذ بالعلمانية المؤمِّنة"حزب العدالة والتنمية نموذجا" وهوية علمانية متطرفة في عدائها للإسلام"الأحزاب الأتاتوركية والمؤسسة العسكرية والمحكمة العلي.!"

وإذا كانت عملية العلمنة القيصرية تحققت في تركيا بحكم ظروف ومعطيات تاريخية خاصة بها،وبالشعب التركي الوافد على الإسلام العربي،فإن الأمر يختلف في مركز الإسلام العربي"اللسان والثقافة والمخيال الاجتماعي والمناخ السميائي التصوري" .

فعندما تعرض الشيخ على عبد الرازق في كتابه الشهير:"أصول الحكم في الإسلام" لمسألة السياسة والدين،داعيا للدولة المدنية"وليس الدولة العلمانية" حورب وكُفِّر،وكأنه أتى بما قد يُنسف أركان الإسلام،رغم أنه قارب المسألة وناقشها بتمكن فقهي شرعي متأصل في الثوابت الشرعية.!

وهكذا،بعد قرابة قرن على تداعي "منظومة الخلافة"،لا يزال العرب بعيدين عن استحقاق الدولة العصرية الحديثة..لا يزالون واقعين في حيص بيص طوابير الخبز وأخبار ورثة الطغاة "الجملكيين" أو "الجمالكيين"،وفتاوى Takeaway من نوع إباحة رضاعة الموظف الزميل.!

وهكذا،ودائما،كأننا نبدأ لتونا،حسب محمد أركون مفكر الحداثة الإسلامية المستقبلية،في:"مهمة تشريح الوعي الجماعي لكي نستطيع الإجابة عن هذا السؤال الضخم الذي يتحدي المؤرخ ـ الفيلسوف،وهو: ما الذي حدث بالضبط حتى وصلنا إلى هنا؟!."...يتبع

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 28 أغسطس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home