Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 29 يوليو 2010

الاستشراق كشكل من أشكال العصاب التوهمي

فرج بوالعَـشّة

مع تبني الإمبراطورية الرومانية للديانة المسيحية ظهر التقسيم الجيوبوليتيكي الثقافي للشرق بين: أدنى وأقصى، بالنسبة للمركز الغربي. لا سيما بعد ظهور الإسلام في إمبرطورية متوسعة على حساب الامبراطورية الرومانية المسيحية المتراجعة عن مواقعها في الشرق الإسلامي إلى مواطنها في الغرب الأوروبي. وخلال تاريخ الصراع الطويل هذا، بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، تكوّن سجل ثقافي ضخم لصدام حضاري محتدم بين عالمين متنافرين. ومن هنا جاءت مقولة: إن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا. وزاخرة هي المصادر الغربية الاستشراقية بمسرودات الشرق النقيض للغرب، برسمه غامضاً، مارقاً، عدوانياً... كما في التأويلات الصليبية للإنجيل، وأدب الرحالة، مثل ولودوفيكودي فاثيما وبترو ديلا، وماركو بولو "الذي رسم خطوط التجارة وخلق نسقاً لنظام مقنّن للتبادل التجاري."... ومؤلفو الحكايات الخرافية عن الشرق العجائبي، وكتابات الصليبيين على مدى الحملات الصليبية المتواترة لعدة قرون. فنشأ:" من مادة الأدب الذي ينتمي إلى هذه التجارب كلها سجل حفظ ذو بنية داخلية متماسكة." يتمركز جوهره في بؤرة الخوف من الإسلام، المؤسس على عدم فهم عقلاني له. بل تعمد عدم فهمه. لأن فهم إيمانات الإسلام حقا، ومنها الإيمان المسيح، ينسف مسردوات شيطنة الإٍسلام في تصورات الاستشراق اللاهوتي، وترسيمه رمزا للرعب والدمار، كما في صورة "الخطر العثاني" الذي أحتل مواقع في أوروبا الشرقية وصار يهدد أبوابها الغربية. وقد تناولت الشرق، من منظور لاهوتي مغرض ومعادٍ، أناشيد دينية صليبية مثل ملحمة "انشودة رولان" ذات التأليف الشعبي. وكذ تمثيليات من المسرح الديني المسيحي من تأليف رجال دين، كانت تقدم في آحاد القداس والأعياد الدينية. ثم انتقلت تصورات الاستشراق اللاهوتي إلى آداب وفكر عصر النهضة وعصر الحداثة. ليصبح الشرق، بحسب إدوارد سعيد، مسرحا تمثيلياً ملصقاً بأوروبا، تظهر عليه:"شخصيات دورها أن تمثِّل الكل الواسع الذي تنبع هي منه." مثل كليوباترا وعدن وبلقيس وملكة سبأ وبابل وماهومت وعامورة والفنيق والجنّ والمجوس...وقسّ على ذلك. في "وضعيات إطارية، وفي بعض الحالات أسماء فقط، نصف متخيلة، نصف معروفة، عفاريت، وشياطين، وأبطال، ورعب، ولذّات، وشهوات. وقد تغذى الخيال الأوروبي بإغراق من هذا المخزون."... المخزون الذي استقى منه، وسقاه Feedback، مؤلفون عظام في الأدب مثل دانتي وشكسبير وسرفانتس وملتن وفولتير، وغيرهم، تصوراتهم الاستشراقية المُنتَجة في أشعارهم ومسرحياتهم ورواياتهم..

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ملحة دانتي "الكوميديا الإلهية" التي جمعت " بسلاسة بين التصوير الواقعي العادي وبين نظام من القيم المسيحية كوني سرمدي".. حيث أنزل دانتي في جحيمه كل خارج عن الكنيسة الكاثوليكية. وموضَّع بينهم شخصيات مستقاة من المخزون الاستشراقي، في طبقات، من حيث قربها أوبعدها من قعر الجحيم، بحسب مرتبة آثامها من منظوره المسيحي. فمنهم من حشرهم في جحيمه المتخيل. وغيرهم وضعهم في طبقات عذاب أقل. بينما أبدى رحمة ورأفة ببعض عظماء التاريخ الإسلامي مع غيرهم من العظماء الوثنيين، باعتبارهم، عنده، "وثنيين فضلاء". لذلك قلل من آثامهم فخف عقابهم. إذ وضع، إلى جانب سقراط وأفلاطون وأرسطو، ابن سينا < المرجع الطبي الرئيس لعصر النهضة> وابن رشد < المرجع الفكري ـ الفلسفي للعقلانية والاصلاح الديني في عصر النهضة> وصلاح الدين الإيوبي < الفارس لنبيل في الحروب الصليبية>، في طبقة "اللمبو". أي ميناء الجحيم ـ موضع عظماء التاريخ، الذين يفضلهم دانتي <وعصره>. لكن خطيئتهم، عند شاعر الكوميديا الإلهية، أنهم لم يتعمدوا مسيحياً..

إن الشرق، سوى عند دانتي أو غيره من منتجي الخيال الغربي حوله، لا يقع في شرقه الجغرافي الطبيعي، وإنما في جغرافيا تخيلية غربية. وليس للشرقي ذات مستقلة عن تصوير الاستشراق الغربي لها ومعايَنتها بآراء وأفكار استشراقية تأطيرية. والحال أن ما يسميه إدوارد سعيد بـ "المسرح الاستشراقي" يغدو قوة معرفية <مكوَّنة ↔ مكوِّنة> تُمارس على وجوه ثلاثة "على الشرق، وعلى المستشرق، وعلى "المستهلك" الغربي للاستشراق". فهي تشرقن الشرق بواسطة المستشرقين وتقدمه لـ "المستهلك" الغربي على أنه الشرق الحقيقي. ذلك أن المستشرق " يأخذ نفسه دائما بتحويل الشرق من شيء إلى شيء آخر: وهو يفعل ذلك من أجل نفسه، ومن أجل ثقافته، وفي بعض الحالات من أجل ما يظنه مصلحة الشرقي."... وبحيث يتشكل ما يسميه إدوارد سعيد بـ "الرؤيا الاستشراقية، وهي رؤيا لا تقتصر بأية حال على الباحث المحترف، بل إنها ملك مشترك لكل من فكر بالشرق في الغرب."... إنه الشرق الرؤيوي الماثل في نظام ثقافي غربي تصوري، يستشرق الشرق وبالتالي يشرقنه كمجال خارجي غريب نقيض للحضارة الأوروبية ـ المسيحية، وخطر يتهددها على دوام. (ألا تحاكي مطاردة المنقبات في أوروبا اليوم مطاردة الساحرات في القرون الوسطي؟!!). في صناعة مُعصَّرنة للخواف من الإسلام (روح الشرق). هكذا هو الاستشراق:" شكل من أشكال العصاب التوهمي (بارنويا)، ومعرفة من نمط آخر مختلف ـ على سبيل المثال ـ عن المعرفة التاريخية العادية." ...

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 22 يوليو 2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home