Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 21 مايو 2009

فتحي الجهمي وضبط المفاهيم والمواقف

فرج بوالعَـشّة

1

ما أن ذاع نباء وفاة المناضل فتحي الجهمي حتى انبرى بعض الإصلاحويين،المحسوبين على معارضة الخارج،يتبنونه شهيد "الإصلاح"،بحسبانه:"أب الإصلاح في ليبيا"،على رأي أحدهم.وفاعل في ما يسمونه بـ"الحراك السياسي" في الداخل،في نظر غيره.وهناك من اعتبره مجرد ناشط حقوقي جرب حظه في نقد السلطة.ومع الإحترام الواجب لأصحاب هذه الآراء التبسيطية فإن الشهيد الجهمي لم يكن كذلك.أي لم يكن يدعو لإصلاح النظام،وإنما تغييره.لذلك استهدف النظام التخلص منه،رغم تبني الإدارة الأمريكية لقضيته.التبني الذي جرى بأسلوب النفاق البوشي.إلا أن الجهمي لم يكن يعول على الدعم الأمريكي،لموقفه المعارض،عندما وقف،في مؤتمر شعبي،في اكتوبر العام 2002،مطالبا باطلاق الحريات العامة وإلغاء الكتاب الأخضر وإجراء انتخابات حرة،واصفا تجربة حكم القذافي بالفاشلة.فكان مصيره السجن.ولكن حدث أن تبنت الإدارة الأمريكية قضيته.وقد ذكره بوش بالإسم،معتقدا أنه سيدة،وهو ما يفضح نفاق صاحب البيت الأبيض،كونه يهرف بما لا يعرف،في سياق تذرع إدارته بالدفاع عن الحرية ومقارعة الأنظمة الإستبدادية للتغطية على الوجه الأمريكي البشع في أفغانستان والعراق.وكان أن أنصاع العقيد الرعديد وأطلق سراح الجهمي في مارس 2004.وليخرج علينا هرقل البيت الأبيض بنفسه،في اليوم نفسه،الذي أُفرج فيه عن الجهمي،متحدثا إلى وسائل الإعلام ببيان قصير،قال فيه:"أفرجت الحكومة الليبية في وقت سابق من هذا اليوم عن فتحي الجهمي،وهو مسئول حكومي سابق سجن عام 2002 بسبب دعوته إلى الديموقراطية وحرية الكلام.وهذه خطوة مشجعة صوب الإصلاح في ليبيا.ولابد أنكم سمعتم بأن ليبيا قد بدأت تغير موقفها في أمور كثيرة"...!

ولكن الأجهزة الأمنية ما لبثت أن اعتقلت الجهمي عقب انتقاداته الجذرية القوية التي وجهها،عبر فضائية "الحرة"،ضد القذافي ونظامه.ولأن العقيد الرعديد أظهر استعدادا فائقا للانبطاح الوقائي لأوامر بوش الصغير،خففت الإدارة الأمريكية من اهتمامها بقضية فتحي الجهمي.ثم توقفت عن ممارسة أية ضغوط جدية للإفراج عنه.وقبلت،عمليا،بإجراءات النظام القمعية بحق الجهمي،حيث تم حجزه في عيادة أمراض نفسية بقصد إظهاره كشخص مضطرب نفسانيا.وبالتالي إظهار مواجهته البطولية للنظام ولشخص القذافي على أنها مجرد تعبير عن موقف طائش من لدن شخص غير متوازن عقليا.ومعروف هو وصف القذافي للمعارضين ـ منذ بدايات انقلابه العسكري الفاشي ـ بالمرضى المجانين،الذين ينبغي،حسبه،حجزهم في معسكرات خاصة،وعلاج اذهانهم من الأفكار "الهدامة"،أي المعارضة له.ومعروفة هي طرائق القذافي الفاشية الدموية في معالجة أفكار معارضيه:الاعتقال والاختطاف والاختفاء القسري والتعذيب والقتل..... !
في حالة الجهمي،وبسبب البروباغندا البوشية في تبني قضيته،لم يعمد النظام إلى إغتياله كما حدث للشهيد ضيف الغزال،أو قتله في السجن والإعلان رسميا عن انتحاره كما حدث للشهيد علي محمد عبد العزيز الفاخري المعروف باسم ابن الشيخ الليبي،إنما عمد إلى تصفيته ببطء ودون جلبة.حيث أُنزل في غرفة/زنزانة،في عيادة نفسية،تحت حراسة مُشددة،غير مسموح بزيارته إلا من قبل عائلته وفي مرات محددة.ومُنع من توفر الشروط الصحية اللازمة،من تغذية ودواء،لمعالجة مرض السكري وارتفاع ضغط الدم،في تعمد مبرمج للأضرار بصحته،مع اهمال معالجته بشكل سليم،بقصد توفير الشروط المرضية المُعجِّلة بموته.وذلك ما حدث فعلا.إذ تدهورت حالته الصحية في سياق تصاعدي حتى أدت إلى موته بالتسمم "متأثرا بالتهابات في الدم"،حسب التقرير الطبي الأردني.وقد نُقل جثمانه على وجه السرعة ودُفن على وجه السرعة.وعلى وجه السرعة أُحتسبت جريمة قتله وفاة عادية تندرج في سياق القضاء والقدر...وليظهر علينا المتحدث باسم الخارجية الأمريكية،في عهد الساكن الجديد للبيت الأبيض،وهو يعبر براحة ضمير عن حزن إدارته:"لوفاة المناضل السياسي المدافع عن حقوق الإنسان فتحي الجهمي.".وينعيه باقتضاب بارد،قائلا أن:"أفكارنا وصلواتنا إلى عائلته التي عانت كثيرا خلال اعتقاله".بينما المفترض أن يطالب،على الأقل،بمطلب عائلة الشهيد وقوى المعارضة الوطنية،المتمثل في ضرورة إجراء تحقيق مستقل يشرف على تشريح مستقل للجثة لمعرفة أسباب الوفاة وملابساتها.سيما وأن الإدارة الأمريكية،السابقة والحالية،تعرف عن طريق سفارتها في طرابلس أن نظام القذافي مسؤول مسؤولية مباشرة عن موت المناضل فتحي الجهمي..!

2

إن النظام لم يُقدم على اعتقال المناضل فتحي الجهمي،وبرمجة قتله ببطء،لمجرد أنه انتقد مساوئ النظام وطالب بإصلاحات،إنما لأنه سفّه نظام سلطة الشعب وطالب بإلغاء الكتاب الأخضر،وإجراء انتخابات حرة.بل طال بنقده الجذري الجسور رأس الشر،الذي وصفه بإنه صار إلها و:"لم يبق له إلا أن يعطينا سجادة صلاة ويطلب منا أن نركع أمام صورته ونتعبد له.." إن مشروع الشهيد الجهمي ماثل في خلاص ليبيا من القذافي ونظامه وإقامة دولة الدستور والديموقراطية والتعددية السياسية.وهو كان مدركا أن لا مجال لإصلاحات حقيقية إلا بنهاية نظام الاستبداد القائم.وقد أوضح رؤيته السياسية الوطنية في حوار أُجرى معه،في غرفة البال توك بعد خروجه من السجن في مارس 2004.حيث تحدث {بأسلوبه}:كيف ان الناس في ليبيا بعد سماع مقابلته في "الحرة" لا زالوا في صدمة ليسوا مصدقين ... ومنهم المشككون في أن الامر ملعوب من النظام..وهذا بسبب 35 سنة من الحكم الديكتاتوري مما جعل الناس عائشة في خوف... ولكن مع الايام سيخرج الناس من حالة الخوف والاحباط.."..وتحدث كذلك كيف ان الناس بدات تزوره في بيته وتسأل وتناقش.ومنهم ناس لا يعرفهم.وقال ان ما قام به أحدث زوبعة داخل المجتمع.وفي النظام وعند الناس.وطالب ان لا يعتمد عليه وحده.لأن النظام حديدي ويحتاج إلى قت والى تكاتف جماعي حتى يحدث التغيير.ودعا الى نكران الذات من اجل المصلحة العامة. وهو لم يستعمل كلمة الاصلاح وانما كلمة التغيير. وراى ان التغيير ضروري ويجب ان يكون سلمي وعبر الحوار.وقال ان المصالحة العامة تعني ان نجلس كلنا في دائرة مستديرة ،وحتى النظام يمكن ان يأخذ كرسى(وليس كل الكراسي!!) مع جميع الاطياف ونحاول ان نعمل ميثاق وطني من اجل تغيير سلمي كما حدث في اوربا الشرقية{يقصد في إطار الانتقال التام من النظام الشمولي إلى النظام الديموقراطي،وليس من باب مصالحة النظام القديم وإصلاحه!!}.وتحدث عن تكوين جبهة وطنية للمعارضة في الداخل وقال يجب الأخذ في الاعتبار ان العمل المعارض في الداخل ليس سهلا،وله حساسيته وظروفه الخاصة.وقال : انا اخذت المبادرة وان شاء الله خير.واكد انه حذر الامريكيين من ان يعقدوا صفقة مع نظام القذافي على حساب حقوق الليبيين...وهذه ليست مواقف الإصلاحين،الذين ينشطون داخل المربع المسرحي المُسوَّر بالخطوط الحمراء.فهم ما داموا يتحركون ويعبرون عن آرائهم الإصلاحية المؤدبة،ملتزمين بعدم الخروج عن النص،لن يتعرضوا لما تعرض له فتحي الجهمي.قد يحقق مع بعضهم ويعتقلون لأيام معدودات،ثم يُفرج عنهم بعد تدخل إبن أبيه الراعي الرسمي للحقوق الإنسان.

3

والحال كما لا يحق لأطراف في المعارضة المزايدة على موقف الجهمي البطولي من النظام ورأس طغيانه،مثلما أدعى جماعة "ألفا"،أيام زعامة بويصير لها،الذين اعتبروا انفسهم الاوصياء على الجهمي ومواقفه باعتبارهم هم من كان وراء اطلاق سراحه، وهم الذين آمنوا له الحديث في قناة "الحرة".كذلك لا يحق لأطراف أخرى المناقصة على موقفه الجذري من النظام،مثل موقف الإخوان ـ فرع ليبيا ـ الذين اعتبروا الجهمي محسوبا على تنظيمهم،وصنفوه على انه داعية للاصلاح والحوار والمصالحة مع النظام.وقد أنظم إليهم في المناقصة جماعة ما سُمي حينها "ورقة سياتل"،الذين أدرجوا موقف الجهمي في موقفهم المصالح للنظام ورؤيتهم الإصلاحية المطلبية.وهؤلاء وأولئك ما لبثوا أن تخلوا عن الرجل وقضيته الوطنية عندما أعاد النظام اعتقاله.ولم يهتم إصلاحيو سيف وحراكه "السياسي" بمعاناته وعائلته،وكأنه معتقل في بلاد الواق واق.أما الطرح المبدئي لمعظم أطراف المعارضة في الخارج،تنظيمات ومستقلين،فقد وضع موقف الجهمي في اطاره الوطني الصحيح وهو الخلاص من القذافي ونظامه وإقامة البديل الديموقراطي.فالجهمي عندما تحدث عن المصالحة كان يقصد المصالحة الوطنية وليس مصالحة النظام،وهي لا تستقيم إلا بعد إنهاء النظام.وعندما تحدث عن الحوار مع النظام تحدث عن طاولة مستديرة يكون للنظام فيها كرسيا واحدا وليس كل الكراسي،ويكون لممثلي القوى الوطنية{أو الجبهة الوطنية كما سماها} في الداخل كرسيهم الندي،على أن تكون الغاية من الحوار تخلي القذافي عن السلطة وتسليمها لليبيين وفق آلية صناديق الاقتراع.اما المعارضة في الخارج فقد طالبها الراحل الكبير ان تكف عن عروضها الاصلاحية وتتمسك بالمطلب الوطني الشامل بإنهاء نظام الاستبداد القائم.وأن تعمل،في الوقت نفسه، بجد واجتهاد من أجل دعم المعارضة في الداخل اعلاميا،ومواصلة الضغط الخارجي على النظام....

4

فهل تتجه قوى المعارضة الوطنية في الخارج إلى تبني مشروع الشهيد فتحي الجهمي في تشكيل "جبهة وطنية" تتجاوز مطالبة القذافي بالتنحي إلى مطالبة الشعب الليبي،بالعمل،بكل السبل،من أجل إزالة القذافي ونظامه،بنيويا،من وجود الليبيين،كشرط شارط للإصلاح الحقيقي والمصالحة الوطنية الحقيقية والحراك السياسي الحقيقي وحرية الرأي والتعبير الحقيقية...وغير ذلك من مفاهيم ومصطلحات الحرية التي لا تينع إلا في بيئة حرة..!
______________________________________

سبق لي نشر هذه المقالة في مدونتي http://alasha56.maktoobblog.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home