Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 29 March, 2007

مفهـوم «الحكم الجيد»!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، قام المفكر فرانسيس فوكوياما، أمريكي من أصل ياباني، بمراجعة أفكار أطروحته عن:"نهاية التاريخ والرجل الأخير"، الذي نظّر، فيها، للديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، بحسبانها سقف التاريخ الأعلى. وبالتالي فإن الإنسان، بحسبانه حيوانا سياسيا، يصبح، في عالم الديمقراطية الليبرالية الرأسمالية، هو الإنسان الأخير!

لم تكن، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الدافع المركزي لمراجعة فوكوياما لأطروحته وتعديل بعض أفكارها. فالإرهاب لا يستطيع، في رأيه، أن يهدم سقف التاريخ. وكما اعتبر "الحرب على الإرهاب"، التي تخوضها أمريكا، ليست إلا شكلاً من أشكال الهروب إلى الأمام!

ومن الواضح أن فيلسوف نهاية التاريخ قد أدرك أن التاريخ ابعد ما يكون عن نهايته "الليبرالية" السعيدة المفترضة. لأن فرضية " تقدم الإنسانية "، كحركة حتمية للتاريخ، ما هي إلا مقولة إيديولوجية، محمولة على نزعة إنسانوية رومانسية، تتغنى بشعارات مثالية عن الحرية والمساواة والعدالة والأخوة، بينما الواقع غير ذلك. فالواقع أن "الإنسان"، بين مزدوجين، بعدما عاث دمارا وخرابا ببيئته الطبيعية، يتجه، الآن، في عصر الثورة الجيناتية، إلى العبث بالطبيعة البشرية، بواسطة علوم البيوتكنولوجيا، التي، كما يعتقد فوكوياما، في سعيها:"إلى استثمار الطبيعة البشرية لا تخاطر فقط بعواقب لا يمكن التنبؤ بها، وإنما يمكن أن تقوض الأساس ذاته للحقوق الديمقراطية المتساوية أيضا... ". من حيث قدرة العلم على تخليق أطفال مصممين حسب الطلب، وخلق أفراد أسمى وراثيا. والتحكم في توجيه السلوك الاجتماعي...

أي أن العلم مفتوح على لا نهايات وبالتالي لا نهاية للتاريخ. فعن أي إنسان أخير يمكن أن نتحدث؟! أما الديمقراطية الليبرالية فهي ـ بتعبير فوكوياماـ خيار الوقت الراهن بالنسبة لأي مجتمع يأمل في أن يكون جزءا من العالم الحديث، متراجعا بذلك عن يقيناته الفكرية التنبؤية بأن الديمقراطية الليبرالية، باقتصادها الحر، هي خيار كل الوقت! وفي هذا الاتجاه يتراجع فوكوياما حتى إلى ما قبل الديمقراطية. إذ يقترح على ما يُعرف بالعالم الثالث الأخذ بـ"الحكم الجيد أولاً... َ وبعده الديمقراطية.. ثم نهاية التاريخ". ويجد في التجربة الصينية، نموذجا مائزا للنمو والتطور، في القرن الواحد والعشرين، لأنها، في اعتقاده، تجربة ناجعة في إدارة نظام "الحكم الجيد". ولا يهم، هنا، أن تكون الصين محكومة بنظام شمولي، يديره حزب أوحد. فالسيد فوكوياما حاضر للقول:" إنني لست مع القول بالمطلق بأن الدولة ومن أجل أن تنمو، لا بد أن تكون ديمقراطية، لأنه وقبل أن تحصل على ديمقراطية لا بد لك أن تحصل على حكومة ودولة قائمة يكون بوسعهما تقديم الأمن والأسس الاقتصادية، ومن هنا يمكن أن تكون الدولة متسلطة وشمولية، ومع ذلك تنمو.. "!

وحسب هذا المنطق نستنتج معه أن:" المشكلة الأساسية مع معظم دول العالم الثالث في معظمها سياسية، إضافة إلى مؤسسات سيئة، وإدارة حكم سيئة أيضا.. وهذا هو الفضاء الذي ظلت تقلل من شأنه نظرية التنمية، لأن التنمية تتطلب وقبل كل شيء حكما جيدا"

إذن بدلا من تمسكه الفلسفي بحتمية التحقق التاريخي للدولة الليبرالية باعتبارها روح التاريخ المبتغاة، كما تمثلها هيغل في فلسفته التاريخية، يعود السيد فوكوياما، بعد تقلبات "فلسفية"فراغية، إلى تعاطي أفكار تبريرية، مأخوذة باعتبارات تاريخية استثنائية، تقول بوجود تاريخين على الأقل. هما تاريخ الغرب (الأمريكي ـ الأوروبي) من جهة. وتاريخ الشرق (الآسيوي ـ الأفريقي) من جهة أخرى. مع الأخذ بالاعتبار خصوصية التاريخ الأمريكي اللاتيني، البين بين!

من هنا وجد السيد فوكوياما أن نظريته الصاخبة عن "نهاية التاريخ" ليست سوى رقصة تانغو خاصة يرقصه الغرب مع نفسه!
وإذا كان إينشتاين، قد برهن، فيزيائيا، على نسبية حقيقة الوجود في المكان. ونسبية حقيقة الزمن في الوجود. فأي معنى للحديث عن مطلقات فلسفية تحكم التاريخ. وهذا ما لم يدركه السيد فوكوياما في البداية!

وها هو يظهر علينا الآن، بعدما ترك عمله لدى الإدارة الأمريكية، وارتد عن انتمائه إلى جماعة المحافظين الجدد، معترفا بأن نظرية "نهاية التاريخ" خارج المنافسة في العالم الثالث، لأنه (العالم الثالث) قاصر عن تمثّل مفهوم "حكم القانون"، بما هو الحيز العقلاني لنظام الدولة الليبرالية، وإدارتها الحكومية، التي تحمي حقوق الملكية، وحماية حقوق الفرد، والأمن الطبيعي، والبنيات الأساسية!

لذلك يقترح علينا تعديل نظري يلائم، في نظره، معالجة الوضع التاريخي الاستثنائي، في العالم الثالث، باعتبار أن مشكلة العالم الثالث:"ليست في الحكومة فقط، وإنما في حكومة غير كفؤة أو لا حكومة على الإطلاق. ومن هنا وإذا ما كان لنظرية«نهاية التاريخ» أن تتحقق، فلا بد من ابتعاث مؤسسات الحكم الكفؤة إلى حيز الوجود، لضرورتها الحاسمة في «بناء الأمة»... "!

وحسب هذا التحليل، فإن الدولة الحديثة يمكن أن تنمو وتتطور دون أن تكون ديمقراطية. بدليل أن معظم دول شرق آسيا، أو ما يسمى نمور آسيا، نمت وتطورت على نحو مذهل وهي تحت الحكم الشمولي. ونتيجة لنموها وتطورها، انتقلت من طور الدولة الزراعية، المصدرة للمواد الخام، إلى دولة مُصنِّعة، ترتفع بدخل الفرد إلى ما فوق 6000 دولار. حيث عند:"الوصول لمثل ذلك المستوى (من الدخل الفردي العام) تكون الدولة قد تحولت من كونها زراعية ومصدرة للمواد الخام الى دولة متحضرة وصناعية. وعندها تقل رغبة الناس في التسامح مع الاثوقراطية والشمولية... "!

ونستنتج من ذلك أن نمو اقتصاد نمور شرق آسيا وتطوره المتسارع قام على أساس "الحكم الجيد"، حتى وأن كان في إطار نظام شمولي. كما كان الحال في كوريا الجنوبية، على سبيل المثال المائز! وهو ما تصورت أمريكا أنه ستحققه في العراق بعد غزوه. بحيث تأسس فيه بنية "حكم جيد" يؤدي إلى نظام ديمقراطي مستقر، تخضعه للمراقبة عن بعد. فوكوياما رفض فكرة غزو عراق منذ البداية، لأن السجل التاريخي، في رأيه:" يوضح أن نماذج بناء الدولة أو الأمم كانت ناجحة في كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا لأن القوات الأمريكية قد بقيت هناك على الأقل لمدى جيلين أي 40 أو 50 عاما، فيما تقدم لنا نماذج بقائها لخمس سنوات أو أقل العكس، وهاييتي أفضل مثال لجهة عدم حصول الدولة مع النموذج الأخير على التغيير المستدام، دعك عن حصولها على ما هو أسوأ... "

إن فكرة فوكوياما عن المنطقية التاريخية لمشروعية دولة "الحكم الجيد" أو"الحكم الرشيد"كمقدمة تاريخية ضرورية لظهور الدولة الديمقراطية، لها أصداء قديمة، متداولة، في الثقافة العربية، منذ عصر النهضة، تحت عنوان:"المستنير العادل" أو "المستبد(بمعنى الحازم وليس الطاغية)العادل"، كنموذج للحاكم الصالح، الذي يجمع بين الحزم والعدل!وهو "البطل" الوطني أو القومي، المنتظر أن يجود به التاريخ لإنقاذ الأمة، من هوانها التاريخي، والنهوض بها إلى الحضارة، فـ"إنما ينهض بالشرق مستبد عادل.. "، حسب الأمام محمد عبده، مفكر ثورة عرابي، وأحد ابرز دعاة ضرورة ظهور "المستبد العادل"، لقيادة الأمة في مهمة إنقاذ تاريخي عاجل، إلى درجة إيمانه بأن بمقدوره، بالحزم اللازم والعدل الواجب، أن يحقق في خمس عشرة سنة ما لم يتحقق للأمة في خمسة عشر قرنا.

وعندما جاء عبد الناصر، الذي كان ظاهرة تاريخية استثنائية في اعتقادي، حاول أن يكون ذلك الحازم العادل، الذي يُقيم حكما "جيدا"، يستمد مشروعيته من شرعيته الثورية، ومن مشروعه القومي النهضوي. لكن المواجهة المفتوحة مع الامتداد الاستعماري الغربي، في هيئته الصهيونية الاستيطانية العدوانية، المدعومة أمريكيا وأوروبيا، (علاوة على طعنات أنظمة أعراب أمريكا في ظهره)، استنزفت موارد مصر وإمكانياتها وطاقاتها المادية والبشرية، لصالح التعبئة العسكرية، على حساب التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية، مما أدى إلى تباطؤ تطور عملية التنمية النهضوية، وبالتالي تدني مستوى دخل الفرد إلى ما دون المستوى الضروري للنمو والتطور!

إن تصور "الحكم الجيد"، في الديار العربية، لا يمكن أن يكون الا ديمقراطيا، أو لا يكون. ثم إن "الحكم الجيد"، أكان مركزيا مثل النموذج الصيني أو ديمقراطيا مثل النموذج الهندي، يشترط تحقق السيادة الوطنية، وتحرر الإرادة السياسية من التبعية لقوى خارجية. قد يقول قائل إن تبعية كوريا الجنوبية للهيمنة الأمريكية لم تمنعها من أن تكون نمرا اقتصاديا!

وهذا صحيح إذا لم ننس أن أمريكا دعمت، ولا تزال تدعم اقتصاد كوريا الجنوبية باستثمارات ضخمة، وتحميها عسكريا من عدوتها الشقيقة كوريا الشمالية. بينما تنحصر المعونة الأمريكية لمصر (النموذج العربي النهضوي) في مبلغ هزيل(2 مليار دولار سنوياً). وهي مصممة أصلا، لتصب في صالح أمريكا اقتصاديا. بحيث لم تزد الصادرات المصرية لأمريكا على سبعة مليارات دولار تقريبا، مقابل أكثر من خمسة وأربعين مليار دولار، هي قيمة الصادرات الأمريكية لمصر!

إنها بمثابة إكرامية أمريكية مقابل مسالمة مصر لإسرائيل، وسيرها في ركب السياسية الأمريكية، وتنازلها عن قيادة المشروع القومي النهضوي. في الوقت الذي حظيت فيه إسرائيل، منذ قيامها، بمساعدات أمريكية هائلة، اقتصادية وعسكرية، بلغت قيمتها أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار، اعتمدت عليها الدولة الصهيونية اعتمادا أساسيا، في إدامة تفوقها الاستراتيجي وتطورها الاقتصادي (الصناعي/التكنولوجي) على كافة الدول العربية مجتمعة. دعك من الدعم السياسي غير المحدود، إلى درجة تبعية السياسة الخارجية الأمريكية (الشرق أوسطية) للمواقف الإسرائيلية!

والحاصل أن مصر، النموذج العربي المأمول لقيام نظام "الحكم الجيد" الديمقراطي، لا تزال تحكمها التركة الساداتية، في العهدة المباركية، التي تقيد حركة التحول إلى نظام ديمقراطي حقيقي. وليس أدل على ذلك من التعديلات الدستورية المقرة، التي فُصّلت لترسيخ النظام القائم، وضرب الحريات العامة، وتجميد الحياة السياسية على موجودها. وبالتالي جعل مصر أبعد من ذي قبل عن استحقاق نظام ديمقراطي وطني، يحررها من التبعية للسياسة الأمريكية، ومن ابتزازات معونتها الضئيلة، ويعيدها إلى دورها القومي القيادي، بما يليق بتجربتها النهضوية الرائدة، وقدرات عقولها البشرية، العلمية والفكرية المبدعة.

.. وفي الختام يبقى القول أن لا مشروعية لنظام حكم جيد أو رشيد أو صالح، في مضارب بني يعرب، ما لم يتوافر على المقومات الضرورية للنظام الديمقراطي المتعارف عليه عالميا!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 29 مارس 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home