Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 9 مارس 2010

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

"سي" عمر المختار شيخ المقاومة الجهادية (17)

فرج بوالعَـشّة

كان الجنرال غراتسياني قد اتفق مع المارشال بادوليو، الحاكم العام لليبيا المستعمرة، على إعدام سِيدي عمر. وبذلك كان الحكم سابق على المحاكمة. فمنصة الشنق كانت جاهزة في منطقة سلوق شبه الصحراوية قبل انعقاد المحكمة الخاصة، التي لم تكن سوى بروباغندا فاشيستية للتظاهر بـ عدالة روما الجديدة.

وفي صبيحة يوم المحاكمة، قبيل انعقادها بساعات، أمر غراتسياتي بإحضار سِيدي عمر إلى مكتبه في سراي الحكومة الاستعمارية.
أُدخل سِيدي عمر إلى مكتب الجنرال غراتسياني مقيد اليدين بالسلاسل. ولا يوجد توثيق للحديث الذي دار بينهما إلا ما أورده غراتسياني في مذكراته. ـ 1 ـ ويبدو من سياق رواية غراتسياني أنه كان على قدر من الموضوعية في نقل ما دار بينه وسِيدي عمر من حديث متبادل. وهو، رغم عدائه الشديد لسِيدي عمر، وصفه له بأوصاف ذميمة تنم عن الكراهية والحقد، نجده، في مواضع مختلفة من مذكراته، لا يملك إلا أن يذكره بتقدير واحترام. فيصفه عندما دخل إلى مكتبه ووقف أمامه: تهيأ لي أني أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية، يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة وكان وجهه مضغوطاً لأنه كان مغطياً رأسه ( بالجرد ) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر. وبالإجمالي يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال. له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسير.
في ذلك اللقاء دار بينهما حديث طويل من خلال المترجم الليبي خليفة خالد الغرياني، وهو ترجمان غراتسياني الخاص برتبة كابتن. ويصفه بالمخلص. وقد أحضره معه من طرابلس خصيصا لهذا اللقاء الذي كان يتطلع إليه.
غراتسياني:لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية ؟!
سِيدي عمر: من أجل وطني وديني
غراتسياني: هل كنت تأمل في يوم من الأيام أن تطردنا من برقة بإمكانياتك الضئيلة وعددك القليل؟!
سِيدي عمر : لا.هذا كان مستحيل .

غراتسياني : إذاً ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه ؟
سِيدي عمر : لا شيء إلا طردكم من بلادي لأنكم مغتصبون. أما الحرب فهو فرض علينا وما النصر إلا من عند الله ..
غراتسياني : لكن كتابك يقول ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكـة. بمعنى لا تجلبوا الضرر لأنفسكم ولا لغيركم من الناس. القرآن يقول هذا .
سِيدي عمر : نعم .
غراتسياني : إذن لماذا تحارب ؟
غراتسياني :كما قلت من أجل وطني وديني .
غراتسياني: لا .. أنت تحارب من أجل السنوسية، تلك المنظمة التي كانت السبب في تدمير الشعب والبلاء على السواء. وفي الوقت نفسه كانت المنظمة تستغل أموال الناس بدون حق. هذا هو الحافز الذي جعلك تحاربنا. لا الدين والوطن كما قلت.
وهنا يقول غراتسياني أن سِيدي عمر نظر إليه نظرة حادة كوحش مفترس. وقال:
ـ لستَ على حق فيما تقول ولك أن تظن ما ظننت، ولكن الحقيقة الساطعة التي لا غبار عليها أنني أحاربكم من أجل ديني ووطني، لا كما قلت.
وفي ترجمة أخرى يقول غراتسياني إن سِيدي عمر لم يرد. إذ التزم الصمت. وقد اتضح لي من أساير وجهه العابس علامات التهكم. وخُيل إلي وكأنه كلب مسعور من نوع الكلاب الضخمة.
غراتسياني: لماذا قطعت المهادنة السارية وأمرت بالهجوم على ( قصر بن قدين ) ؟
سِيدي عمر : لأنه منذ شهر أرسلت إلى المارشال ( بادوليو ) رسالة ولم يجبني عنها وبقيت بدون رد حتى الآن ..
غراتسياني : لا.. أنت أردت قطع المهادنة لحاجة في نفسك وهاك الدليل.
أبرز له البيان الذي نشره سِيدي عمر بتوقيعه في الجرائد المصرية. ويعلن فيه عن انتهاء الهدنة والعودة لمقاتلة الاحتلال الإيطالي.
سِيدي عمر: نعم نشرت البيان في مصر بتوقيعي. ولكن ليس هذا هو الدليل وإنما هو عدم تجاوبكم معنا في تنفيذ شروط الهدنة.

غراتسياني : هل أمرت بالفعل بقتل الطيارين هوبر وبياتي؟!
سِيدي عمر : نعم.. كل الأخطاء والتهم في الواقع هي مسؤولية الرئيس. والحرب هي الحرب.
غراتسياني : هذا صحيح لو كانت حرباً حقيقية لا قتل وسلب مثل حربكم... ولقد فقدت يا عمر الرحمة من قبل الحكومة الإيطالية بفعلتك الشنيعة التي ارتكبتها بهجومك على (قصر بن قدين).
سِيدي عمر: المكتوب لا مفر منه. وعلى كلٍ عندما وقع جوادي وألقيَ القبض عليّ كانت معي ست طلقات وكان في استطاعتي أن أدافع عن نفسي وأقتل كل من يقترب مني حتى الذي قبض علي وهو أحد الجنود من فرقة الصواري المتطوعين معكم..
غراتسياني : ولماذا لم تفعل؟!
سِيدي عمر : لأن هكذا أراد القدر ولا راد للقضاء.( غالباً لم يتمكن سِيدي عمر من القتال بسبب سقوطه عن جواده وهو الرجل المسن، فأُصيب بجرح في يده اليمنى ورضوض شديدة في ذراعه.) ويستنتج غراتسياني لنفسه من آراء سِيدي عمر وما توحي بها قسمات وجهه ومظهره أنه يأمل في نيل العطف والرأفة. وهو ما لا يتسق مطلقا مع شجاعة أسد الجبل الأخضر، وإيمانه الجهادي العميق.
ويدعي غراتسياني أن سِيدي عمر قال له : أنا رجل عجوز، اسمح لي بأن أجلس. فسمح له بالجلوس أمام مكتبه. وقد تأمله عن قرب. ها هو الرئيس القائد ماثلا بجميع سماته أمامي.. ويضيف: وأبالغ إذ أقول بأنه هوذا القديس الكبير كما كان يحلو لهم أن يسمونه. ويقصد غراتسياني تعبير سِيدي عمر الذي يبجل به الليبيون شيخ المقاومة الجهادية.

غراتسياني : ترى في مدى كم يوم تستطيع بسلطتك ونفوذك أن تأمر وتلزم أتباعك العصاة في الجبل الأخضر بأن يلقوا السلاح ويستسلموا ....؟!
سِيدي عمر : أبداً ليس بمقدوري أن أعمل أي شيء، خاصة وأنا أسير.
ثم يواصل حديثه: أود أن أؤكد لكم أننا (المجاهدين) قد أقسمنا اليمين بأن نموت جميعاً واحداً واحداً ولن نستسلم، بينما أنا شخصياً كعمر المختار لم ولن تحدثني نفسي في أي فترة ماضية من الزمن أو حاضرة، بأن أحضر عندكم بمحض إرادتي أطلب الاستسلام، وهذا حقيقة لا يتطرق لها أدني شك.
غراتسياني: لو كنا يا عمر قد تعرفنا على بعض في فترة ماضية من الزمن وبحكم الخبرة العملية التي اكتسبتها على مر الزمن، هذه الخبرة التي جعلتني أتعرف عليكم حق المعرفة، أقول هل كان بالإمكان الوصول إلى تفاهم والعمل لصالح السلم عند تلك الحقبة من الزمن.
سِيدي عمر: ولماذا لا تعتبر وكأن تلك الفترة كأنها تولد اليوم؟!
غراتسياني: إن الوقت متأخر بالنسبة لليوم والفرصة لم تعد مواتية.
ويعتقد غراتسياني أن سِيدي عمر بما قاله من قول لين، بشأن الاستعداد للصلح، يلمح إلى استعداده للتعاون معه على جعل المجاهدين في الجبل الأخضر يستسلمون، بشرط أن يُفك أسره. إلا أن غراتسياني تشفياً فيه يرفض عرضه. لكن هذا الاعتقاد لا يتساوق مع شخصية شيخ المجاهدين، الذي تؤكد سيرته الجهادية على رفضه الاستسلام للعدو. صحيح أنه قبل بالهدنة والتفاوض حول صلح مرحلي، لكن وفق شروط وطنية صارمة تحافظ على سلاح المقاومة. وإذا ما صدق أنه أبدى، في حديثه مع غراتسياني، شيئا من اللين والقبول بالتفاهم مع أسيريه، فإنه لا يعدو أن يكون نوعاً من المناورة من قائد عسكري، ربما فكر في فك أسره من طريقة المهادنة الوقتية. مع الأخذ بالاعتبار أن المترجم الليبي عميل للمستعمر وبرتبة كابتن أيضا، مما يجعله غير أمين في ترجمته لأقوال سِيدي عمر.
وفي هذه الأثناء أخرج غراتسياني من درج مكتبه نظارات سِيدي عمر التي سقطت منه في إحدى المعارك.
غرسياني : هل تعرف هذه النظارات؟!

سِيدي عمر : نعم هذه نظاراتي . كنتُ قد فقدتها في معركة ( وادي السانية ).
غراتسياني: منذ ذلك اليوم الذي عُثر فيه على نظاراتك يا عمر كنتُ متأكدا بأنك لا بد وأن تقع أسيراً عندي لا محالة. سِيدي عمر : مكتوب!.. ألا تعيد لي النظارات، لأن نظري أصبح ضعيفا بدونها؟!
ثم يستدرك وقد أدرك بحكمته المتهكمة أنه ما من نفع لها: ما دمتُ أنا والنظارات أصبحنا بين يدك فأني لا أرى فائدة أو جدوى من وراء طلب إعادتها إلي..
وهنا يهاجم الجنرال الفاشيستي الشيخ المجاهد في عقيدته، ويتهكم عليها، قائلا:
ـ اسمع يا عمر المختار! لقد تعرفت على الكثيرين من قادة العصيان، الذين حاربوا وخاضوا المعارك، سواء منهم من هرب وترك الكفاح المسلح لينجو بنفسه، أو منهم من قُتل في المعارك. ولم يبق منهم أحد على قيد الحياة، خاصة أولئك الذين وقعوا بين يديّ. وإني أستغرب يا عمر المختار كيف وأنت الرجل الذي لا يقهر، الذي لا يلين بسهولة، والمتمتع بحماية الله ربك، تقع بين يديّ؟! لذلك فإني أرى العكس لكل هذه المميزات التي كنتَ تتمتع بها، فها أنتَ بين يديّ. وما دام الأمر كذلك، لماذا لا يكون من حقي أنا اعتبار نفسي ممن منحهم الله الحماية والوقاية.
فرد عليه بتعبير المؤمن المُحقِّر لكل متعاظم:
ـ الله كبير وعظيم.

غراتسياني:
ـ يبدو ليّ أنه خلال تجربتي التي عشتها قد لمست أني محق في اعتقادي، إذ أقول بأن عمر المختار كان قويا حقاً. وإذ أهنئك يا عمر أرجو أن تكون هكذا أمام أي طارئ ( يلمح هنا إلى مواجهته لحكم الإعدام) وفي كل الظروف.
سِيدي عمر: إن شاء الله.
ويدعي غراتسياني أن سِيدي عمر أراد أن يمد يده ليسلم عليه لكن القيود منعته. ويعقب على ذلك بروح من التشفي الحقود، قائلا: على العموم فإني لم ألمس له يداً ولن أفعل ذلك حتى ولو كان بالإمكان. ثم يضيف: وهكذا انصرف عمر المختار يجر رجليه ببطء مثلما دخل عندي بادئ الأمر.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، 18 مارس 2010م .


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة الحلقة الخامسة الحلقة السادسة
الحلقة السادبعة الحلقة الثامنة الحلقة التاسعة الحلقة العاشرة الحلقة 11 الحلقة 12
الحلقة 13 الحلقة 14 الحلقة 15 الحلقة 16 الحلقة 17 الحلقة 18
الحلقة 19

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home