Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 28 December, 2006

الخطر الأكبر الداهـم(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

منذ مؤامرة سايس ـ بيكو الناجزة، لم تواجه الأمة العربية خطرا ممزِّقا لهويتها الممزَّقة، ومقسِّما لوضعها المقسَّم، مثل الذي تواجهه اليوم، بعد حوالي ثلاث سنوات على غزوة كاوبوي تكساس للعراق!.
إن غزوة بوش الثاني للعراق لا تخرج عن كونها إعادة تمثيل أمريكي للحملات الصليبية القديمة بأساليب حديثة!

ومنتشرون هم المبشرون الإنجيليون، في العراق، بهدف تحويل المسلمين إلى إنجيليين. وهم لا يجدون غضاضة في توزيع نسخ من كتاب التوراة، غلافه بلون ملابس المارينز!.
وليس ذلك بغريب. فبوش، بعظمة لسانه، يعتبر نفسه:"كليم الرب". والمسيح فيلسوفه الخاص. وحربه على العراق إنما هي تنفيذ لإرادة الله. وهو مهووس خرافي بمعركة "هرمجدون". وهرمجدون اسم جبل بفلسطين، يؤمن المسيحيون المتصهينون بأنه سيكون موقع المعركة الحاسمة للقضاء على المسلمين. ومن ثم قيام إسرائيل الكبرى. ليس محبة في اليهود، وإنما كشرط لابد منه لمجيء المسيح المنتظر، الذي سيقضي على كل اليهود الذين سيرفضون الإيمان به!.

وهذا التصور الخرافي يؤمن به أكثر من نصف الأمريكيين. وعلى رأسهم بوش "الحاكم بأمر الرب". وقد كشفت صحيفة "لونويل أوبسرفاتور" الفرنسية، قبل نحو ثلاث سنوات، أن بوش اتصل بالرئيس الفرنسي في محاولة أخيرة لإقناعه بعدالة غزوه للعراق، قائلا:"اسمع يا صديقي الرئيس: لقد أخذتُ على عاتقي تخليص العالم من الدول المارقة والشريرة وسأعمل على خوض معركة هرمجدون بكل ما أوتيت من قوة، من أجل القضاء على غوغ وماغوغ...."!.

حار شيراك في تفسير معنى "غوغ وماغوغ". فسأل أحد مستشاريه، الذي اعلمه، بعد البحث، أن الإنجيليين من جماعة بوش، يؤمنون أن غوغ وماغوغ ـ ياجوج وماجوج ـ الواردان في سفر حزقيال التوراتي، شريران سيظهران في بابل، ويجمعان كل قوى الشر لتدمير إسرائيل. وفتش هنا عن صدام، الذي أعاد ترميم بابل القديمة!.

وهكذا شن بوش الثاني، "المسيحي المولود ثانية" Born Again Christians، حربه المدمرة على العراق، باسم القضاء على "قوى الشر". ولم تكن نظرية"الفوضى البناءة" إلا ترجمة عصرية لمفهوم الفوضى الكونية التي تترتب على معركة هرمجدون والقضاء على المسلمين. ثم يعقبها مرحلة بناء العالم الجديد في صورة قيامة إسرائيل وإعادة بناء الهيكل!

وعلى خلفية هذا الخبل المسيحي المتصهين، جعل بوش من العراق أرض خراب وفوضى ودماء. وأنتج فتنة طائفية دموية. تحولت إلى وباء مرشح للتفشي إلى بقية ديار العرب والمسلمين!.

وهنا مصدر الخطر الأكبر، الذي لم يواجه مثله العرب والمسلمون، منذ الفتنة الكبرى. مع ملاحظة أن تلك الفتنة القديمة حدثت في غياب أي فرز طائفي. إذ لم يكن الفقه الشيعي، وحتى السني، قد تأسسا بعد!

إن الحرب الطائفية، بين السنة والشيعة، في العراق، قائمة على أبشع أشكالها الهمجية. وبغض النظر عمن قتل أكثر من الآخر، ومن منهم كان أبشع في التقتيل، فإن المسؤول الأول عن الحرب الطائفية، هم الشيعة. ليس لأنهم شيعة طائفيا، إنما لأنهم يحكمون العراق على أنه غنيمة موالاتهم للغزاة الانجلو أمريكيين. ولأنهم يتحكمون، رغم هيمنة الغزاة، في وزارة الدفاع والداخلية، اللتين حولوهما إلى وزارتين طائفتين. وجندوا لهما مئات ألوف المسلحين، الموالين لأحزابهم وتنظيماتهم الشيعية على حساب الولاء للعراق ـ الوطن!

وما يزيد بلاء الفتنة بلاوي، أن الأنظمة، التابعة للإرادة الأمريكية، التي صمتت على غزو العراق وتدميره، تتجه، الآن، إلى اللعب السياسي بورقة الفتنة المذهبية المرعبة. فمثلا، يُكثر الملك الأردني ومبارك المصري من الحديث عن خطر الهلال الشيعي ـ الإيراني الماثل، ويسكتان تماما عن الخطر الصهيو أمريكي الواقع. وحسب صحيفة نيويورك تايمز، نقلا عن مصدر أمريكي موثق، فإن الملك السعودي حذر ديك تشيني، أثناء زيارة الأخير الخاطفة للرياض، يوم25 نوفمبر 2006، من أن السعودية قد تدعم سنة العراق في حال انسحاب القوات الأمريكية من هناك. على أن يكون دعمها وتدخلها لصالح القبائل والعشائر السنة، وليس أتباع القاعدة!.

كما تحدثت صحف أمريكية عن أن الملك الأردني أبدى أمام الرئيس بوش، أثناء زيارة الأخير لعمان، يوم 29 نوفمبر2006، تخوفه الشديد من انسحاب أمريكي قريب من العراق، وبالتالي اضطرار الأردن للتدخل دعما للسنة!.

وطبعا لا السعوديون ولا الأردنيون ولا المصريون مهتمون أصلا وفصلا بحماية السنة. فهاهم سنة فلسطين يُبادون، منذ عشرات السنوات، على يد الصهيونازيين، دون أن يحركوا ساكناً!.

تحذير "آل سعود" وتخوف "الهاشميين"، مصدره الخشية على مصير أنظمتهم في حال انسحاب أمريكا من العراق في وقت قريب. إذ عندها، قد، تنتصر المقاومة الإسلامية السنية في العراق نصرا مبينا. مما يشكل خطرا مباشرا على أنظمة "عرب أمريكا"!.

لذلك نجدهم، من منطلق درء الخطر على أنظمتهم، وتبرير تبعيتهم للهيمنة الأمريكية، مستعدين للعب حتى بورقة الفتنة المذهبية، والنفخ في أحداثها الجارية في العراق، واختلاق حالة صراع متوهم لإلهاء شعوبهم، بالحديث عن الخطر الشيعي الإيراني ـ الفارسي ـ المجوسي القادم للسيطرة على العرب وتشييع السنة. وهو ما يبدو، في نظرهم، أكثر خطورة، عليهم، من الصهيونية!.

ولنتذكر كيف بررت الأنظمة العربية تبعيتها للسياسة الأمريكية، أثناء الحرب الباردة، بأنه تحالف إيماني لمحاربة الاتحاد السوفيتي الملحد. واليوم، وقد أصبح الإسلام، شيوعية القرن الواحد والعشرين، فإن مركز العدو، في نظر الغرب، تزحزح من موسكو إلى طهران. ومن هنا تعمل الولايات المتحدة على استخدام العرب في صيغة "حلف معتدلين" لإعادة إنتاج "حلف بغداد" القديم، بتوجهات جديدة، في مواجهة إيران!.

والمطلوب من "حلف المعتدلين العرب" هذا، علاوة على مواجهة إيران، مواجهة حزب الله اللبناني، الذي يعدونه، حزبا إيرانيا في لبنان، يشكل امتدادا للهيمنة الإيرانية الشيعية، دون أي اعتبار لعروبة أهل جنوب لبنان القحة، ومقاومتهم الأسطورية من أجل أهل فلسطين العرب السنة، ومن أجل الأمة!.

ومطلوب من حلف "المعتدلين العرب" أن يضعوا المقاومة العراقية السنية في سلة واحدة مع القاعدة. والاشتراك مع الأمريكيين والإسرائيليين والأوسلويين في محاصرة حماس، والعمل على إسقاط حكومتها، باعتبارها، حتى وأن كانت سنية المذهب، ترتبط، وثيقا، مع حزب الله، بالمحور الإيراني ـ السوري!

ومن الواضح، لي على الأقل، أن العراق منزلق أبعد فأبعد في الفوضى والاحتراب المذهبي. وليس من نجاة أمام الأمريكيين في عراق الخراب والفوضى إلا الهروب منه. أي اعتماد الحل الميكيافيلي، الذي يرى أصحابه، في انسحاب القوات الأمريكية من العراق:"فرصة فريدة لإيقاع العالم الإسلامي في فخ حرب أخوية تشغل القوات الإسلامية لسنوات طويلة مقبلة ان لم يكن لعقود. فإذا ما اختارت الولايات المتحدة فعلاً سحب جنودها من العراق، وأدت هذه العملية لتعريض السنة فيه للخطر، لن يكون أمام المملكة العربية السعودية عندئذ إلا خيار التدخل لتبدأ بعد ذلك حرب سنية - شيعية لا يعلم احد متى تنتهي..." حسب ما جاء في مقال المحلل السياسي اللبناني، كلود صالحاني، في الواشنطن تايمز.

وهكذا بدلا من أن يبادر الحكام العرب إلى التفاهم مع حكام إيران على تطويق الفتنة الطائفية، وصياغة رؤية إسلامية مشتركة لحل يخدم مصالح العرب والمسلمين، في العراق والمنطقة، نجدهم:"شيعة إيران" و"عرب أمريكا"، يمضون في استعمال معطيات الكارثة العراقية بما يخدم مصالحهم الخاصة. الإيرانيون يدعمون شيعة العراق لإفشال المشروع الأمريكي، وترسيخ نفوذهم في الجنوب العراقي. وحكام "عرب أمريكا" ماضون في إتباع تعليمات عظيم الروم الجدد!.

والشاهد أن العرب، في جوار العراق تحديدا، معرضون لحروب أهلية ـ مذهبية طاحنة، بسبب ما جناه الغزاة الفرنجة على العراق من فوضى وخراب. وبسبب ما جنته أنظمة الاستبداد والتبعية على شعوبها من ذل وفساد!.

وليس أمام الشعوب العربية، وشبيبتها بالدرجة الأولى، لوقف الخطر الداهم، إلا رفضها الانسياق، وراء خطاب الفتنة المذهبية، الذي بات منتشرا بكثافة في وسائل إعلام مختلفة: فضائيات، ومنابر دينية، ومحافل خاصة، ومواقع إلكترونية، وغرف دردشة. والتمسك بالخطاب العقلاني في تحديد المواقف السياسية على أساس سياسي بحت. فأنا ضد الائتلاف العراقي الحاكم في العراق ليس لأنه ائتلاف شيعي وإنما كونه عميلا للمحتل. وأفهم أن سنة العراق يحتاجون للدعم من العرب، ولكن ليس لأنهم سنة ضد شيعة، وإنما كونهم عماد مقاومة المحتلين. وفي الوقت نفسه أقف في صف حزب الله "الشيعي" لأنه حركة مقاومة، وأقف على ضد من آل الحريري الذين يستعملون النزعة السنية للتغطية على تبعيتهم لآل سعود، وإدراجهم للبنان تحت الوصاية الأمريكية. وأقف مع إيران في مواجهتها لأمريكا وإسرائيل. ومع قنبلتها النووية، إذا تحققت، لأنها تحقق رادع رعب إسلاميا للرعب الصهيو أمريكي. وهى لن تهدد بأي حال مجتمعات إسلامية. وبالمقابل أقف ضد مشروع إيران الصفوي في جنوب العراق. لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول، ذلك كله، وبأي حال، إلى صراع مذهبي: سني ـ شيعي!.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 28 ديسمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home