Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 28 September, 2006

الزعـيم عـمر المختار
في ذكرى استشهاده الخامسة والسبعـين
(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

بعد خمس وسبعين سنة على تقديم «سي عمر» لروحه الطاهرة، فداء لعزة دينه، وحرية بلاده، نستمر، نحن، الليبيين، في خيانة دمه، لم تكن ليبياه المرادة، هي التي ركبها الانجليز، بعد الحرب العالمية الثانية، ليسيطروا على إرادتها السياسية ومقدراتها الوطنية. وكان آخر ما يمكن أن يتصوره هو أن تحكم ليبياه الفاشية العسكرية.

فبعد عشرين سنة على استشهاد سيد الجهاد، آل حكم البلاد إلى ملك، ثم ملازم أول. كان الملك شيخا عجوزا، ورعا، زاهدا في السلطة، أقام حكمه، لمدة 18 سنة ـ1951ـ1969ـ على أسس ديمقراطية برلمانية لم يكن لها، وقتها، مثيل في المنطقة العربية، باستثناء ديمقراطية التوافق الطائفي في لبنان!

ثم تم استيلاء العسكرعلى السلطة، في سبتمبر 69 وما حدث إثرها من تمزيق للدستور وإحالة البلاد إلى ثكنة «عظمى»!

طوال ثلاثة أرباع قرن، منذ استشهاد سيد البلاد الحقيقي، وشيخ مجاهديها، والمؤرخون الإنشائيون، وشعراء الفصحى والعامية، ومغنو الأناشيد الوطنية، يتناولون، في المناسبات العابرة، شخصية «سي عمر»، تجربة ورمزا، في رطانة عاطفية نستالوجية مجترة. فلم يحتضن الليبيون ـ بعد ـ سيد مقاومتهم الأسطورية، المنسوجة من الوقائع على مسرح الواقع، كما يليق به، مصداقا لما يليق بما أراده لشعبه وبلاده.أي بما يليق بهم بحسبانه هو هم!

لم يكن «سي عمر» ليتوهم أن بوسع المجاهدين، بأسلحتهم البسيطة، دحر الغزاة عن أرض الوطن. لكنه كان مدركا بوضوح جلي ألا مفر أمام الليبيين إلا مجاهدة الغزاة، جيلا بعد جيل. وهو ما عبر عنه، بالوضوح الجلي نفسه، عندما وقع في الأسر. إذ سأله الجنرال غراسياني: هل كان لديك أي أمل في أنك سوف تستطيع إخراجنا من برقة بهذا العدد القليل من الرجال الذين يحاربون معك، وتلك المعدات الضئيلة التي تملكها؟! أجابه شيخ المقاومة بهدوء: كلا، فإن هذا، على ما يبدو، كان أمرا مستحيلا. سأله غراسياني: ماذا كان غرضك إذن، وماذا كنتَ تبغي؟! رد «سي عمر» قاطعا الجدل: كنتُ مجاهدا وكفى.

ليس هناك أبلغ في تفسير معنى الجهاد إلا أن تكون مجاهدا وكفى!! لأن الجهاد ليس خيارا، إنما هو موقف مبدئي، والتزام أخلاقي، قبل أن يكون فرضا دينيا. ومنطق «الجهاد وكفى»، الذي يعنيه شيخ المجاهدين، قائم على منطق الحق في مقاومته لكل عدوان وظلم. ورفض الخضوع لمنطق حق القوة في الاعتداء والتسلط والطغيان، مهما امتلكت تلك القوة من قدرات عسكرية لا تقاس بقدرات المقاومة. إذ لو أن كل حركة مقاومة راعت قدرة عدوها العسكرية المتفوقة، لما قاوم المستضعفون، ولما هزم الفتناميون مستعمريهم مرتين: الفرنسيس في معركة ديان بيان فو العام 1954، والأمريكيين العام 1975، ولما حرر الجزائريون الجزائر، ولما هزم حزب الله حزب بني صهيون مرتين :2000 ـ 2006!

ولم يكن «سي عمر» يقصد من قوله إنه: «مجاهد وكفي»، أنه يقوم بمغامرة طائشة. وأن الجهاد، بعده، سينكفي، أو ينتهي، إنما كان يؤسس، ويؤصل للموقف الوطني التاريخي للفرد بإلزام نفسه بمجاهدة الظلم، أكان عدوانا استعماريا خارجيا، أو حكما استبداديا داخليا، على أن تكون المجاهدة فعلا تاريخيا مرحّلا من جيل إلى جيل.

وعندما سقط في الأسر كتب عدوه اللدود، الجنرال الفاشيبستي غراسياني، في مذكراته: «أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية في برقة وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين والآن وقع أسيراً في أيدينا....».

كَبَتْ به فرسه أثناء مناورة كر وفر في ميدان المعركة، فأحاط الجنود الفاشيست بالأسد العجوز مرتبكين، بينما كانت فرسه البيضاء لابثة في مكانها على الربوة التي كبت فيها تنظر إلى سِيدها بأسى. ويقال في بعض الروايات إن الجنود الفاشيست كادوا يطلقون عليه النار لو لم يتدخل أحد الليبيين العملاء في صفوفهم، صائحا باسم «الأسد»، وقد نسى دوره كعميل: «هذا سِيدي عمر ... سِيدي عمر.... سِيدي عمر...».

وحسب رواية سجانه، لم يُغضب سيد المقاومة شيئا، في أسره، إلا من أن الذي باح بهويته لأعدائه كان ليبيا، من بني جلدته، وإن لم يكن من طينة روحه. ولم يكن سبب غضبه أنه أوقعه في الأسر، إنما فكرة خيانة الليبي لوطنه ودينه. يقول سجانه الإيطالي أنه رآه، في زنزانته، ينهض من مكانه وهو يزمجر غاضباً كالأسد متأثراً بما حصل له.. بينما أخذ يتفوه ببعض العبارات يرددها قائلا «الكلب الكلب.. حتى عمر غدر به.. حتى عمر كان له يهوذا».

إنه «سي عمر» الذي سقطت منه نظارته، قبل أسره بعام، في إحدى المعارك، فحملوها إلى غراسياني، الذي نظر إليها قائلا: «الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما». وبعدما قابله غراسياني، بعد القبض عليه، أظهر له نظارته. فقال «سي عمر»: «وما الفائدة منها الآن، وهي وصاحبها بين يديك».

في سجنه، قبل إعدامه بيومين، تحدث سجانه، بعد أكثر من نصف قرن على استشهاده، متأثرا بمشاهدة فليم عمر المختار، عن سيد الجهاد، قائلا: "كان شيخاً متوسط الطول عنيدا عيناه تشعان ببريق الدهاء والحيلة، ويبدو منظره كطائر جارح بسبب التقوس الذي يبدو في ظهره، بالاضافة إلى عمق التقاطيع التي تمتد من أعلى جبهته لتستمر فوق حاجبيه ثم تنحدر إلى أسفل حيث تتقاطع عند فمه ثم تتوارى عند ذقنه تحت لحيته البيضاء القصيرة، أما لون بشرته فإنه كان يميل إلى اللون الأسمر، ويستطيع المرء أن يدرك مدى ما يتميز به عمر المختار من سمو وطموح بالإضافة إلى عزة النفس عن قرب، حيث إن تلك الصفات جميعا لا تنفي مدى ما يتصف به من نبل ووجاهة"!!

وقد سأله: "كيف استطعت أنت ورفاقك البقاء على قيد الحياة طويلا دون حماية وتموين؟ فأجابه وهو يهز رأسه قائلا: نحن البدو مثل عصافير السماء التي تجد ما تأكله في المكان الذي يخيل إليك أنه يخلو من الطعام.

وفي فجر يوم اعدامه ألقى «سي عمر»، حسب رواية سجانه، نظرة إلى الخارج، فرأى بزوغ الصبح قريبا، حسبما قال لسجانه، وهو يتململ في مكانه، وأضاف: إن بزوغ النهار يكون طريا منعشا مثل صوت شابة تغني على البئر، ثم يكون توالي النهار فيما بعد باعثا على السأم والملل مثل سير خطوات الجمل البطيئة.. أو حارق مثل حدوة الحصان الذي يركض مسرعا، وأخيرا يأتي المساء وهو مثل لون الرماد.. إن الحياة مثل تعاقب النهار، شعارها فعل وإرادة يكونان معا شيئا مهما في حياة الإنسان، ثم يتدخل القدر فيما بعد ليدل على مصير حياة الإنسان.. إن حتمية النهاية أو المكتوب «المقدر» بالنسبة للإنسان تأتي تلقائيا مثل نافورة مياه أو مسجد في الصحراء عندما تصل إليهما تجد نفسك تعبان وبالتالي غير قادر على مواصلة السير، فتبقى تنتظر بجوارهما حلول المساء أو بمعنى آخر النهاية أو المصير، فأنت كما ترى أن حياتي قد رسمت مسيرتها منذ الولادة حتى النهاية، فحياتي ليست مثل حياة أولئك الشبان تبدأ مع شهر رمضان ولكنها كانت قد بدأت قبل ذلك، فأنا ولدت لأقود الآخرين ولأفهم ما جاء به القرآن الكريم من معان، بينما البعض الآخر يكتفي بتعلم قراءته فقط!

ويمضي السجان في وصف لحظات سجينه الأخيرة: قام عمر بخلع جرده عن كتفه، وبينما انهمك ليفترشه فوق حصيرة الديس استعدادا للنوم خرجت لأقوم بالدورية الليلية المعتادة ممتطيا صهوة حصاني وذلك للتأكد من أن كل شيء يدور حول المعسكر على ما يرام، وما إن رجعت إلى عمر بعد أن تأكدت من الهدوء الذي كان يحيط بالمعسكر حتى وجدته مستغرقا في النوم، بينما مازال رفاقه لم يعرفوا بعد المكان الذي كان يعتقد أن المختار لم يقبض عليه، بل تائه لم يستطع الوصول إليهم بسبب الجروح التي أصيب بها.

على منصة الإعدام وبعدما وضع الجلاد حبل الموت حول عنقه، ردد سيد الجهاد بإيمان المخضرم: «يا أيتها النفس المُطمَئنّة ارجعي إلى ربك رَاضِية مَرّضِيّة»، وكانت نفسه مُطمَئنّة إلى نفسها، وراضية عنها، بعدما وفى وكفى واجبه الجهادي. ويقول سجانه إنه سمع أسد برقة يقول بازدراء ومن دون مبالاة للجنود الطليان المحيطين به: هكذا أنتم أيها التعساء.. ليس لديكم على الأقل رصاصتين تقتلوني بهما!

كان «سي عمر» بحق: «أسطورة الزمان»، كما وصفه عدوه الفاشيستي الجنرال غراسياني. وكان، بلغة الواقع: ذلك الشيخ السبعيني المهيب، شكلا ومضمونا، بلحيته البيضاء، التي تجلل وجهه الصارم على مسحة نبالة بدوية معتقة. عينان غائرتان، راكزتان كعيني صقر حر رابض في الأعالي. وجسم مربوع، لا هو بائن الطول، ولا ملحوظ القصر. ومنكبان عريضان يعكسان قوته وصلابته. أليس هو رأس القوم؟!! وجبهة أسد خرطتها تجاعيد التجارب. أليس هو جبهة القوم؟!!

كان سيد البياض: لحيته بيضاء. فرسه بيضاء، ونظارته الطبية، بإطارها الفضي الأبيض، وجرده الأبيض، ولباسه الوطني الأبيض. وقبل كل شيء وفوق كل شيء قلبه الأبيض الأطيب من بياض قشدة اللباء!! إنه سيد البياض، بمعناه الإنساني والوطني، لأنه أوقف حياته على خدمة ابناء شعبه، وقيادة جهادهم. لم يتسلط عليهم، ولا أثرى على حسابهم. ولم تكن له، أو لأهله وأقاربه امتيازات خاصة. كان فقيرا مثلهم، وبسيطا مثلهم.

إنه سيدي عمر، ببندقيته المحشوة بالبارود والقرآن الكريم، الصارم كرصاصة في قلب الغازي، والبسيط كالسلام عليكم، الطالعة من قاع القلب. الصوفي بسجية البدوي. فهو لم يكن شيخ دين زاهد معكتفا في زوايته. كان ليبياَ بدويا، كامل المواصفات. عاش بين شعبه. مع الناس وبالناس وللناس. يأكل ما يأكلون، ومثلهم رعى وحرث وبذر وحصد، وغنى بـ«العلم»!!

والحال إذا أراد ليبيو اليوم لأنفسهم ولليبيا المستقبل ما أراده لهم ولها رمزهم ورمزها، بروحه المجبولة من روح ليبيا، ليس أمامهم إلا التكفير عن خيانتهم لدمه وطلب مرضاته بأن يتمثلوا تجربته في مقاومتهم الفاشي المحلي كما كان في مقاومته للفاشي الأجنبي!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 28 سبتمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home