Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الثلاثاء 28 سبتمبر 2010

سقى الله استبداد المماليك..
متى نرى البلاد العربية متحررة من طبائع الاستبداد؟


فرج بوالعَـشّة

قد يعزو البعض فشل النهضة العربية وإمعان النظام العربي الرسمي في طبائع استبداده الشرقي، إلى وجود السرطان الكولونيالي ـ الامبريالي في صورته الصهيونازية الذي زرعته بريطانيا ثم رعته الولايات المتحدة الأمريكية ونمته حتى صار وحشاً نووياً مستقلا بذاته، بل متحكماً بالسياسة الأمريكية الخارجية في ما يتصل بالشرق الأوسط.؟!.. وفي رأي أن وجود إسرائيل، وفي سياق الصراع التاريخي معها الذي لم ينقطع منذ نشأتها، مثّل ولا يزال وخزاً مستديماً مؤلماً في الوعي التاريخي للعرب من جهة، ومُحفِّزاً على طلب أسباب القوة (الصلبة/الناعمة) لمحاربة مشروعه الصهيوني من جهة أخرى. وطلب أسباب القوة (الصلبة/الناعمة) يشترط استحقاق ضرورات النهضة في مجمل سياقاتها: التنوير الفكري العقلاني، التقدم العلمي، التطور الاقتصادي. وفي مركز هذه الاستحقاقات استحقاق الدولة الديمقراطية. وهي الضرورات النهضوية التي، وإن لم تُنجز استحقاقاتها بالتمام، لا تزال ضغوطاتها تواصل تجذير أسئلتها التنويرية وتفعيل حركيتها التغييرية، رغم محدودية قدرتها المجتمعية (عواما ونخبا) على تحقيق الخلاص التام من أنظمة الاستبداد وطبائعه كمقدمة تاريخية تأسيسية للدولة الديموقراطية.

ولكن ماذا لو لم تكن إسرائيل منوجدة بقوة الغرب في وجود أنظمة عرب الاستبداد والتبعية؟! ـ ربما كانت وضعية النهضة العربية، التي انبثقت مع إصلاحات محمد على وتألقت مع مشروع القومي التحرري بقيادة عبد الناصر، أكثر فعالية وأعمق تنويرا، وأسرع تحولا. إذ أن مواجهة الوجود الصهيوني استنزفت طاقات الشعوب العربية ومقدراتها وإمكانياتها، وتحديداً، في الحواضر النهضوية: (مصر، سوريا، لبنان، فلسطين والعراق) وأُستخدمت مبررا لترسيخ حكم الاستبداد وإدامته، بأشكال أنظمة الحكم العربية المختلفة: ملكية أميرية سلطانية أو جمهورية أو جماهيرية. لكن، وبغض النظر عن مسألة إنوجاد إسرائيل من عدمها، فإن المعوّق المركزي لاستحقاق العرب نهضتهم الحداثانية، كبقية معظم أمم الأرض، كان ولايزال كامناً في قصورهم عن حسم معركتهم نهائيا مع طغاتهم. إن الشعوب العربية، عامة ونخباً، غير المنخرطين في مشروع الأصولية الهسترية، يدركون، بوعي سياسي نافذ، أن طغاتهم متسلسلي الاستبداد هم أصل الداء الذي أجهض نهضة الرواد العُظام. كما أنهم، بخنوعهم المهين للقوى الأجنبية (بريطانية ـ فرنسية، ثم أمريكية) كانوا العامل الجيوسياسي المركزي وراء ترسيخ دولة إسرائيل التي كان من الممكن التخلص من مشروعها الصهيوني مبكراً عند قيام دولته لو كانت شعوب الطوق حول فلسطين حينها ممسكة بزمام أمرها التحرري. وهم، الكغاة العرب متسلسلو الاستبداد والتبعية، الذين عملوا كل ما يقدرون عليه، بالتنسيق مع سيدهم الفرنجي، على أجهاض مشروع عبد الناصر القومي التحرري النهضوي وما ضخه من فعالية قومية نهضوية متصلة بنهضة الرواد الأوائل، حتى تحقق لهم ما أرادوا في هزيمة يونيو 67، دون إعفاء ناصر من مسؤوليته. وهكذا مع السادات، الذي أل حكم مصر إليه، بعد وفاة قائد الأمة في اليوم التالي على إيقافه لحرب "الملك الهاشمي" على المقاومة الفلسطينية، سرعان ما دخلت المنطقة في "الحقبة السعودية" المنفوطة، وما أدراك ما "الحقبة السعودية" وبترودولاراتها. ورغم نصر أكتوبر العسكري الباهر وإن كان جزئيا، سلّم السادات بأن تسعة وتسعين في المائة من أوراق الحل بيد أمريكا التي هي بيد إسرائيل، لينتهي به الأمر إلى الهبوط مُسالماً في مضارب بني صهيون.

واليوم بعد مرور قرابة ثلاثين عاما على تسلم حسني مبارك تحولت المحروسة، التي كانت في عهد ناصرها (حبيب الملايين) عاصمة الممانعة القومية والريادة النهضوية، الى دولة أمن مركزي (تضاعفت ميزانية وزارة الداخلية من 300 مليون جنيه العام 1981 إلى أكثر عشر مليار جنيه العام 2006، بينما أُخفضت ميزانية التعليم من %5.5 إلى %3.4) يديرها لواء طيار سابق، قزّم دور مصر القومي القيادي في نطاق أدائي وظيفي لموجبات الاستراتيجية الأمريكية للهيمنة على حاضر العرب ومستقبلهم. وهي الموجبات التي اقتضت ابتكار ما يسمى بـ"محور المعتدلين العرب" المراهن عليه أمريكياً، وإسرائيليا بالضرورة. أي "محور الساداتيين" المسلمين بالتسعة والتسعين في المائة من أوراق الحل والربط بيد أمريكا. إلا أن طغاة "محور الاعتدال" وجدوا أنفسهم يواجهون قوى ممناعة ومقاومة عربية مضاف إليها قوة إيران الإسلامية، وإليها عودة تركيا، قادة وشعبا، بروح عثمانية للعب دورها التاريخي القيادي في لمنطقة. وهم (طغاة محور الاعتدال) خاب رهانهم على حرب إسرائيل للقضاء على حزب الله وعلى حربها الفسفورية للقضاء على حماس. ولم يكن رهانهم صامتا، بل كان صاخباً في تواطئه المفضوح مع عدو الأمة من خلال تبريرهم المعلن للعدوان الإسرائيلي وتحميلهم المسؤولية لقوى المقاومة في لبنان وفلسطين، وإشهارهم العداء لسوريا، وإظهارهم لإيران خطراً على العرب أكثر من إسرائيل. ورغم خيبة رهاناتم على التخلص من حزب الله وحماس ومحاصرة سوريا وضرب إيران، فإنهم ما زالوا ماضين في إمتثالهم لرغبات السياسة الأمريكية وأداء الأدوار المناطة بهم في تنفيذ أجندتها، بخصوص تسوية القضية الفلسطينية من طريق المفاوضات ورفض حق الفلسطنيين في المقاومة. وترك العراق للذئاب على رأي طارق عزيز. وتبني تحالف قوى 14 أذار الجامع بين آل الحريري وسنته (برعاية وهابية منفوطة) ومعهم مخلفات المارونية السياسية الإنعزالية، لمواجهة حزب الله وحلفائه الوطنيين وأبرزهم التيار الوطني الحر. والاشتغال المخابراتي، بالشراكة بين مخابرات محور الاعتدال والسي آي أيه، على إشاعة مناخ إعلامي من الفتنة المذهبية: السنية/ الشيعية، لخلق مناخ من العداء المذهبي الغوغائي الُعصابي عند الشعوب العربية السنية ضد الفرس الشيعة، كتغطية لتبرير إنخراط دول "محور الاعتدال" في المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي لضرب إيران عسكريا. ويمثل "محور الاعتدال" الدول العربية التي رفضت حضور قمة غزة في الدوحة. وترتكز قيادته على النظام المصري والسعودي وإليهما النظام الأردني باعتبار خصوصية موقعه الجيوبولتيكي ودوره السياسي الوظيفي القديم ـ الجديد، في إطار علاقته القديمة ـ الجديدة مع المهيمن الأمريكي وابن العم اليهودي، في التعامل مع القضية الفلسطينية لا سيما بعد اتفاقية "وادي عرفة" ثم وقد أصبح عباس حاكم المقاطعة... والحال أن حال الأمة ما كان ليكون على هذا النحو من الهوان المهين لو كانت شعوبها متحررة من طغاتها العرب المستنسخين في صور سفيهة عن معاوية، مع الاعتذار لمعاوية فقد كان مستبداً عظيماً يقود إمبراطورية متعاظمة في نشوئها المطرد، علاوة على أن معطيات عصره التاريخية لم تكن تطلب منه إلا أن يكون على نحو صورته التي كان عليه. أما طغاة العرب اليوم فهم فضيحة شعوبهم الخانعة التي كأنها لم تغادر "مقدمة ابن خلدون". والخلاصة: هل من المحتمل أن نحتفل في إحدى السنوات القريبة القادمة بمئوية وفاة النهضوي السوري، عبد الرحمن الكواكبي العظيم، كما يليق بذكراه في بلاد عربية متحررة من طبائع الاستبداد، وتكون مصر الديموقراطية الحقانية الأولى المحتفى بها. ليس فقط لأن الكواكبي عاش ومات فيها، إنما لأن لا ديموقراطية عربية حقيقية بدون مصر. مع وجوب تقديم فروض التقدير والاحترام للشعب الموريتاني الذي أجبر العسكريين في محاولتين إنقلابتين على صياغة النظام السياسي وفق آليات ديموقراطية تلبي إرادته الشعبية. أما الديموقراطية اللبنانية فإنها تبقى، للآسف، رغم حيوية شعبها النهضوي الخلاق مشوهة بأمراضها الطائفوية.... فلنتظر إذن مصر ما بعد حسني مبارك. فإذا آل حكمها إلى وريثه المشاع جمال مبارك تكون السفاهة الطغيانية العربية قد تفوقت على نفسها. ويصبح من المنطقي أن يرث ابن الكولونيل الأخضر حكم المزرعة الجماهيرية ، ويواصل ابن عقيد اليمن إصدارالتصريحات للطائرات الأمريكية بلا طيار واعتبار الحوثيين الذين هم من صميم الشعب اليمني غزاة أجانب تستدعي محاربتهم الاستعانة بجيش آل سعود، وينحصر احتمال وراثة حكم بن على لتونس في زوجته أو أخيها، ولا يملك عبد العزيز بوتفليقة في جعبة نسله سوى أخيه الذي لا يُعلم عنه شيئاً... فأي أمة هذه يستهلك مصيرها، بشعوبها وثرواتها ومقدارتها، طغاة مستبدين فاسدين من بني جلدتها... بحيث سقى الله استبداد المماليك، فهم على الأقل صدوا غزو المغول والتتار وهزموهم بحيث لم يجدوا مخرجا لهم للحضور في التاريخ إلا باعتناق الإسلام، وطهروا الشرق العربي نهائيا من الوجود الصليبي.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي ، 24 سبتمبر 2010م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home