Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 28 February, 2007

نحو نهـاية النظام الرئاسي!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

مع تكون الدولة العربية ـ الإسلامية، بعد العهد الراشدي، انزاح منهج الخلافة الشورية، وحل مكانها أسلوب الحكم الوراثي. فبات الخليفة سلطانا مطلقا، يحكم متوسلا بالسماء، ويستخلف ذريته من بعده. وقد دام الحال هذا ثلاثة عشر قرنا!
وصار تعظيم السلطان ـ الخليفة، على منابر الجوامع، وفي ديباجة الرسائل ومقدمات الكتب، يحاكي تعظيم الله. بحيث: "يصبح للعالم مركز سيطرة واحد لا يتزحزح. ويكون السلطان متفردا بسلطانه، لا ينازعه أحد، ولا يشاركه شريك، ولا يعارضه معارض، ولا يقف بجواره ندّ. يملك كل شيء، ويقدر على كل سيء، لا معقب على قراراته وأوامره... " على حد تعبير الدكتور حسن حنفي! ثم جاءت القوى الكولونيالة، ذات الأنظمة السياسية الديموقراطية البرلمانية (فرنسا وبريطانيا)، لتستعمر المجتمعات العربية. فبنت المباني الحديثة. ورصفت الطرق. ومدت السكك الحديدية. وأحضرت السيارات. وأنشأت الدوائر الحكومية والمدارس الحديثة.... وغير ذلك من مظاهر البنى العصرية، لغرض خدمة مشروعها الاستعماري بالطبع!
وللتلبية حاجتها إلى تنظيم سيطرتها على المجتمعات المستعمَرة، كوّنت منظومة سلطة سياسية ـ إدارية، تدير، بالنيابة عنها، الشؤون العامة للشعوب التي تحتلها. وهكذا استنسخت الدول الاستعمارية نظامها السياسي البرلماني في طبعات محلية ملائمة لمستعمراتها. فجعلت لها "دستورا" و"برلمانا" و"حكومة" و"قضاء" و"جيشا" و"شرطة" و"علما" و"نشيدا"... وقد وضعها بين مزدوجين لأنها كانت مجرد تسميات فضفاضة لمضامين مزيفة، تتوسل بها الدول الاستعمارية السيطرة على الشعوب المستعمرة، وإدامة هيمنتها، حتى عن بعدها!
ولأن الكولونيالية البريطانية ملكية الرأس، قامت بتغير النظام المصري الخديوي إلى نظام ملكي برلماني يحاكي النظام البريطاني في صورة كاريكاتورية. حتى أنها فتشت في صحراء جزيرة العرب عن شخصيات، تنسب نفسها إلى البيت، لتركّب منهم ملوكا على مستعمراتها "الملكية"، كما حدث في الأردن والعراق.. وسوريا لفترة قصيرة، قبل أن تؤول إلى المستعمر الفرنسي، ويحولها إلى نظام جمهوري. باعتبار فرنسا، سليلة الثورة التاريخية التي قضت على النظام الملكي!
في حقبة التحرر الوطني، وتصفية الاستعمار، بعد الحرب العالمية الثانية، نالت عديد الدول العربية استقلالها الوطني، الذي كان في معظم أشكاله شكليا!
وكان أن تفشت حقبة الانقلابات العسكرية، سواء بالانقلاب على أنظمة جمهورية لإحلال نظام جمهوري بآخر، أو بالقضاء نهائيا على أنظمة ملكية، كما في مصر والعراق وليبيا واليمن....
وكون هذا المقال غير معنى بطبيعة الأنظمة العربية الملكية أو السلطانية أو الأميرية القائمة، فأنني سأتوقف عند طبيعة الأنظمة الجمهورية الرئاسية، كما في مصر، والعراق، سوريا واليمن والجزائر، والسودان، وليبيا، التي لم يغير تغيير أسمها من جمهورية إلى جماهيرية شيئا من طبيعة حكم النظام الرئاسي، السائد عربيا!
من المعروف تاريخيا أن مفهوم النظام الرئاسي توّلد عن الثورة الأمريكية، التي اختار آباؤها المؤسسون النظام الرئاسي نظاما سياسيا لجمهوريتهم الوليدة، تعبيرا عن رفضهم لنظام مستعمرهم البريطاني الملكي!
وهكذا تولّدت دولة جديدة، غير معهودة، بنظام سياسي جديد غير معهود، في عالم جديد غير معهود. نظام رئاسي تكون فيه السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، الذي هو رئيس الحكومة، في الوقت نفسه. وكأنه ملك جمهوري. فهو من يرسم السياسية الداخلية والخارجية للدولة. وهو مسؤول أمام الشعب الذي انتخبه وليس أمام البرلمان. يختار وزرائه وكبار رجال إدارته بمناي عن البرلمان (الكونغرس). ويملك حق استخدام الفيتو، إذا أراد، ضد قرارات الكونغرس، الذي تتركز سلطته التشريعية في إقرار قوانين الضرائب والرسوم والعملة والمصادقة على الميزانية والاتفاقيات. وكذلك الموافقة أو الاعتراض على تعيينات الرئيس لوزرائه وكبار رجال الدولة. وكما يقتسم، أو قد يتنازع، مع الرئيس، قرار الحرب والسلام. وله الحق في محاكمة الرئيس في حال اقترافه جرائم كبرى!
إن الطغيان السياسي ليس طبيعة جوهرية لبنية النظام الرئاسي. فالنظام الرئاسي الأمريكي قائم على مرجعية دستورية عليا، تحفظ حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة. وتحكمه آليات ومؤسسات ديموقراطية صارمة. ووراؤه تاريخ طويل من الفكر السياسي، يمتد من أرسطو، إلى جيفرسون، محمول على تحولات تاريخية حضارية كبرى: اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، علميا، جعلت من الولايات الأمريكية "روما الجديدة" المتفردة، اقتصاديا وعسكريا، بالهيمنة على العالم!
أما مستنسخات النظام الرئاسي في العالم العربي، التي تتكئ على عيوب النظام الرئاسي وتضخمها، فهي مجرد مستحاثات لأنظمة لم تغادر معرفيا(إيبستمولوجيا)مقدمة ابن خلدون!
فمعظم أنظمة الرئاسة العربية تحكم اجتماعا سياسيا مشوها، اقتصاديا وطبقيا وثقافيا. حيث يتداخل الاقتصاد الزراعي بالتجاري الريعي، بالنفطي الطفري... كما تتداخل قيم البداوة المتهتكة بقيم المدينة المزورة. وحيث لا إصلاح ديني أُنجز ولا تنوير فكري أُستحق. وحيث الثورات لم تتجاوز لعبة الانقلابات العسكرتارية!
ومع ذلك يرطن الإعلام الرسمي، التابع، ككلب الراعي، للنظام العربي "الرئاسي" أو "شبه الرئاسي"، متفاخرا بأن رئيسه منتخب، ديموقراطيا، مباشرة من الشعب، الذي يموت في حب "السيد الرئيس"إلى درجة التسعة وتسعين، فاصلة، تسعات مفتوحة. (بعضهم أنزل سقفها بعض الشئ، رفعا للحرج أمام الغرب!). ويُسلِّم له بتعدد دورات حكمه، مثنى وثلاث ورباع وخماس وسادس، إلى أن يفطس في فراشه!
ويفاخر النظام الرئاسي العربي، دون شعور بشئ من الخجل، بأن لديه برلمان، هو، أيضاً، منتخب مباشرة من الشعب، بواسطة انتخابات عامة "حرة". وهي الانتخابات العامة المزورة إياها، التي يجري تصميم نتائجها مسبقا في دوائر وزارة الداخلية والمخابرات والحزب الحاكم، بحيث تسفر عن حصول الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة، مع تخليه عن بعض المقاعد لتزينها بشيء من المعارضة، حفاظاَ على "سمعة المحل!!"!
ويدعي النظام الرئاسي العربي أن سلطاته موزعة إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية، وقائمة على الفصل بين وظائفها. وهي في الحقيقة فاقدة لسلطتها الذاتية، واستقلاليتها الوظفية. كونها (السلطات الثلاث) متماهية في سلطة القائد ـ السيد الرئيس، ونظامه الحزبي الحاكم.!
وكذلك هو حال مؤسسات المجتمع المدني. فهي فاقد لشرط الاستقلال عن الحكومة. وظيفتها تأييد النظام، ورفع برقيات المبايعة للقائد ـ السيد الرئيس، المؤبد! أما السلطة الرابعة(الإعلام)، بما هي سلطة الرأي العام المتعدد، فإنها، في ظل النظام العربي الرئاسي، ليست سوى سلطة رأي النظام الأوحد!
ولكي يُظهر النظام الرئاسي العربي الأحادي، أمام العالم الخارجي، بالدرجة الأولى، أن حرية التعبير متوافرة في ظله، فإنه قد يُسمح لوسائل إعلامه بإثارة مشاكل المرور والمهور، وبعض قضايا الفساد، على سبيل المثال... أو قد يرفع سقف حرية التعبير إلى حدود انتقاد الوزراء وصول، ربما، إلى انتقاد رئيس الوزراء نفسه، شرط عدم المس بذات الرئيس "المقدسة"! وهكذا، بعد مسح الأكاذيب والأضاليل المفضوحة، المحاكة حول النظام الرئاسي العربي، بأستيكة، ينكشف مضمونه في جوهره القائم على منظومة الاستبداد الشرقي وطبائعه العتيقة، التي شخصها شيخ الديموقراطية الأكبر عبد الرحمن الكواكبي، قبل أكثر من قرن!
لكن ذلك لا يعني عدم قابلية المجتمعات العربية للديموقراطية. فها هي الهند، بمخزونها الهائل من الفقر والخرافات، أكبر ديموقراطية في العالم. ثم أن الإسلام، في أصوليته القرآنية، أكثر النصوص الدينية، حمولة لقيم الحرية ومقارعة الطغيان الفرعوني. وكبرى الدول الإسلامية، وهي إندونيسيا، محكومة بالآليات الديموقراطية. حتى أن أهلها ولوا أمرهم امرأة !
وإذا كان "السلطان الأعظم" قد سقط في الآستانة، العام 1924، فإن مفعول رهابه السلطوي التاريخي بقى يفعل فعله في الأذهان والأعيان. وهو الرهاب الجمعي التاريخي، الذي وظفه النظام الرئاسي العربي، بمعظم طبعاته الجارية، في تزوير مفهوم البيعة في شكل استفتاء عام مزور. وإعادة إنتاج التوريث الخلافي ـ الملكي في نقل حكم "السيد الرئيس" الأب إلى "السيد الرئيس" الابن!
إن النظام الرئاسي، كما هو قائم في طبعاته العربية المختلفة، مآله الانقراض حتما. وإن طال أكثر مما لا يطاق. إلا أن زواله مؤكد!
ولكنه مرتبط بسؤال متى ذلك؟!بمعنى متى تدرك الشعوب العربية أنها ذوات إنسانية وليست قطعانا بلهاء؟!
متى تدرك أن لها كامل الحق في تقرير مصيرها السياسي، واختيار من يحكمها، كموظف عندها. تبقيه أو تعزله، حسب إرادتها؟! ثم، بالتالي، تكف عن القبوع المستكين في انتظار غودا. أي انتظار خلاص لا تصنعها بإرادتها الجماعية. حيث لا خلاص فردي بلا خلاص جماعي!
ومن منظور هذه التطلع إلى ولادة أول جمهورية عربية ديموقراطية حقيقية، وليست مسيخ؛فإني لا أتصورها إلا في صيغة نظام ديموقراطي برلماني: يفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية. بحيث تتركز السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء، الذي يختاره نواب الحزب، صاحب الأكثرية في البرلمان، أو تحالف يعكس الأغلبية البرلمانية. وتخضع حكومته، وسلطته التنفيذية للسلطة التشريعية، مسألة ومحاسبة.. وتكون حكومته عرضة للإقالة عند فقدانها لثقة الأغلبية البرلمانية. فيعود الأمر إلى الشعب في انتخابات جديدة. مع وجود محكمة دستورية عليا تنظر في المنازعات القائمة بين السلطات، وفقا لبنود الدستور الحاسمة. كما تنظر في القضايا المرفوعة إليها من مواطني الدولة ضد الحكومة، في مختلف القضايا التي تمس حقوق المواطن الدستورية!
إن النظام الديموقراطي البرلماني يشكل، في رأي، مخرجا تاريخيا ضروريا للتخلص من عقدة "الرفيق ـ الأخ، القائد الأوحد" و"الزعيم المعظم" و"السيد الرئيس، حفظه الله ورعاه.." ، إلى أخره من منمقات بلاغة الخنوع، ومظاهر عبادة شخص الحاكم، بجعله صنما "مقدسا"، في شكل تماثيل حجرية أو معدنية، أو في هيئة صور هائلة الأحجام، منتشرة في كل مكان. وإلى ذلك إطلاق الألقاب الحسنى عليه، وتمجيده وتعظيمه في الأناشيد "الوطنية"، وفي قصائد شعراء السلطة، ومقالات كتّاب السلطة، والابتهال له في أدعية فقهاء السلطة.. بحيث لا ينقصه إلا أن يقول ما قاله فرعون: "أنا ربكم الأعلى"!
ودون أن أطمح أن تتحول الجمهوريات العربية، بين عشية وضحاها، إلى أنظمة برلمانية، شبيهة لو من بعيد، بدول أوروبا، أو حتى بإسرائيل؛فإن نظام الحكم البرلماني، إذا ما انبثق، بمواصفات تأسيسية صحيحة، في المجتمعات العربية، كفيل باستبدال منزلة الحاكم العربي المطلقة في عليائه البطرياركية "المقدسة"، بمنصب رئيس وزراء تنفيذي. هو كبير موظفي الدولة، يجري ترشيحه من حزبه، أو من تحالف أغلبية برلمانية، نتيجة لمناقشات ومنافسات وتسويات برلمانية. ولا يتم تعينه، في منصبه، إلا بعد موافقة البرلمان(أعلى سلطة في الدولة)على شخصه وحكومته، وبرنامجها السياسي. وبهذا فإن منصب "دولة رئيس الوزراء" أو"الوزير الأول"، حسبما يسمى في بعض الدول، عبارة عن موقع وظيفي تنفيذي. ووزراء حكومته ليسوا، كما في نظام الرئاسي العربي القائم، مجرد إمعات رئيس الوزراء الذي بدوره إمع السيد الرئيس ـ القائد. الوزراء، في النظام البرلماني، شخصيات قوية ومسؤولة، لها اعتبارها السياسي البارز. يعملون مع رئيس الوزراء كفريق واحد. فهم يملكون حق مناقشة ما يطرحه رئيس الوزراء أو أحد الوزراء، من اقتراحات أو قرارات، والتصويت عليها بالقبول أو الرفض، حسب نظام التصويت. وجميعهم مسؤولون أمام البرلمان. فهم محكومون ببرنامج حكومي، عرضة لحسابات النجاح والفشل، حسب مؤشرات ثقة البرلمان فيه، ورضا غالبية الرأي العام عنه. فرئيس الوزراء عرضة للعزل أو الإطاحة بحكومته بعد سحب البرلمان الثقة منه أو منها. كما أن رئيس والوزراء والوزراء، وغيرهم من كبار رجال الدولة، ليسوا فوق القانون. فهم، في الأصل، مواطنون عاديون، تُرفع عنهم الحصانة الاعتبارية، بسهولة، إذا ما ارتكبوا جنحة أو جناية !
أما رئيس الجمهورية، في النظام البرلماني، فهو رئيس لا يرأس. منصبه عبارة عن مقام شرفي تتقلده شخصية وطنية مشهود له بالعلم والفكر والاستقامة. ويتم اختيار رئيس الجمهورية من البرلمان بأغلبية الثلثين. وينحصر دوره، كممثل فخري لسلطة الدولة العليا(البرلمان)، في إصدار المراسيم الرمزية. مثل تكليف حزب الأغلبية، أو تحالف الأغلبية، بتشكيل الحكومة. ويقوم على التمثيل الوطني الفخري للضمير الدستوري. ورعاية أنشطة المجتمع الفكرية والعلمية والفنية!
........ فمتى إذن يستحق العرب أول حاكم بمنصب كبير الموظفين: سيادة دولة رئيس الوزراء!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 22 فبراير 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home