Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 27 نوفمبر 2008

انحياز المثقف بين القوة والضعف!!(*)

فرج بوالعَـشّة

لا شك أن مفهوم المثقف، في العصر الحديث، مُنتَج فكري أوروبي، وصل إلينا مع غيره من المفاهيم والأفكار، التي انتشرت في الثقافة العربية. خصوصا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وانبثاق حقبة التحرر الوطني وتصفية الاستعمار..!

كان جوليان بندا، في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، يعتبر أن المثقفين هم أوربيون فقط.. ويعتبر المسيح، وحده، غير الأوروبي بينهم، الذي يستحق التنويه.." ومع ذلك فقد تمت أوروبة السيد المسيح، الشرق أوسطي، منذ أن تبنته روما القديمة..ليصبح أشقر بعينين زرقاوين "..!

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ونهوض العالم الثالث، انبثق مثقفو الأطراف التحرريين؛ بلغاتهم وثقافاتهم وقومياتهم المتعددة.. والذين كانوا، حتى وإن كتب بعضهم بلغة المستعمر، ملتزمين بقضايا شعوبهم، واعين بدورهم العضوي في تثوير مجتمعاتهم سياسيا واجتماعيا، في سبيل التحرر المزدوج: من الحضور المباشر للمستعمر الخارجي، عسكرا ومستوطنين..والتحرر من الظلم الاجتماعي الداخلي والاستلاب الثقافي..!

كان مثقفو عصر تقرير المصير، رغم خصوصية عزلات مجتمعاتهم، بما تتفرد به من تفارقات اجتماعية وثقافية متمايزة، يشتركون في رؤية فكرية/إبداعية،تجمع على مناهضة المستعمر- بكسر الميم، في هيمنته العسكرية المباشرة، أو في هيمنته الثقافية والسياسية والاقتصادية، غير المباشرة..وتنهيض روح المستعمر "بفتح الميم" ووعيه،لكي ينهض بتطلعاته وطموحه في التحرر، ماديا ومعنويا، من أوجه الاستعمار المتعددة..!

وإذ كان المثقفون التحرريون، في الصين والهند، وأمريكا اللاتينية، ومعظم مثقفي أفريقيا، قد تخلصوا من ثقل إنوجاد المشروع الغربي الكولونيالي القديم، فإن مثقفي العالم الإسلامي، وتحديدا العالم العربي، يجدون أنفسهم متورطين في تمثلات تركة الكولونيالية الأوروبية، المورَّثة في إمبريالية الهيمنة الأميركية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، في وجود أنظمة الاستبداد الشرقي، التي يعتمد حكامها، في بقائهم في الحكم، وإدامة حكمهم في من يخلفهم، على رضا السيد الأجنبي، ناقلين تبعيتهم من عنوان إلى عنوان، حسب المهمين في وقته..!

ونتيجة لأن العالم العربي والإسلامي، الذي هو آخر العوالم المتبقية في حوزة الهيمنة الغربية الإمبريالية، مباشرة أو عن بعد، نلمس عودة قوية لخطاب الثقافة الإمبريالية، تباشره جماعات متنوعة من مثقفي الغرب" أساتذة جامعة، أكاديميون، مستشرقون، مستعربون، باحثون، محللون استراتيجيون، كتبة مقالات وأعمدة صحفية وسيناريوهات سينمائية وتلفزيونية وكرتونية..إلخ " منخرطين، بهمة، بعد نهاية الحرب الباردة تحديدا، في إنتاج ثقافة نيوإمبريالية،كان إدوارد سعيد قد فحص تعبيراتها ومسروداتها ، واساليب تعاطيها مع العالم الإسلامي، بطريقة اختزالية تبسيطية، تعتبر الإسلام:"موضوعا بسيطا يمكن أن تُطلق عليه تعميمات فضفاضة تغطّي ألفا وخمسمائة عام من التاريخ الإسلامي، وأن تصدر بشأنه، بدون خجل، أحكام تتعلق بقابلية الانسجام بين الإسلام والديموقراطية، وبين الإسلام وحقوق الإنسان، وبين الإسلام والتطور"..وبرسم الاجماع على أن" الانبعاث الإسلامي أو الإسلام الأصولي هو التهديد الجديد الذي حلّ محلّ الشيوعية"..!

ثم سيتثخن الغرب مشهد الإسلاموفوبيا، لاسيما بعد الثورة الإسلامية في إيران، في صور أكثر ترعيبا، وأحكام أكثر تشويها لحقيقة الإسلام وواقع حال المسلمين..بحيث ظهر الإسلام بحسبانه دينا شريرا،ينتج مسلمين اشرار..!
ثم كانت قارعة الحادي عشر من سبتمبر 2001.حيث صك بوش الابن، إمبراطور الروم الجدد، معادلته المانوية: نحن وهم.. الخير والشر.. معنا أو ضدنا..إما أن تكون مع أمريكا/بوش، الممثل المطلق للخير..أو أن تكون مع أعداء أمريكا بحسبانهم ممثلي الشر المطلق ـ من منظور الخير البوشي..!

وكان أن ازدهر سوق مثقفي "صدام الحضارات" وتوصيل "الديموقراطية الليببرالية" إلى البيوت،على ظهر الـ "توماهوك" ..وكان أن وجدنا أرهاط من مثقفي العالم العربي والإسلامي ينخرطون، بلا أدنى خجل، في استنساخ خطاب المحافظين الجدد المتصهينين، متذرعين بنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، وحرية المرأة..!

إن المثقف الحقيقي، الحر ـ المستقل، لا يملك إلا أن ينظر إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر كمأساة إنسانية رهيبة..لكن دون أن يصطفيها كارثة كونية استثنائية لمجرد أن ضحاياها أمريكيون.. فمقابل مقتل حوالي 3000 أمريكي برئ، في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر2001، قتلت الآلة العسكرية الأمريكية الوحشية آلاف الأفغان المدنيين الأبرياء وأكثر منهم بمئات الألوف مدنيين عراقيين أبرياء.. اعتبرتهم التصريحات الأمريكية مجرد أضرار جانبية collateral damage، مأسوف عليهم..دع عنك غوانتانامو، والسجون السرية، وأبو غريب...!

ولكن كما أن هناك، دائما، مثقفين منحازين إلى الأكثر قوة، يوجد دائما الكثير من المثقفين، في الغرب والشرق، منحازين إلى:" مناصرة الأضعف، والأسوأ تمثيلا، والمنسيِّين أو المتجاهَلين"..على حد تعبير إدوارد سعيد..!
أما اللغة فهي وسيلة يتوسلها المثقف حسب مقاصده. سواء للانحياز إلى الأكثر قوة أو لمناصرة الأضعف.. ويظهر ذلك واضحا في الفضاء الإعلامي الكوني: صحافة- راديو- تلفزيون..من خلال ما يُبث من تقارير وتحليلات وتعليقات ومجادلات الرأي والرأي الآخر، حيث يجد المثقف" المحلل- المعلق- المجادل "، في اللغة، ما يخصصه لدعم موقفه، أكان على حق أم على باطل ...
يتبع..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 27 نوفمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home