Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

السبت 27 نوفمبر 2010

أيقونة التحرر من الخوف*


فرج بوالعَـشّة

 

احتلت الأخبار القادمة من ميانمار (بورما سابقا) موضعا بارزا في صدارة التغطيات الإعلامية الدولية الواسعة لأيام متتابعة. موضوعها إطلاق سراح زعيمة المعارضة اونغ سان سو كي (62 عاما) بعد عشر سنوات متواصلة قضتها قيد الإقامة الجبرية في منزلها. وقبلها تعرضت في فترات متقطعة للسجن والإقامة الجبرية. وذلك منذ فوز حزبها "الرابطة القومية من أجل الديمقراطية" الذي حقق انتصارا ساحقا في انتخابات العام 1990. سطحياً، الخبر عادي. موضعه المعتاد في الصفحات الداخلية. لا يستحق كل هذه التغطية الإعلامية العالمية الواسعة. فزعماء المعارضة، في أصقاع العالم الاستبدادي، يتعرضون كل يوم للاعتقال والسجن، والقتل أيضا. والنظام الحاكم في ميانمار ليس النظام الديكتاتوري الوحيد في العالم. لدينا في العالم العربي أنظمة ديكتاتورية أكثر منه استبداداً وفساداً، حتى ليبدو نظاما رؤوفا رحيماً بالمقارنة مع نظام عربي طغياني لم يتورع عن تنفيذ  إبادة جماعية لأكثر من ألف سجين سياسي، ودفنهم في قبر جماعي مجهول. لكن اونغ سان سو كي شخصية غير اعتيادية. إنها "نموذج رائع لقوة من لا سلطة لهم" على ما جاء في حيثيات استحقاقها لجائزة نوبل للسلام العام 1991 .

 

وبغض النظر عن كونها حاملة لجائزة نوبل للسلام وابنة بطل استقلال بورما: الجنرال أونج سان، فإن مصدر قوتها متأت من شخصيتها الاستثنائية. انت مستقرة في بريطانيا منذ منتصف الستينيات حيث درست الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أكسفورد، وارتبطت بزوجها الأكاديمي البريطاني وأنجبت طفليها الكسندر وكيم. كانت بعيدة عن السياسة إلى أن حدث التحول الكبير في حياتها عندما ذهبت إلى بورما لتلازم أمها أثناء مرضها العام 1988 . وهو العام الذي نشبت فيه انتفاضة شعبية مطالبة بالديمقراطية، فانفكت عن حياتها الاعتيادية لتنضم للانتفاضة. ( وشهير هو خطابها في جماهير الانتفاضة ( 26 أغسطس 1988 عندما أعلنت في الجموع: "لم استطع أن أظل سلبية تجاه كل ما يجري وأنا ابنة من تعرفون". ولا تعني أنه ابنته بيولوجيا إنما وطنيا (اغتيل والدها في يوليو 1947 قبل الاستقلال بستة أشهر وكان عمرها سنتين). ابنة موقفه التحرري الصلب حاضاً شعبه: "لا تعتمدوا فقط على شجاعة وإقدام الغير. ويجب على كل واحد منكم أن يقدّم التضحيات ليصبح بطلا يمتلك الشجاعة والإقدام. وعندئذ فقط سنتمكن جميعا من التمتع بالحرية الحقيقية". 

 

لكنها على الضد من نهج والدها في المقاومة المسلحة اتخذت نهج المقاومة السلمية على طريق مهاتما غاندي ومارتن لوثر كنغ.

وهو ما يحيلنا إلى إعادة قراءة مقالها البياني التأسيسي تحت عنوان "التحرر من الخوف". نشرته العديد من الصحف العالمية في يوليو 1991. يقوم مقالها البياني على تحليل ثاقب ودقيق لثنائية الاستبداد والفساد. حيث الفساد علته الخوف. بمعنى أن الحكم الاستبدادي يصحو وينام ليصحو، وهكذا، على خوف من فقدان سلطته، لأنها قائمة على قبول المحكومين بها خوفاً من بطش السلطة القمعية. ومن هنا تشخيصها البارع لكيف أن: "الخوف من نقمة السلطة يسبب الفساد للأشخاص الذين يتعرضون لها". لتصل إلى استنتاج منهجي مستخلص من تأملها السياسي العقلاني لكيفية استخدام السلطة الاستبدادية للفساد لأجل إطالة عمرها من طريق تطبيع علاقات المجتمع بممارسات الفساد، التي محورتها في أربعة أنواع: "الفساد الناتج عن الرغبة أو الانحراف عن الطريق الصحيح سعيا للحصول على الرشاوى أو لخدمة أشخاص مقربين.. والسير على الطريق الخطأ حبا في إيذاء الأشخاص الذين يضمر لهم الشخص الضغينة. وهناك الانحراف الناتج عن الجهل. ولكن لعل أسوأ أنواع الفساد الأربعة هو الذي لا يخيف ويقمع ويدمر ببطء جميع أسس الصواب والخطأ فحسب، بل إنه أيضا أصل أنواع الفساد الثلاثة الأخرى. وكما هو حال الفساد الناتج عن الرغبة، فحين لا يكون نتيجة للجشع البحت، فقد ينتج عن الخوف من الرغبة أو الخوف من فقدان ود الأشخاص الذين يحبهم المرء، لذا فإن الخوف من التجاهل أو الإذلال أو التأذي بطريقة ما قد يولد القوة الدافعة لإضمار الضغينة. ومن الصعب تبديد الجهل ما لم تتوفر الحرية للبحث عن الحقيقة التي لا يقيدها الخوف. وبالنظر للعلاقة الوثيقة بين الخوف والفساد فليس من المستغرب أن نجد في أي مجتمع ينتشر فيه الخوف أن الفساد بجميع أنواعه يصبح متأصلا في أعماقه".

 

معركة أونغ سان سو كي سلاحها الضمير وحصنها المنيع: كرامة الإنسان. وهي سلطة أخلاقية من جماع روح شعبها البورمي

مختزلة في روحها. دافعة بمقاومتها السلمية بتقديم التضحيات لأجل تغيير الناس (البورميين هنا) لما بأنفسهم أولاً في نبذ الانخراط في علاقات إنتاج الفساد الاجتماعي وتوظيف وعيهم الضميري الأخلاقي في سياق حركة اجتماعية مناهضة لثنائية الفساد والاستبداد.. والبديل، عند أونغ سان سو كي، "ثورة الروح التي يولدها الإيمان الفكري بالحاجة إلى التغيير في تلك المواقف الفكرية والقيم التي تحدد طريق تطور الأمة. وليس أمام الثورة التي لا تهدف إلا إلى تغيير السياسات والمؤسسات الرسمية بهدف تحسين الأوضاع المادية فرصة تذكر للنجاح الفعلي. وبدون ثورة الروح، ستستمر القوى التي ولدت جور وظلم النظام القديم في العمل، كمصدر لتهديد دائم لعملية الإصلاح والتجديد. ولا يكفي مجرد الدعوة إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل يتعين وجود تصميم موحد لمواظبة الكفاح، ولتقديم التضحيات باسم الحقائق الثابتة، ولمقاومة الآثار المفسدة للرغبة والحقد والجهل والخوف..".

 

تعلمنا أونغ سان سو كي أن قادة التحرر الأصلاء لمجتمعاتهم من أنظمة الاستبداد والفساد هم رجال أحرار يدركون أنهم عرضة لاضطهاد سلطة الاستبداد والفساد من التضييق إلى الاعتقال والسجن إلى القتل. لكنهم دائبون على المحاولة لأنهم أهلوا أنفسهم لتحمل المسؤوليات والتقييد بالسلوكات المنضبطة التي تحافظ على وجود مجتمع حر، لأن دورهم مناط بتحرير شعوبهم من خوفها الموهم بوجود قوة متسلطة فوق طاقة إرادتها على التحرر. وتأخذ عن نهرو مبدأه: "إن أعظم موهبة لأي شخص أو أي أمة هي الشجاعة. وليس مجرد الشجاعة الجسدية بل غياب الخوف عن العقل". والشجاعة قد تكون موهبة كما تقول. وتضيف: "لكن لربما كان الأعز من ذلك هو الشجاعة التي يكتسبها الإنسان عن طريق الجهد. الشجاعة التي تأتي من ممارسة عادة رفض السماح للخوف بأن يملي أعمال الشخص عليه". إنها الشجاعة العقلية قبل أن تكون جسدية. شجاعة مواجهة الخوف. من حيث هو: "الشيء السائد عادة في أي نظام يمنع وجود حقوق الإنسان الأساسية. الخوف من السجن والخوف من التعذيب والخوف من الموت والخوف من فقدان الأصدقاء أو الأسرة أو الممتلكات أو وسيلة كسب العيش، والخوف من الفقر والخوف من الانعزال والخوف من الفشل. ومن أكثر أنواع الخوف شرا وغدرا ذلك الذي يتنكر كمنطق سليم أو حتى كحكمة، ويدين أعمال الشجاعة اليومية الصغيرة التي تسهم في المحافظة على احترام الذات والكرامة الإنسانية المتأصلة ويعتبرها أعمالا حمقاء أو متهورة أو ضئيلة القيمة أو عديمة النفع.." وهي ترى، عن حق، أنه ليس من السهل بالنسبة لشعب: "تكيّف مع الخوف تحت الحكم الحديدي لمبدأ "القوة هي الحق" أن يحرر نفسه من هواء الخوف الفاسد المفقد للحيوية. ولكن الشجاعة تظهر مرة بعد الأخرى حتى تحت أكبر آلية ساحقة للدولة. إذ إن الخوف ليس هو الحالة الطبيعية للإنسان المتحضر.". ومن هنا رهانها الصميمي على أن: "خلاص الذات هي ما يميز الإنسان عن الحيوان".. فهل يتعلم المعارضون العرب ولو قليلا مما تعنيه أيقونة التحرر من الخوف.


faragasha@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 26 نوفمبر 2010.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home