Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 27 September, 2007

طبخة بائتة منذ عقود!!(*)

فرج بوالعَـشّة

يقول الخبر، نقلا عن نمر حماد المستشار السياسي لأبي مازن، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، هدد بعدم المشاركة فى مؤتمر السلام المزمع عقده فى نوفمبر المقبل، برعاية الست رايس، إذا لم تقبل إسرائيل بالوصول إلى: "اتفاق ملزم ذي مغزى يقود إلى اتفاق سلام نهائي..".... والسؤال: هل يجرؤ أبو مازن، حقا، على التهديد، ولو على لسان مستشار من مستشاريه الكثر، بعدم المشاركة في طبخة من تحضير الست رايس؟!

عباس ليس عرفات. والمطلوب من الأول أن يمتثل لإملاءات الشالوم الصهيوأمريكي، الذي رفضه الثاني، وقُتل بسببه بالسم الصهيوني، بالتواطؤ مع المتصهينين من المحيطين به!
إن عباس لا يملك من صلابة عرفات شيئا. فتصوره لحل القضية لن يتجاوز، في أحسن بطولاته الخارقة، وثيقة:"بيلين- ابو مازن" التي طُرحت العام 1995؛ كاقتراح بحل نهائي للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. لكنها لم تكن، في الواقع، سوى اقتراح بتعويم الحقوق الفلسطينية، وتصفية القضية، بالتنازل عن السيادة على القدس الشرقية، والتخلى عن عودة اللاجئين، والتفريط في حدود 4 يونيو 67. ومع ذلك رفضت الحكومة الإسرائيلية الحالية تبني مقترحات وثيقة "بيلين- ابو مازن". واكتفى أولمرت بالطلب من مساعديه دراسة الوثيقة، واستخلاص نقاط تفيده في مفاوضة عباس للاستحصال منه على تنازلات أكثر مما قدمه لـ"يوسي بيلين" الحمائمي!

في تصوري أن عباس ورهطه، مثل قريع صاحب مصنع الأسمنت في قرية "ابو ديس"، الذي يساهم في بناء المستوطنات، ودحلان المدحلة الأمنية المحتجب- الآن- لدواعي الإصابة بالصرع، وعريقات الغارق في عرق إهانات التفاوض السلمي، وياسر عبد ربه منظر التفريط والتنازل، ونبيل عمرو بجملها السلامية الرنانة، وغيرهم من فريق أوسلو الانبطاحي، هم أعجز من أن يحصلوا، بالتفاوض، على دولة مستقلة ذات سيادة، حدودها خط الرابع من يونيو 67، وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة بلا نقصان!

إن فتح بزعامة عباس الانبطاحي. لم تعد هي فتح عرفات القائد التاريخي؛ الذي لم يتخل عن رمزية بذلته العسكرية ومسدسه الخاص. مزاوجا بين غصن الزيتون والبندقية. أي بين الجنوح لـ"سلام الشجعان" والاستعداد للمقاومة المسلحة!

وبينما تظهر ثقة الفلسطينيين، في عباس، متدنية إلى حدود العشرين في المائة، كانت ثقتهم في عرفات قوية دائما، رغم أخطائه الكبيرة. لكنها أخطاء لم تطل مبدائيته النضالية. فقد كانت ثقة شعبه فيه مؤسسة على تاريخه النضالي الطويل، الذي ختمه، برفض بطولي للإملاءات الإسرائيلية والضغوطات الأمريكية كي يتنازل عن الحقوق الشرعية لشعبه. وخاض بسبب موقفه الرافض مواجهة اسطورية للعدوانية الصهيونية، مرحبا بالموت شهيدا شهيدا شهيدا، بالثلاثة، كما أحب دائما أن يكون. فهل يمكن تصور أبي مازن وهو يواجه حصار الدبابات الإسرائيلية في مقره برام الله؟!

إن فتح حركة مختطفة من لدن عصبة الأوسلويين، الذين حوّلوها من حركة تحرر ومقاومة إلى سلطة فساد متحللة من مشروع المقاومة والتحرير. المشروع الذي اعطاها المشروعية التاريخية لقيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني. أما الآن، فهي، بقيادة عصبة التسوويين، لم تعد سوى تكية سياسية، يُحرك قيادتها الرموت كونترول الأمريكي، حتى لا نقول الصهيوني، بالتواطؤ مع حلف المتواطئين الثلاثي: مصر- السعودية- الأردن!

إن التسوويين المهيمنين على التمثيل السياسي للقضية الفلسطينية، دوليا وإقليميا، هم، في الحقيقة العارية، غير معنيين إلا بالحفاط على مصالحهم الشخصية ومكاسبهم المادية، من خلال إدامة تمسكهم بمراكزهم السلطوية متعددة المواقع: في فتح ومنظمة التحرير والسلطة الوطنية معا. وهو ما يفرض عليهم- بالضرورة- إسقاط فعل المقاومة من حساباتهم السياسية لإرضاء إسرائيل، كي لا تستهدفهم في أمنهم الشخصي، فيكون مصيرهم القتل مثل أبو عمار، أو الاعتقال والسجن المؤبد، مثل مروان البرغوثي، وعشرات ألوف الفلسطينيين الشرفاء.!!

والحاصل أنه من تحصيل الحاصل استنتاج الفشل الاستباقي لطبخة اجتماع الخريف برعاية الشيفة رايس. فلن يُطرح على المائدة سوى شُربة بائتة منذ عقود. فالمراد، إسرائيليا وأمريكيا، من اجتماع الخريف، بيع المشمش لعرب التسوية، الجاهزين أصلا لشراء السمك في البحر الميت!

أو بلغة التحليل السياسي الصهيوني، فإن اجتماع الخريف الصهيوأمريكي: "حتى اذا لم يتمخض عن أي انجاز مهم، فذلك لن يؤدي الى النتائج الدراماتيكية التي تلت فشل قمة كامب ديفيد. وهذا ايضا يبدو نوعا من العزاء (لإسرائيل)." على رأي الكاتب الصهيوني اليميني المعروف شموئيل روزنر!

إن اجتماع الخريف المرتقب، الذي يأتي في خريف إدارة بوش المتصهينة، ليس سوى اجتماع علاقات عامة لتجميل وجه بوش (الأمريكي البشع) في العراق. وهو يستهدف، سياسيا، جر السعودية، وفي جرتها منظومتها الخليجية للتطبيع مع إسرائيل، من خلال الإيحاء بإطلاق عملية سلمية تجرى وفق "أفق سياسي". وهو مصطلح من ابتكار الست رايس. والمقصود به اتفاق المبادئ العام الذي يفترض أن يتوصل إليه أولمرت وعباس. لكن أولمرت يرفض فكرة التوصل إلى اتفاق أو إطار مبادئ ملزم، مكتفياً بالحديث عن إمكانية التوصل إلى بيان سياسي مشترك غير ملزم. وفي مكان آخر يتحدث عن:"اعلان مبادئ وليس اتفاق مبادئ..".. وفي كل الأحوال كله كلام والسلام!!

أما نيل الفلسطينيين لحقوقهم كاملة فلن يتحقق إلا بفضل المقاومة، وليس بفضل المبادرة العربية، أو"جهود" الثالوث السعودي المصري الأردني، ومعهم عباس. فهؤلاء مجرد متواطئين مع الأجندة الصهيوأمريكية. وهذه حقيقة سياسية واضحة وليس تجنيا!

وإذا كان من فضل على الفلسطينيين فسيكون لإيران، بالدرجة الأولى. علاوة على المقاومة العراقية وانتصار حزب الله، والممانعة السورية؟! كيف؟!ـ إيران قلبت موازين المواجهة الاستراتيجية التقليدية في المنطقة. إذ أصبحت بقوتها العسكرية الهائلة، وموقفها الوطني والإسلامي المتحدي المنيع تشكل "الخطر" الاستراتيجي المركزي على إسرائيل وتاليا على أمريكا. وهو "الخطر" الذي قد تفرض اشتراطات مواجهته، على إسرائيل أمريكا، القبول، مضطرا أخاك لا بطل، بإعادة الأراضي المحتلة إلى العرب، وفق المبادرة العربية، مقابل إنهاء الصراع مع الفلسطينيين وفك ارتباط سوريا بإيران، وإنهاء ظاهرة حزب الله المسلح، وتحقيق التطبيع الكامل مع الأنظمة العربية، باعتبار ذلك ترتيبات استراتيجية جذرية شارطة للتفرغ لمواجهة "الخطر الإيراني"، بالتحالف مع محور الأنظمة العربية "السنية"، وفي طليعتها:السعودية ومصر والأردن، وبقية التوابع!

ولكن مقابل هذا التصور الاستراتيجي غير المستبعد، يوجد سيناريو ثان غير مستبعد أيضا. وهو احتمال شن حرب أمريكية- إسرائيلية على إيران، تتطور إلى حرب على سوريا وحزب الله وحماس، أو قد تبدأ بحرب إسرائيلية على سوريا، تجر حربا على حزب الله وحماس، تُجر إليها إيران. والثابت في هذا السيناريو الشمشوني هو منطق توسيع الخرق على الراقع في نسيج الفوضى الأمريكية في العراق، وقد تعاظمت ورطتها وتعقد حلها، وأخذت الأمور تفلت من يدها، بحيث لم يعد أمامها إلا معالجة الفوضى بمزيد من الفوضى. والهروب من حرب العراق بحروب جديدة!

أما السيناريو الثالث فهو السيناريو القائم. سيناريو التعامل، أمريكيا وإسرائيليا، بحذر شديد مع ما يواجهانه من أزمات متفاقمة في المنطقة، ومحاولة إدارتها في خدمة مصالحهما الاستراتيجية المشتركة. والقاسم المشترك في هذه الازمات، كما يقول المحلل السياسي، روبن رايت، في الواشنطن بوست: "هو ايران. فهي تدعم حزب الله وحماس، وتمول وتسلح ميليشيات ومجموعات متطرفة عراقية.." حسب الرؤية الصهيوأمريكية. ولأن أمريكا متورطة في فشلها المتفاقم في العراق، وإسرائيل لا تزال تعاني من الهزيمة في لبنان، فإن خيار الحرب الصهيو أمريكية ضد إيران، وحتى ضد سوريا، سيكون وبالا على الأمريكيين والإسرائيليين، وهو ما يدركها العقلانيون في واشنطن وتل أبيب. وعليه، وفق هذا التحليل، ستكتفى الإدارة البوشية، في فترتها المتبقية، بإدارة الأزمات في المنطقة وليس حلها، سواء على جبهة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، من خلال إطلاق الوعود بدولة فلسطينية. أو على الجبهة العراقية من خلال معالجتها لفشلها العسكري والسياسي بمزيد من تجاهل الحقائق والتلاعب بها، وتهويل الانجازات وتعظيم الاخفاقات. والهدف كسب الوقت حتى نهاية ولاية بوش لتنتقل الكارثة العراقية إلى الرئيس الجديد. أما تعاملها مع الملف النووي الإيراني، بأسلوب إدارة الأزمة، فسيعتمد على التهديد بالعقوبات والعزلة الدولية والتوعد البعيد بالخيار العسكري في سياق الحرب النفسية. وعلى وجه آخر تتعمد الإدارة البوشية تأزيم بعض الأزمات القائمة في الدول العربية، كما في الحالة اللبنانية حيث تمنع عملاءها في جماعة 14 آذار من التوافق مع قوى المعارضة. وتمنع عباس من الحوار مع حماس. وتمنع السعودية ومصر من التقارب مع سوريا...!!

لذلك، وعلى كل أحوال هذه السيناريوهات الصهيوأمريكية الممكنة لا خيار أمام الشعب الفلسطيني سوى الاستمرار في مسار مقاومته التاريخية/الوجودية للمحتل دون أن يعني ذلك رفض مبدأ التفاوض المبني على ضمانات دولية حاسمة بإنهاء الاحتلال من حيث بدأ، وفق جدول زمني محدد وحماية دولية. أما دون ذلك فليس أمام الشعب الفلسطيني، في الداخل والشتات، سوى رفض بازار التسويات الرخيصة!

وهنا يأتي دور حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة وبقية قوى المقاومة المسلحة، في التمسك بخيار المقاومة، الذي وحده سيُجبر بني صهيون وبني اليانكي، في نهاية الأمر، على التسليم بأنه لا حل إلا بالتسليم للفلسطينيين بحق تقرير مصيرهم!

لكنه خيار له اشتراطاته، التي على حركة حماس، بالذات، الالتزام بها. وأساسها الزهد في سخافة الصراع على "سلطة وطنية" هي ليست سلطة ولا وطنية... وأن تكف عن محاولاتها البائسة في ملاطفة النظام السعودي أو المصري، وإليهما الأردني، في طلب الحوار مع فتح التي لا تملك قيادتها من أمرها شيئا إلا بأذن صهيوأمريكي.. وبالتالي لا بأس لـ«حماس» أن تبادر، من باب التكتيك المقاوم، في إبداء الحرص الصادق على إعادة الحوار مع حركة فتح، رغم إدراكها السياسي الجلي بأن قرار فتح أصبح بيد رايس والجنرال دايتون.

أما الثالوث الإقليمي، الذي ذكرناه، فهو متواطئ تاريخيا مع أعداء الأمة.. «منذ مراسلات حسين- مكماهون، إلى عبد العزيز- روزفالت، إلى بيغن- السادات- الذي يحكم نهجه مصر حتى هذه اللحظة»!.

وعليه، على حماس، أن تكون في مستوى المرحلة. بمعنى أن تركز كل جهدها كحركة جهادية تحررية، وليس حكومة أو بقايا حكومة مقالة، تماحك وتنازع عصابة التسوويين في رام الله على سلطة لا يملكون منها شيئا اللهم سيارات المرسيدس بنز وبطاقات المرور الصهيوني الممغنطة!

إن أمضى تحد لهم هو تركهم لفشلهم المؤكد في مغامراتهم التسووية مع أولمرت ورايس. فلن يلزم الأمر إلا بضعة شهور أخرى حتى ينكشف خيارهم البائس!
.. وحتى ذلك الحين، وفي كل حين، فإن اشتراطات مصاولة بني صهيون، تُلزم حركة حماس أن تقوم بكل ما يمكنها من أجل توفير المعطيات الضرورية لتأمين الوحدة الوطنية، بين القطاع والضفة، وسحب الذرائع من سلطة رام الله، وتعللاتها بأخطاء حماس، بما في ذلك الإعلان عن استعدادها للانسحاب التام من لعبة هذه السلطة اللاوطنية. وبالتالي قبولها المبدئي بإعادة المواقع الأمنية والمؤسسات التابعة للسلطة.. ليس من موقع الاعتراف بالفشل. إنما من منطلق كسب ثقة الشعب الفلسطيني في القطاع والضفة، في الداخل والخارج، في مصداقية حماس كحركة تحرير شعبي وليس تنظيم سياسي سلطوي!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 27 سبتمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home