Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 27 يناير 2011

تونس : الاستقلال الثاني

فرج بوالعَـشّة

اعتدنا في العالم العربي على تجارب التغيير بالعسكر عن طريق انقلاب مباغت ذات فجر وبيان أول ثورجي وبلاغات متتالية تقاطعها موسيقى عسكرية وأناشيد وطنية. ذلك كان رائجاً بقوة غداة الاستقلالات الوطنية وفي خضم صراع الحرب الباردة التي انعكست صراعا أيديولوجيا ـ سياسياً (في العالم الثالث) بين "التقدمية" و"الرجعية". أما بعد سقوط جدار برلين (9 نوفمبر العام 1989) وانتهاء الحرب الباردة بتلاشي الاتحاد السوفياتي راعي الانقلابات العسكرية "التقدمية"، فقد شاعت تجارب التغيير بالشارع. ابتداء بالطاغية تشاوسيسكو، بعد شهر من انهيار جدار برلين. فبينما كان تشاوسيسكو يخطب من شرفة عالية في تظاهرة مجلوبة لإظهار التأييد له، صرخ فرد من بين الجمهور بهتاف مضاد: يسقط الطاغية يسقط الطاغية... لحظات خوف ثم أخذ الهتاف يتردد عاليا على ألسنة الجمهور وسط جلبة التصفير الاحتجاجي الساخط والساخر.. فاختفى الطاغية من شرفته العالية. وكانت تلك بداية نهايته. ولتساقط بعده أنظمة المعسكر الشيوعي كأحجار الدومينو بقوة الشارع. لكن العالم العربي بقى "بمنجئ" من هذا الوباء الحميد (التغيير الديمقراطي بقوة حركة الشارع الاحتجاجية السلمية). فكان البديل عنفاً دموياً فالتاً استخدمته "الجماعات الإسلامية المسلحة" في محاولة لإسقاط الأنظمة من طريق الفوضى الدموية. وقد فشل مشروعها فشلا ذريعا. كما حدث في مصر والجزائر.. ولا يزال يحاول في اليمن.
ولم تعتظ الأنظمة العربية الاستبدادية بالتحولات الديمقراطية الجارية في العالم وكذا لم تتعظ بموجات العنف المتسربل بالدين. فسدرت في غيها الاستبدادي. مراهنة على أن شعوبها خانعة ذليلة لا خوف منها. وأنها ستظل على إدمانها التاريخي المعتاد في معاقرة الطغاة. وإذ بالتوانسة يفعلونها بانتفاضة صدورهم العارية التي أشعلها بوعزيزي عندما أشعل النار في نفسه لينير خلاص الآخرين. تظاهر بن علي في البداية بأنه يواجه تظاهرات احتجاجية معزولة بحيث لم يجد أي غضاضة في نعت المتظاهرين بـ'الإرهابيين والمأجورين للخارج". وأعلن بصرامة أن قوات الأمن سوف تواجههم بكل قوة. لكن التوانسة زادوا في اندفاعاتهم الثورية. فظهر عليهم مرة ثانية يوزع الوعود الترغيبية بميزانية تنمية تصل إلى خمسة مليارات دولار دفعة وتوظيف ثلاثمائة ألف عاطل عن العمل قبل نهاية العام 2012. وفي الوقت نفسه أمر قناصي حرسه الخاص من القتلة المحترفين باصطياد المتظاهرين عشوائياً، مراهناً على أن سقوط قتلى وجرحى سوف يرعب المتظاهرين فيتراجعون عن مطالبهم الجذرية مكتفين بما يعرضه عليهم "السيد الرئيس" من تعهدات ووعود. لكن الشوارع التونسية ازدادت تجمهراً في رفضها لمناورات الطاغية رغم ارتفاع منسوب دماء القتلى والجرحى. فظهر بن علي مرة ثالثة وأخيرة وهو يتحدث لأول مرة باللهجة التونسية في محاولة للتودد والتمسكن للتوانسة بأنه واحد منهم ويستطيع أن يتحدث بلهجتهم. لقد ظهر الطاغية في تلك الكلمة رئيسا عاطلا عن السلطة يستدر عطف التوانسة وهو يقول: "أنا فهمتكم.. فهمت الجميع البطال والمحتاج والسياسي واللي طالب مزيد من الحريات.. فهمتكم.. فهمت الكل.. "راجياً أن يعطيه الشعب فرصة لإجراء إصلاحات ديمقراطية ومتعهداً أنه لن يترشح لانتخابات 2014. لكن التوانسة الذين انتفضوا بأرواحهم المشتعلة بنيران جسد بوعزيزي الملتهب كانوا قد حسموا قراراهم: "تونس حرّة وبن علي بره". وهنا قرر الغرب الأوروأمريكي (الفرنسي ـ الأمريكي تحديداً) سحب الغطاء الدولي عن وغدهم Their Bastard أو قل قرروا سحبه من التداول وإخراجه من مشهد السلطة نهائياً في محاولة لإحلال قوى بديلة تعوّم مطالب الشارع وتتيح الفرصة لتنصيب بديل يرضى عنه النصارى (فرنسا وأمريكا) واليهود (بني صهيون). ومن هنا كانت محاولة الحفاظ على استمرارية النظام القديم في صورة أزلام بن علي ما أظهرته صورة الغنوشي في الوسط وعلى يمينه المبزّغ وعلى يساره القلال.
لقد كان واضحا تواطؤ أمريكا وفرنسا مع الطاغية طوال الأسابيع الأولى. حتى أن وزيرة خارجية فرنسا "اليو ماري" طالبت في البرلمان الفرنسي بمساعدة نظام بن علي (قبل هروبه بثلاثة أيام) بخبرة الشرطة الفرنسية لدعم الشرطة التونسية في حفظ أمن النظام. وحافظ الموقف الأمريكي على صيغة التعبير عن القلق والدعوة إلى ضبط النفس. وعندما تأكد لهم (في باريس وواشنطن) حتمية سقوط رجلهم هرّبوه وعائلته وما تمكن من نهبه خارج تونس، لكنهم رفضوا استقباله في ديار الغرب. فيما أطلقوا تصريحاتهم البطولية في طلب الديمقراطية للشعب التونسي. فصرح البيت الأبيض، بعد صمت أسابيع، أن:" للشعب التونسي الحق في اختيار من يحكمه." ولم يكن الشعب التونسي معنياً بما يصدر عن البيت الأبيض أو الإليزيه فقد حدد بإرادة ثورته الشعبية خياراته التحررية المحمولة على فعل الخلاص النهائي من دولة الاستبداد القائمة منذ لحظة الاستقلال الأول. أي الاستقلال من المستعمر الخارجي والسقوط في الاستبداد الداخلي. بمعنى أن ثورة الشعب التونسي اليوم هي امتداد لحركة التحرر الوطني غير المكتملة بسبب الحكم الاستبدادي الممتد من بورقيبة إلى بن علي. وبالتالي فإن غاية ثورة الشعب التونسي استحقاق الاستقلال الثاني (حسب مفهوم المناضل الديمقراطي منصف المرزوقي) بما هو فعل تحرر من المستبد المحلي كشرط شارط للتحرر الحقيقي من المهيمن الأجنبي. فهنئاً للشارع العربي ثورة العرب الأولى لنيل الاستقلال الثاني من أنظمة الاستبداد والتبعية.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

ـ سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة الشرق القطرية بتاريخ 27 يناير 2011


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home