Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الجمعة 26 ديسمبر 2008

المثقف كمحرز الأهداف(*)

فرج بوالعَـشّة

كيف يواجه المثقف مسألة القوة والسلطة؟!ـ يتساءل إدوارد سعيد.. ويجد في فترة منتصف الستينيات، من القرن الفائت، في ذروة الحرب الأمريكية على فيتنام، المعادل الموضوعي لمقاربة المساءلة التي طرحها، ومناقشتها من منظور حكاية يرويها عن أحد طلابه الملتحق لتوه بحلقة دراسة جامعية يُشرف (البروفيسور إدوارد سعيد عليها)..!
كان ذلك الطالب طيارا حربيا شارك في الحرب الفيتنامية.. سأله البروفيسور: "ماذا كنت تعمل بالفعل في سلاح الطيران؟".. فأجابه بهدوء شديد: "إحراز أهداف".. يقول إدوارد سعيد: "واحتجت إلى بضع دقائق إضافية كي أفهم أنه كان قاذف قنابل، وظيفته في الواقع إلقاء القنابل، لكنه سربلها بلغة مهنية تستهدف، من ناحية معينة، الصد والإرباك لمحاولات السبر المباشر فعلا من جانب اللامنتمين إلى المجموعة. وبالمناسبة، فإني قبلته طالبا في الحلقة الدراسية ـ ربما لظني أن بإمكاني مراقبته، وإقناعه ـ كدافع إضافي ـ بالتخلي عن اللغة الاصطلاحية المرعبة. وفي الواقع، كانت تلك محاولة مني لـ"إحراز هدف"..!
جعله ذلك الحوار ينتبه إلى أن المثقف المستسلم لسلطة الوظيفة أو التخصص أو النظام أو الإيديولوجية "فكرية أو سياسية"، يصبح، بطريقة ما، محرز أهداف، بدافع الوظائف والرواتب والمكآفات والترقيات.. فالمثقف المهني المتخصص الذي يزود السلطة السياسية أو العسكرية أو السلطة الرأسمالية "الشركات الكبرى" بدراسات تعمل على تعزيز نفوذها وأرباحها وسيطرتها، ليس سوى "محرز أهداف"..!
إن مصداقية المثقف، الفكرية الإبداعية الضميرية، تقاس بدرجة استقلاله عن الأهداف السياسية لقوى السلطة والمال. وهو الشغف بالاستقلال الذي يؤكد عليه "سعيد" من خلال تجربته الشخصية عندما رفض عرض عدة وسائل إعلام بأن يكون مستشارا لديها: "لأن ذلك ببساطة يعني أن أكون حبيس محطة تليفزيون أو صحيفة واحدة، مقيدا أيضا باللغة السياسية السائدة في وسيلة التعبير تلك وضمن نطاق مفهومها العام..... ثانيا، فإن إيصال المعرفة مباشرة لقاء أجر يكون مختلفا، إذا طلبت منك جامعة، من جهة، إلقاء محاضرة علنية، أو إذا طلب منك، من جهة أخرى، التحدث فقط إلى حلقة مغلقة من المسؤولين. لأن هذا الأمر يبدو لي واضحا جدا، فقد رحبت دائما بالمحاضرات الجامعية، ورفضت غيرها على الدوام"..!
لقد فضل أن يظل محرز أهداف لصالح ضميره ومبادئه.. أي إحراز أهداف لصالح القضايا والأفكار التي تنسجم مع ما يؤمن به، والتي لا تقبل وسائل الإعلام المتسلطة "في أمريكا والغرب تحديدا" تبنيها.. كتناول حقيقة قضية فلسطين بما هي جريمة إبادة تاريخية صهيو ـ أوروبية/أمريكية بحق الفلسطينيين، السكان الأصليين لفلسطين التاريخية.. كما هي جريمة تاريخية غربية "أوروبية ـ أمريكية" تلك التي ارتكبت بحق السكان الأصليين لما يسمى بالعالم الجديد (أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وغيرها)....!
إن مسألة دعم المثقف الحقيقي للقضايا الإنسانية العادلة والدفاع عنها ليست هواية يمارسها نجوم الفن والرياضية في أوقات فراغهم. كدفاع مارلون براندو عن الهنود. وبريجيت باردو عن الخراف واليهود.. أو مايا فارو وجورج كلوني عن أهل دارفور....!
إن المثقف الحقيقي لا يختار القضايا التي يدافع عنها إنما الطبيعة العادلة للقضايا هي التي تفرض نفسها عليه.. وهو ما يسلط إدوار سعيد الضوء عليه في تناوله لنموذج المثقف الأمريكي الذي يمثله "بتر نوفيك"، في كتابه الضخم الذي نشره عام 1988 باسم: "ذاك الحلم النبيل"، مع عنوان فرعي باسم :"الموضوعية ومهنة الدراسة الأمريكية للتاريخ". هدف منه تبيان أن "موضوعية" التاريخ الأمريكي ليست، في الجوهر، سوى: "مستنقع من الادعاءات والادعاءات المضادة المتنافسة، التي تؤدي كلها إلى تفتيت أي شكل من أشكال الاتفاق بين المؤرخين على ما هي الموضوعية، بحيث تغدو مجرد ورقة لستر العورات، وغالبا حتى أقل من ذلك"..!
وهو ادعاء "الموضوعية" بالمنطق الأمريكي نفسه، الذي استخدم في زمن الحرب العالمية ضد الألمان، ثم ضد الفيتناميين، ثم ضد الأفغان والعراقيين، على أساس أن من مع أمريكا هو مع الحقيقة الموضوعية.. ومن هو ضدها هو ضد الحقيقة والموضوعية والمنطق.. وعلى أساس هذا المنطق الأعوج انخرط، منذ ظهر تاريخ الولايات المتحدة، معظم مؤرخي التاريخ والسياسة وعلم الاجتماع، والأدب والفن، في تعظيم أمريكا البيضاء وأسطرة تاريخها، حتى تحولت أساطير تاريخها الملفق إلى سلطة ثقافية "مقدسة" وكأنها تابوات إلهية..... يتبع..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 25 ديسمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home