Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 26 October, 2007

حسب نصيب مزالي من الحقيقة!!(*) ( 2 من 2 )

فرج بوالعَـشّة

(1)
وإذا كان في الجانب الليبي لا يوجد - كما هو معروف - من قد يستفسر عما حدث. فما بالك بمن قد يُبدي وجهة نظره إزاء ما حدث.دون أن نتصور وجود من قد يجرؤ على انتقاد ما حدث.ما بالك بتخيل من قد يذهب بعيدا إلى حد الاحتجاج على ماحدث؛فإنه على الجانب التونسي كان هناك كثر ممن يستطيعون أن يناقشوا الرئيس بورقيبة في القرارات المصيرية، كما حدث بشأن "إعلان جربة".بل والتمكن من اقناعه بالعدول عنه!.

يقول مزالي، إنه وجد بورقيبة، عندما قابله، بعد التوقيع على إعلان جربة:" مرتاحا لأنه وجد نفسه على رأس بلد أصبح أكثر ثراء بسبب عائدات النفط وارتفاع المساحة ولم يخف الوزراء الذين رافقوه ارتياحهم لأنهم اشتركوا معه في لحظة تاريخية، أما أنا فقد كنت مندهشا...لا لأني ضد مبدأ الوحدة، بل بالعكس لأن الارتجال والتسرع اللذين صاحبا هذه الولادة القيصرية كانا بالنسبة إلي أمرا فاقدا للمعقولية إن لم تمهد لهذه الوحدة أي دراسة جدية ولا تم أي تشاور ولا حتى مجرد إعلام مسبق فكان الانطباع أننا نعيش مؤامرة دبرها بعضهم مستغلين مرض بورقيبة وغيابه عن الوعي فجُر جرا للمشاركة في صنع حدث مهول فهذه الوحدة المترجلة المتسرعة والمهيأة على عجل لم تقرأ حسابا لما بين النظامين من تباين اقتصادي واجتماعي و لا من تناقض بين نظامهما الدستوري والمؤسساتي وكان رد فعل الجزائر سريعا وعنيفا ظهر في بلاغ رسمي ندد بهذه الوحدة المرتجلة المتسرعة المصطنعة فاضطر بورقيبة لإرسال بالخوجة والشطي على عجل لدى الحكومة الجزائرية لتهدئة الخواطر فاستقبلا ببرودة تامة ورفض الرئيس بومدين أي عرض أو اقتراح وكان جوابه حاسما إذ قال: الجزائر لا تمتطي القطار... وما إن عاد الهادي نويرة إلى تونس في نهاية زيارته الرسمية لإيران حتى بادر بأخذ رأيي في الموضوع كما فعل ولا شك مع بقية زملائه فأكدت من جديد معارضتي للحدث لما اتسم به من تسرع وارتجال مع أني من أنصار توحيد المغرب العربي عندما ينجز بطرق عقلانية طبعا.."..!.

والحاصل معناه، كما كان يقول بورقيبة في لازمته الخطابية، عاد الوعي السياسي إلى الرئيس التونسي، بعدما لمس صرامة الرفض الجزائري، علاوة على معارضة رجالات حكمه، ولا سيما زوجته وسيلة.فقرر التراجع عن انسياقه الطمعي وراء المغامرة القذافية.وعندما علم القذافي من مصادره الخاصة، في البلاط البورقيبي، بتراجع "جاري يا حمودة" عن الاتفاق، وذهابه للاستجمام في سويسرا، لحق به وحاول أن يقنعه بالتمسك بإعلان "جربة الوحدوي".وهنا قرر مزالي، بالتشاور مع الرموز السياسية العليا للبلاد، تشكيل وفد يضم كبار القادة السياسيين، ليكونوا حاضرين مع بورقيبة:" لئلا يبقى الرئيس وحده على انفراد مع القذافي..."....ويقول مزالي إن القذافي وصل:"إلى مقر إقامة السفير التونسي محمد بن فضل، وفاتح الرئيس بدون مقدمات، قائلا:"أنت أمضيت وثيقة تلزمك.. ويجب عليك احترام تعهداتك، وحاول بورقيبة التملص من الموضوع متعللا بصعوبات دستورية تخص تنظيم استفتاء، وأراد الدكتور المقدم التدخل فبادره القذافي بملاحظة نابية قائلا:كنت أظن أنك دكتور في الطب لا في العلوم السياسية ودخل عاشور في النقاش قائلا: هو اتفاق في القمة ولكنه يلزم الشعبين فلابد من استشارتهما..."..!

والنتيجة فشل مشروع القذافي للوحدة مع تونس، كغيره من مشاريعه "الوحدوية" الفاشلة.ولم يكن القذافي، ليفوت تحميل فشله لغيره والانتقام منه بطريقة أو أخرى.أكان شخصا مفردا أو مجموعة أشخاص أو بلداً بكامله، إذا ما كان بيده إنزال الأذى به أو بهم.وفي الحالة التونسية، كان المسؤول عن فشل المشروع، في نظر القذافي، هو الهادي نويرة، رئيس وزراء تونس وقتها.فشن عليه من خلال إعلامه الداخلي والخارجي:"حملة شعواء من التنديد والتحقير والتشهير تلتها محاولة اغتيال لشخصه من طرف مجموعة مسلحة وقع القبض عليها وحوكمت في أبريل 1979 ووصل عداء ليبيا إلى أوجه بمؤامرة قفصة التي تمت بالليلة الفاصلة بين 26 إلى 27 يناير 1980 وتلا ذلك نهب وحرق سفارة تونس في طرابلس.."...!

وفي يناير 1982، بينما كان بورقيبة غائبا في زيارة للولايات المتحدة، استغل القذافي فرصة غيابه ليحاول من جديد إعادة تمرير مشروعه، من خلال محاولة استمالة زوجة بورقيبة، ذات النفوذ المتاريركي الطاغي على "السيد الرئيس" ورجالات دولته.ومن أبرزهم السيد محمد مزالي، الذي استقبل الجار الليبي، في القصر الرئاسي..يقول مزالي:"فاستقبلته بكل لياقة وأكدت له أن احترام سيادة بلدينا هو الشرط الأساسي لتحقيق تعاون فائدته على الجميع، وأعلمته مؤكدا بأن بورقيبة ليس مستعدا لاستقباله طالما لم يرجع وثيقة الوحدة الحاملة لإمضائه. فأخبرني بأن طائرة ستأتي بها حالا.. ثم وعدني بأنه سيسلمها للرئيس فيما بعد. وفي فبراير 1982، رجع إلى تونس وقال لي إنه نسي (الورقة) بطرابلس، فزدته تأكيدا أن بورقيبة لن يستقبله إلا بعد تمكينه منها، ووعدني جازما أن طائرة ستأتي بها حالا.وبناء على هذا الوعد تم استقبال بورقيبة للقذافي في قاعة قصر قرطاج البيضاء وكان اللقاء متوترا. وكنت الشاهد الوحيد لأن الوفدين التونسي والليبي بقيا في قاعة القصر الرئاسي الكبيرة. وما كاد الرئيسان يجلسان حتى صاح بورقيبة قائلا :

" أرجعلي وثيقة جربة" أجابه القذافي:

"ليست عندي الآن وهي ليست إلا مجرد ورقة".. أردف بورقيبة غاضبا:

" أنا رجل جد ولا أحب التلاعب، أعطني الورقة وإلا عد من حيث جئت".

وحاول القذافي تبرير الموقف ولكن الغضب أخذ من بورقيبة مأخذا كبيرا وقرب يده من خد ضيفه وكاد يصفعه. وببرودة دم أمسك القذافي يد بورقيبة ووضعها على ركبته من جديد ثم التفت إلي قائلا:"الأخ محمد.. هل لك أن تنادي الخويلدي الحميدي أن يأتي بمحفظة الوثائق".

وكان الحميدي بالقاعة الكبرى في حديث مع وسيلة وقيقة والباجي قايد السبسي. فجاء مسرعا إلى القاعة البيضاء وسلم محفظة الوثائق إلى القذافي الذي فتحها وأخرج منها الوثيقة الشهيرة وناولها لبورقيبة الذي تأكد من وجود إمضائه فيها ولكن من دون أن يبحث عما إذا كانت هي الأصلية أم نسخة منها.وظهر بورقيبة وكأنه رجع له هدوء أعصابه. واعتقد أن (ضعفه) في جربة.. لن يكون بعد اليوم إلا مجرد ذكرى مرة.. وناولني (الورقة) كما كان يسميها وتمت نهاية المقابلة في جو أكثر هدوءاً وطلبت مني وسيلة الوثيقة لوضعها -كما قالت - في خزانة الرئاسة.. وسلمتها إليها ولا أعرف أبدا ما فعل الله بها.."..!

(2)

المفارقة أن عبد الناصر، سيد فكرة العروبة الحديثة، وقائد المشروع العربي القومي، بلا منازع، كان شديد التهيب من الاطروحات الانفعالية في طلب الوحدة.ومعروف أنه حاول أن يصد الضباط الوحدويين السوريين، مفضلا أسلوب التضامن والتنسيق. لكنه رضح لإلحاحهم ولرغبة الشعب السوري العارمة في الوحدة الكاملة مع مصر.كما أن عبد الناصر رفض عرض القذافي، بعد أشهر معدودة من نجاح انقلابه، بقيام وحدة إندماجية كاملة بين مصر وليبيا!

وبعكس عقلانية الأب الروحي للقومية العربية، كان ابنه الايديولوجي، مندفعا بانفعالية عاطفوية في طلب الوحدة، بأية طريقة ومن أية جهة.حتى أنه طلبها مع مالطا.وبالطبع ليس الأمر مجرد انفعال عاطفي، لا يتعقل الواقع وشروطه. ولا يعترف بمقتضيات العقلانية السياسة. وإنما ينطوي، بعد إزاحة الشعارات والرطانات القومجية، على منطق تقايضي منفعي، توجهه نزعة سلطوية مستحكِّمة!

إذ ما أن تأكد لـ"العقيد الوحدوي" فشل مشروع هوسه بالوحدة مع جاره التونسي، حتى انطلق يطلبها من حيث اللامتوقع بالمرة.أي مع الملك المغربي. والمفارقة الأكثر لا توقع هو أن الملك المغربي هو من طلبها من صاحب شعاراتها الصاخبة، مقترحا خلطة اتحاد غريب عجيب، تحت مسمى:"الاتحاد العربي الأفريقي". لكن إذا عرفنا السبب بطل العجب.في الظاهر للعيان كان الأمر، في نهاية الأمر، متوقعا من "الأخ العقيد" الليبي، لكن لم يكن متوقعا تحوّل"جلالة الملك" المغربي، بين ليلة وضحايها، إلى مهووس بالوحدة على الطريقة القذافية، ما لم يكن وراء الأكمة ما وراءها. وكان فعلا وراء الأكمة ما وراءها. وهو ما أصبحت أوراقه اليوم مكشوفة.فما قد بدا، أو لا يزال يبدو، للكثيرين، غير مفهوم وغير معقول.هو مفهوم جدا ومعقول جدا، عند إدراك حقيقة ما حدث.وما حدث كان صفقة مصالح سياسية، وشخصية، متبادلة ما بين صاحب "البلاط الملكي" وصاحب "البلاط الجماهيري"، لا يوجد شيء فيها ذو صلة بـ"الهم الوحدوي".كان شعار الوحدة مجرد غطاء إشهاري لتحالف سياسي/منفعي، مؤقت، بين الطرفين، ردا على عقد معاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر(جارة المغرب اللدودة) وتونس (جارة جماهيرية العقيد اللدودة)، عام 1983.وإلى ذلك كانت صفقة منافع سلطوية متبادلة بين العقيد "الثوري جدا" والملك "الرجعي جدا".حيث تعهد "العقيد الليبي" بوقف كل أنواع المساعدات، المالية والعسكرية واللوجستية، التي كان يقدمها لحركة البوليساريو.فيما تحقق للقذافي طرد المعارضة الليبية، المتمثلة في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، من المغرب.كما تضمنت الصفقة حصول العقيد الليبي، من الملك المغربي، على الرائد عمر المحيشي، عضو "مجلس قيادة الثورة" المنشق، الذي كان مقيما في المغرب كلاجيء سياسي، مقابل مبلغ ضخم ضُخ في الحساب الشخصي للملك، حسب شهادة الرائد عبد المنعم الهوني ـ 1 ـ، الذي كان هاربا هو أيضا خارج ليبيا، لأنه كان على علم بالمحاولة الانقلابية التي خطط لها الرائد المحيشي، ولم يُبلّغ عنها، حتى جرى اُكتشافها قبل تنفيذها، في سبتمر1975، فهرب المحيشي إلى تونس.ومنها إلى مصر.ثم طُرد من مصر عام 1980، بعد اعتراضه على اتقاقية كامب ديفيد.فلجأ إلى الملك المغربي، الذي باعه للعقيد الليبي..يقول عبد المنعم الهوني، في شهادته، التي نشرتها مجلة الوسط، في ثلاث حلقات، سبتمبر 1995، ان القذافي ابلغه، في لقاء جمعهما في القاهرة، برعاية مصرية، أن:" المحيشي كلفه 200 مليون دولار، ولو كنت أريدك لاجئت بك" 20.

وهنا نترك مزالي يسلط الضوء، حسب نصيبه من الحقيقة، على مأساة هذا الرجل الوطني:"..وفجأة إذا بقضية عمر المحيشي تأخذ أبعادا جديدة عندما أهدر دمه والمحيشي هو أحد الضباط الذين قاموا بانقلاب أول سبتمبر 69، وكان وصل تونس قبل تعييني وأعلمتني المصالح المختصة أن القذافي يسعى إلى اغتيال رفيقه القديم مقابل بضعة ملايين من الدولارات يعد بها الرجال حتى النساء ولا فائدة بذكر تفاصيل لا يليق ذكرها... وكان المحيشي يقيم بفندق خليج القردة بقمرّت، وذات يوم ذهب إلى نزل السندباد مع حرسه الخاص لتناول الغداء فصادف أن رأى (فيفا) وزوجته يتغديان فانهال على الوزير يشتمه وينعته بعميل الامبريالية والصهيونية فاضطرننا لإدخاله المستشفى العسكري في تونس وتلافيا لتعكير الجو مع القذافي عندما يكتشف أن معارضه يقيم في تونس، كلفت أحمد بالنور كاتب الدولة للأمن الوطني بالذهاب إلى المغرب طالبا من السلطات المسؤولة الموافقة على نقل المحيشي إلى هذه البلد الشقيق وكللت هذه المهمة بالنجاح ونقل المحيشي إلى المغرب على متن طائرة خاصة تولى المغاربة تأجيرها ورافقه فريق صحي، ومن حظه السيئ تم بعد أربع سنوات، أي في 13 أغسطس 1984، إمضاء اتفاق وحدة بين المغرب وليبيا لم تعمر طويلا كالعادة، وحمل المحيشي على متن طائرة خاصة كان في ظنه أنها تقله إلى مكة للقيام بمناسك العمرة. ولكن الطائرة حطت بليبيا. ولما رأى المحيشي كوكبة من الشرطة متهيئة لإلقاء القبض عليه أصيب بفالج (شلل نصفي) ومن ذلك الوقت لا أعرف عن أخباره شيئا...."..!

وكان من الطبيعي حسب طبيعة العقيد الليبي "الوحدوي" أن يأمر بمجرد وصوله إلى طرابلس عاصمة البلاد أو سرت عاصمة القبيلة من رحلته "الوحدودية" مع الملك "الرجعي" أن يأمر، في أغسطس 1985، بطرد كل التوانسة العاملين في ليبيا، الذين يُقدرون بعشرات الألوف، دون أي تعويض.ولم يكن ينقص توسيخ "الوحدة" التي"لا يغلبها غالب" إلا ما صرح به خبّاز تونسي، من العمال التوانسة المطرودين من ليبيا، عندما قال في الإذاعة التونسية الرسمية، دون خجل، أنه انتقم من الليبيين، بالبول في عجينة الخبز الذي يتناولونه!!

وليس أبلغ من هذا التصرف "العروبي" الإعرابي، "مسكا" للختام، للدلالة على الدرك الذي وصل إليه انحطاط النظام العربي الرسمي في تسفيه شعار "الوحدة العربية" إلى مستوى الصفقات المافيوزية، والبول في عجين "الأشقاء"!!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 25 اكتوبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home