Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Saturday, 26 August, 2006

ما بعـد نصر نصرالله!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

«نصر الله" هنا ليس هو الأمين العام لحزب الله. إنه لعب على المعنى. فاسم نصرالله محمول على دلالات متعددة. فالحزب حزب الله. ليس لأنه حزب الله المختار. إنما لأن أتباعه وأنصاره اختاروا تنفيذ الوعد الإيماني بكونهم هم الغالبون. ولم ينتصر أعداؤهم رغم كونهم "شعب الله المختار" كما يعتقدون. فالمساءلة ليست في الاعتقاد بفكرة ما،أكانت سماوية أو أرضية، ولكن في العمل على ترجمة مغزى الفكرة إلى واقع ملموس. إن الاعتقاد في أن النصر من عند الله، لا يعني: "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر"، وهو قاعد عن الإبداع والعمل.إن نصر الله يتأتى بالإعداد والاستعداد بما يُستطاع من قوة ورباط الصواريخ. وهذا ما كان عليه حزب الله: "تركيبة من المهارات المهنية والإبداع والجسارة والإعداد البالغ الدقة والاستعمال العبقري للصواريخ المضادة للدبابات والتنظيم المبهر والدفاعات الحصينة تحت الأرض.. وما زالت الصورة تتوضح يوما بعد آخر..» على حد تعبير الصحفي البريطاني الشهير ديفيد هيرست.

وكما هو معروف انبثق "حزب الله" في ظل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 في واقع حرب أهلية شرسة. ومظلومية اجتماعية - سياسية قاستها الطائفة الشيعية، تهميشا وحرمانا واحتقارا، من طرف الدولة اللبنانية، ذات المنشأ الكولونيالي - الفرانكفوني!!

وهكذا نشأ "حزب الله" كحركة محرومين، في وجود الاحتلال الإسرائيلي، وغياب الدولة الوطنية. وعلى خلفية احتراب أهلي بين الطوائف والإيديولوجيات. فرفض الانخراط في دائرة الحرب الأهلية العبثية. واختار مقاومة المحتل. وفي غياب الدولة صاغ "دولة" مجتمع مدني لرعاية الطائفة المحرومة. وفي غياب الجيش الوطني شكّل مقاومة شعبية مسلحة لتحرير الأرض. وكان من الطبيعي - جغرافيا، وتاريخيا، وثقافيا - أن يتحالف "حزب الله" مع سوريا العربية، وإيران الإسلامية، خدمة لمشروعه التحرري، في اتجاهين: التحرر من الغبن الاجتماعي - السياسي من جهة، والتحرر من الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. يقابله تحالف - غير طبيعي - للبعض اللبناني، مع العدو الإسرائيلي، والوصي الفرنسي. ويُحسب للسيد حسن نصر الله أنه لبنن الحزب، عبر إسقاط شعار "الثورة الإسلامية" و"ولاية الفقيه" من أجندته. كما أخرج الحزب من الحيز الطائفي الضيق لينحاز به إلى الوطن. وارتقى بفعل المقاومة من مستوى انتمائها الطائفي إلى أفقها الأشمل كحركة مقاومة لبنانية وطنية. ولم يكن الحزب يستهدف، من وراء صياغة الاجتماع الشيعي في كيان مجتمع مدني منظم، استحداث دولة داخل الدولة، كما يروج أعداؤه في الداخل والخارج. إنما استحداث بنية اقتصاد اجتماعي سياسي لمقاومة شعبية متماسكة، على مبدأ: الفرد للكل والكل للفرد.وتجلت مقومات هذا الاقتصاد الاجتماعي المقاوم في شبكة رعاية واسعة ومتشعبة: مدارس، دور رعاية، مستشفيات، وسائل إعلام، استثمارات.. ألخ. فبدا المشهد، لمن يريد أن يحكم على الظاهر، أنه دولة داخل الدولة. وحتى لو كان الأمر كذلك، فإن "دولة" حزب الله هذه كانت مستترة، مثلما هو مستتر جيشه المسلح.وكان لآلية التنسيق المتناغم ما بين الدولة الرسمية والمقاومة، في عهدي الهراوي ولحود - ما قبل مقتل الحريري - تحت الرعاية السورية، عاملا محوريا في ضبط المعادلة الوظيفية بين دوري المقاومة والدولة.

إنه نصر الفعل الجمعوي للمقاومة. وهو ما يجعل من كل مقاتل في حزب الله أسطورة بحد ذاته. ليس لأنه مدفوعا بإيمان ديني غليظ في طلب الشهادة وكفى، إنما لأنه متجهز،أولا، بالقدرة العلمية والتدريبية الفائقة على استخدام ما توفر لديه من سلاح. وثانياً، والأهم، توفر الحاضنة الشعبية المنيعة في صمودها الأسطوري، رغم التدمير والتقتيل والتهجير. وصورة ذلك ماثلة في شموخ الجنوبيين، وهم يحملون الرايات الصفراء وصور السيد، بوجوه مستبشرة، وأصابع الأيدي المشهرة بعلامات النصر، فوق ركام بيوتهم. ولا تكتمل معطيات النصر إلا بالإشارة إلى أخلاقية القيادة ومصداقيتها، حيث كل أبناء قادة حزب الله هم مقاتلون مثلهم مثل غيرهم من أبناء الجنوب.

إن الحرب السادسة، الإسرائيلية - العربية، كما سمتها "قناة الجزيرة" عن حق، دامت أكثر من حرب الأيام الستة (1967) بأربعة اسابيع. ولم يشارك في القتال الفعلي سوى مئات معدودة من مقاتلي حزب الله في مواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط. وإذا كان الجيش الصهيوني قد احتل في ستة أيام،في حرب 67، أضعاف مساحة لبنان عديد المرات، فإنه، بعد حوالي 40 سنة، من التطور العسكري المتفوق، لم يتمكن، بعد 33 يوما من التدمير الوحشي، من إتمام سيطرته التامة على بلدة بنت جبيل، التي لاتبعد عن حدود فلسطين المحتلة سوى بضعة كيلومترات. وإذ توقف العدوان الصهيو أمريكي، بعدما تكشف للفوهرر بوش فشل أجناد "يهوه" في تحقيق المراد، هيمن السؤال: لمن النصر؟!

حسب معادلة الزعيم الصيني الراحل، ماوتسي تونج، فإنه: "إذا صمدت المقاومة الشعبية ولم تستسلم فهي المنتصرة. وإذا لم يسيطر الجيش النظامي ويحقق هدفه بتدمير الخصم أو إجباره على الاستسلام والرضوخ فهو المنهزم".

ويشير استطلاع رأي إسرائيلي إلى أن 30%، من بني صهيون، يعتقدون أن إسرائيل انتصرت، مقابل 30% منهم يعتقدون أن النصر كان في جانب حزب الله. وفي كل الأحوال ليس بني صهيون هم المعيار. رغم أن التعادل في مثل هذه النتيجة، من منظور الوعي الصهيوني، يشكل نصرا ساحقا لحزب الله.

والصورة الجاملة للمشهد، أن حزب الله كان "داود" في مواجهة مفتوحة مع جالوت الصهيو أمريكي. وإن كان الكثير من التحليلات الإعلامية الغربية "الموضوعية" يشير بطريقة أو أخرى إلى الاعتراف بانتصار حزب الله، غير المتصور، فإن الآلة الإعلامية الصهيونية، المسيطرة عالميا، تجتهد بكل ما لديها من خبث وألاعيب "موضوعانية" في تصوير حزب الله محطم القدرات، في طريقه إلى تجريده من سلاحه، وتحويله إلى مجرد حزب سياسي، ليس بيده سوى قناة المنارة الممنوعة من البث خارج إحداثيات القمر العربي.

إن نصر الله، في نظر الكاتب الصهيو أمريكي،توماس فريدمان، كما عبر عنه في مقالة له: "سيخرج علينا من مخبئه ليعلن على الملأ نصره المؤزر الوهمي الذي حققه, بصرف النظر عن مدى حجم الدمار الذي لحق بميليشياته, ولا بالخراب الذي جره على لبنان بأسره بسبب هذه الحرب الطائشة التي أشعل فتيلها. ومن المتوقع أن يتبجح حسن نصر الله ويتباهى بصموده أمام إسرائيل في ساحات المعارك اللبنانية، إضافة إلى قصفه للمواقع الشمالية الإسرائيلية بالصواريخ. وعندها سوف يمطرنا المحللون والخبراء العسكريون بوابل من التصريحات القائلة بفقدان إسرائيل لقدراتها الردعية في مواجهة القوات العربية.. وهكذا دواليك!" معتقدا أن سكان الجنوب اللبناني: "سيثيرون حتماً السؤال المطروح سراً وخفية الآن في وجه السيد حسن نصرالله: هل لك أن تخبرنا عن الغاية التي رميت إليها بِشَنّك هذه الحرب اللعينة؟! ما الذي جنيناه منها وبأي تكلفة وثمن؟".

وهي الأسئلة الحقودة نفسها التي تلحن عليها "جماعة بولتون" المسماة مجازا 14 مارس، في محاولتهم الهستيرية لنزع النصر عن حزب الله، وتلبيسه عباءة الهزيمة. رغم أن إيهود أولمرت لم يجرؤ على القول، في عقر الكنيست، أن إسرائيل انتصرت. وشمعون بيريز، العجوز الخرف، كما سماه السيد نصر الله، تحدث عن أسئلة ستفرض نفسها على إسرائيل ولبنان، عقب الحرب. وهو محق في ذلك. فحرب الأسئلة والمواقف السياسية المتجاذبة تفجرت في إسرائيل، حول مستقبل الدولة الصهيونية، محاطة بفضائح أخلاقية. فبعد يومين من توقف العمليات الحربية، وجد أولمرت وزوجته نفسيهما عرضة للاستجواب للاشتباه بتلقيهما رشوة بقيمة نصف مليون دولار عند شرائهما منزلاً سكنيا وحديقة. رئيس الدولة كتساف، الإيراني الأصل، تلاحقه تهم التحرش الجنسي ببعض الموظفات اللواتي عملن في مكتبه سابقا، أدت إلى مداهمة الشرطة لبيته. شمعون بيريز يخضع للتحقيق بتهم تتعلق بتلقى رشوة انتخابية. حاييم رامون، وزير العدل، أعلن عن عزمه تقديم استقالته، خوفا من التحقيق معه بشأن اتهامه بممارسة الاعتداء جنسياً، عن طريق استخدام القوة، على ضابطة عملت في السكرتارية العسكرية في مكتب رئيس الحكومة. رئيس هيئة الأركان، دان حالوتس، متهم ببيع أسهمه بعد اسر حزب الله لجنديين، وقبل أن تبدأ الحرب بساعات. والحال حتى لو نجت الحكومة الإسرائيلية من السقوط، رغم الفضائح الأخلاقية الصاخبة، وآثار الهزيمة العسكرية - السياسية المدوية، فإن إسرائيل، دولة وجمهوراً، لن تنجو من مواجهة الحقيقة المرة بأنها لم تعد ذلك البعبع الذي لا يقهر!!

أما في لبنان، فمن الواضح،للمحلل المتابع المدرك، أن مشروع جماعة 14 مارس، أو ما يسمى بالأكثرية، التي هي أكثرية وهمية، قد انهزم - موضوعيا - بهزيمة إسرائيل، وبالتالي هزيمة المشروع الأمريكي في لبنان، وبالتبعية، هزيمة دور الثالوث المصري - السعودي - الأردني في اختلاق تناقض مفتعل بين الشيعة والسنة على حساب الصراع المصيري العربي - الإسلامي ضد التحالف الصهيو أمريكي.

لكن هذه الهزيمة - الفضيحة لبني صهيون لن تمنع التحالف الإسرائيلي - الأمريكي المباشر، من محاولة إعادة الكرة العدوانية، عسكريا. أو استخدام الضغوطات السياسية، بمؤازرة الثالوث العربي التابع، وامتدادهم في البعض اللبناني، دون أن نغفل الدور الفرنسي الانتهازي. وكل هذه الأطراف، مع تباين مواقفها، ودون أن يكون لها مخطط مشترك بالضرورة، تطمح إلى إكمال المهمة، التي عجز الجيش الإسرائيلي عن إتمامها، وهي تجريد حزب الله من سلاحه!!

وما يزيد الفضيحة العربية الرسمية، انفضاحاً، أن الدول العربية، التي وفرت غطاءً عربيا للعدوان الإسرائيلي - الأمريكي على لبنان، أملا في القضاء على حزب الله، في أيام معدودة، تتظاهر، الآن، بعد خيبة أمانيها، بلعب دور الطائي العربي الشهم،الذي سيعمر ما دمره ابن العم الصهيوني!!

وللمقال صلة!!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 24 أغسطس 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home