Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 26 July, 2007

نعم للفوضى الخلاقة المضادة...!(*)

فرج بوالعَـشّة

لا نقول جديدا بالقول إن سلطة المعرفة تُخضَّع، بطريقة أو أخرى، لخدمة معرفة السلطة المهيمنة، بأوجهها المختلفة: السياسية/ الدينية/ الاجتماعية/ الطبقية....!
إذ إن المعرفة المهيمنة، لديها المقدرة على توظيف الحقائق الفكرية والعلمية الجديدة، في تأكيد هيمنة الإيديولوجية المسيطرة. كما أن إيديولوجية أو إيديولوجيات القوى المعارضة توظّف، هي أيضا، الحقائق الفكرية والعلمية الجديدة في معارضتها للقوى التقليدية المسيطرة، في سياق لعبة صراع تاريخي دائر، في جدل اجتماعي قديم قدم نظام الاقتصاد السياسي الذي يحكم علاقات الانتاج، بين القوى المسيطرة والقوى المناهضة، منذ اكتشاف المحراث إلى احدث روبورت هذه اللحظة، حيث بقيت المعرفة المهيمنة هي معرفة السلطة المسيطرة، في تحولاتها المختلفة، عبر العصور الحضارية الكبرى، من العصر الزراعي إلى الصناعي فالتكنولوجي، فالمعلوماتي... وفي الوقت نفسه كانت سلطة المعرفة تمارس سطوتها الفكرية والعلمية المتجددة والمتقوية بالمزيد من الحقائق العقلانية العلمية، التي تكتسح أمامها معارف العقلية الخرافية والأسطورية..!

إن سلطة المعرفة العقلانية العلمية هي القوة الناعمة، التي ضربت معرفة السلطة الكنسية الكهنوتية المهيمنة، في مقتل.... ومع ذلك لم تنج سلطة المعرفة، المحمولة على (سلطة العقل العلمي) من التدجين والتوظيف في خدمة معرفة السلطة ومناهج تعليمها واخلاق نظامها الاجتماعي واقتصادها السياسي، وصناعة القتل والحروب.... فعلى سبيل المثال طُوِّعت مكانيكية نيوتن، في الفعل ورد الفعل، لتصنيع البنادق والمدافع والطائرات والصواريخ المدمرة... وطوِّعت نظرية داروين في النشوء والارتقاء والبقاء للأصلح لصالح الإيديولوجية العنصرية النازية في اعتبار العرق الآري هو الأرقى في قائمة الأجناس البشرية.. وتحولت نظرية ماركس، في تفسير الواقع التاريخي وتغييره، إلى إيديولوجية علموية "مقدسة" لتبرير الطغيان السياسي التوتاليتاري..... وغير ذلك أمثلة كثيرة. لكن تبقى من اسخف محاولات ترويض النظريات العلمية لدواع إيديولوجية ـ سياسية/ استراتيجية ماثلة اليوم في استخدام الإدارة البوشية، لنظرية: "نظام الفوضى" أو "نظرية الفوضى"، التي تعني حسب موسوعة ويكيبيديا: "صياغة رياضية، تقول، بأن العالم الطبيعي يقوم على علاقات ديناميكية، غير خطية. وهي علاقات جدلية، متفاعلة، متداخلة، وبالغة الحساسية، تجعل أي تدخل، تافها، صغيرا، يَجْلِبُ نتائج هائلة، لا يمكن التنبؤ بها... "... وتعني على المستوى الفيزيائي الرياضي الكوني فوضى منظمة عنوانها نظام خاص: "غير مفهوم أو مرئي فتبدو عشوائية في حين أنها ليست كذلك، ببساطة حدث عشوائي يسبب حدثا عشوائيا آخر و هكذا حتي تتجمع الأحداث فتظهر الصورة الكاملة.. "... وكما هو "نظام الفوضى" في الكون الطبيعي، هو، أيضا، في كون الجسم البشري، حيث: "يتم تدمير الخلايا القديمة، في جسد الإنسان، وتموت تلك الخلايا، لتنبعث خلايا جديدة نشطة، لتستمر الحياة ويقوم عالم الحيوان، في البحار، والبر والأجواء، على نظام تدمير، مبدع، وحركة خلق جديد مستمر مدهشة تكفل استمراره، وحيويته... "... كذلك في جسم الاقتصاد السياسي، حيث تحدث عالم الاقتصاد الكلاسيكي، جوزيف شمبيتر، في كتابه الشهير: "الرأسمالية- الاشتراكية، الديمقراطية"، المنشور عام 1942، لأول مرة، عما سماه: "التدمير الخلاق"... ويقصد: الحركة الداخلية، الذاتية، للنظام الاقتصادي الرأسمالي، حيث التنافس الإبداعي للفاعلين الرأسماليين يشكل القوة والطاقة التي تكفل النمو الاقتصادي في الأمد الطويل، وهذه القوة وتلك الطاقة الإبداعية المتجددة، ستدمران في طريقهما كيانات وتنظيمات، اقتصادية قديمة، ومهيمنة، وتخلقان مكانها، كيانات جديدة، أكثر قدرة على البقاء، وهذه حركة مستمرة تكفل ازدهار النظام الرأسمالي، وتطوره، وإبداعه، والشواهد الحقيقية في عصرنا هذا، دليل واضح على ذلك.....!

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونموذجه الاقتصادي الشيوعي، طوّر علماء الاقتصاد الرأسمالي، مثل ريتشارد نولان وديفيد كروس، في كتابهما المشترك: "التدمير الخلاق: المراحل الست لتغيير المؤسسة"، نظرية التدمير الخلاق في سياق الخيار الإرادي لأصحاب المؤسسة الاقتصادية (شركة أو بنية اقتصاد سياسي عامة لدولة ما)، من حيث تدميرها وإعادة بعثها على أسس جديدة تمكنها من البقاء، والمنافسة والنجاح.....!

وفي هذا المناخ العلمي/ النظري لمفاهيم الفوضى أو التدمير الخلاق وجد المحافظون الجدد إيديولوجيتهم العلموية المغرية لأوهامهم الإمبراطورية الكونية... وهو ما عبر عنه مايكل ليدن، أحد كبار منظِّري المحافظين الجدد، في كتابه: "الحرب على سادة الإرهاب"، الذي بيّن فيه أن": التدمير الخلاق، هو اسمنا، الوسيط، أو الأخير، داخل مجتمعنا، أو في الخارج. إننا نمزق إرباً، النظام القديم، كل يوم في مجال الأعمال والعلم والأدب، والفن، والمعمار، والسينما، والسياسة والقانون. أعداؤنا، كانوا دائماً يكرهون هذه الطاقة الإعصارية الإبداعية التي تتحدى تقاليدهم (بصرف النظر عمن يكونون)، وتجعلهم يشعرون بالخجل لأنهم لا يستطيعون مجاراتنا، يتحتم عليهم أن يهاجمونا حتى يستطيعوا البقاء، ويجب علينا، أن ندمرهم، لتحقيق رسالتنا التاريخية.. "..!

وبهذه الهلوسة الإيديولوجية التفوقية العنصرية، بمعانيها العرقية والدينية، وصل بوش الابن إلى سدة البيت الأبيض، وهو في حقيقته ليس سوى ابن عائلة نفط تكساسية، تولى الوصاية السياسة على حكمه، تحالف شعوذة إيديولوجية في خلطة متناقضة، تجمع بين مركبات يمين علماني ملحد ويمين مسيحي مُخرَّف ومُخرِّف، تجمعهما تصورات موهومة عن استنساخ روما جديدة في هيئة أمريكية..!

ومن منظور هذه الهلوسة المؤبطرة وصل استخفاف الإدارة البوشية، بالعرب والمسلمين، إلى درجة اعتبارهم مجتمعات ما دون إنسانية، يمكن استعمالها مختبريا، بالمعني السوسيوثقافي، لتطبيق نظريتهم السياسيوية العلموية في تحقيق مخرجات "الفوضى الخلاقة"... بمعنى إحداث فوضى شاملة، كما في النموذجين: الافغاني والعراقي، ومن ثم التحكم في تنظيمها في سياق تخليق نظام سياسي جديد يدين بالولاء والتبعية لخالق الفوضى ومبرمجها.. أما عندما يدرك مُخلِّقها ومُبرمجها فشل التجربة، بتحولها إلى فوضى مطلقة مدمِّرة، قد تقضى عليه، فإنه ينسحب من مجالها، تاركاً أطرافها يطحنون بعضهم بعضا، على مبدأ: "فخار يكسر بعضه"...!

إن هذه النظرية الرياضية الفيزيائية التي تنتمي للفلسفة الذهنية أكثر مما تنتمي للعلم فرضت نفسها على التفكير السياسوي للإدارة البوشية لتغطية إفلاسها الإيديولوجي بعدما طرحت نفسها إمبراطورية كونية، في محاولة لإحياء "روما جديدة"، ترى في نفسها المحرك المركزي لدفة التاريخ في الاتجاه الذي ترغب فيه، وكأنها قدره المطلق، وصانعه الأعظم، القادر ان يفعل اي شيء بأمر: "كن فيكون"..... وهو ما يوافق هوى وعقل بوش الصغير. وكأن الست رايس، مربيته الخاصة، قدمت له العالم لعبة "أتاري" يتحكم في ازرارها، من مكتبه البيضاوي..!

ومن المؤكد انها شرحت له مضمون لعبة "الفوضى الخلاقة"على نحو يلائم تفكيره، كأنها قالت له: سيدي الرئيس، لا بد من إطار عام للسياسة الخارجية الأمريكية، تستطيع أن تلم بكل شيء داخله..... العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وقع في فوضى، لكنها فوضى خلاقة. فعظم مكونات الاتحاد السوفييتي القديم انتظمت بعد فوضى في النظام الديمقراطي. وحتى الدول التي تشكلت بمقتضى موازين قوى قديمة سرعان ما عصفت بها الفوضى الحميدة لتعيد تشكيل كياناتها حسب المنظور الأمريكي للمستقبل كما هو الحال في جورجيا وأوكرانيا... ولا شيء يمنع من أن يتبع الشرق الأوسط المنوال نفسه... وآية ذلك بث الفوضى السياسية في الوضع اللبناني لصالح آل الحريري ووكيل أعمالهم السنيورة وملحقاتهم من جنبلاط الغنوصي وجعجع الصليبي، والجميل العبري... واعتماد الطريقة نفسها في فلسطين لصالح المشروع التسووي الذي يقوده أبو مازن ودحلان وبقية "عصابة أوسلو"...!

لكن ما لم تضعه معادلة "الفوضى الخلاقة" البوشية في الحسبان هو أن الطرف الآخر من المعادلة، يملك مقومات القوة المقاومة، القادرة على خلق فوضاها الخلاقة المضادة، التي تعجز القوة الأمريكية العسكرية الخارقة، وإليها عملاؤها، عن السيطرة عليها أو إبطالها... وذلك ما ظهر جليا في مشهد المقاومة العراقية، التي أسقطت نظرية: "الفوضى الخلاقة" الأمريكية، ببعث فوضى المقاومة الخلاقة في المشروع الأمريكي، ورد دماره في نحره... وقد حاولت الإدارة البوشية تطبيق، ما فشلت فيه في العراق، في لبنان، وهذه المرة باستخدام القوة العسكرية لإسرائيلية، لشن حرب تدميرية بهدف القضاء على قوة حزب الله، عماد المقاومة اللبنانية العروبية الإسلامية، وإحداث فوضى تُحدث فراغا سياسيا، ناجما عن إسقاط قوة المقاومة من المعادلة اللبنانية، وتحطيم روحها وتسييس ثقافتها، مما يتيح لعملاء المشروع الأمريكي، أي "قوى 14 آذار"، السيطرة التامة على السلطة، والانخراط، على المشكوف، في تنفيذ الإملاءات الصهيوأمريكية، ضد سوريا وإيران. لكن حزب الله كان على وعده الصادق، عندما قاوم الفوضى الصهيوأمريكية الهلاكة بـ"فوضى" المقاومة الجهادية المضادة، التي حققت نصرا اسطوريا على المشروع الصهيوأمريكي، وخرج حزب الله أكثر قوة، عسكريا وسياسيا، وأصبح العمود المركزي في مركَّب النظام السياسي اللبناني، سواء بالمعني الطائفي، أو الديموغرافي، أو الوطني... ومع ذلك لم يرتدع بوش الصغير عن الاستمرار في اللعب بأتاريه. فحاول تطبيق معادلة "الفوضى الخلاقة" في فلسطين، بواسطة أدوات محلية لكنها من صنف العميل الركيك جدا على شاكلة أبي مازن ودحلان وأبي شباك... وقد كانت حماس لهم بالمرصاد، عندما نفذت، بذكاء وحنكة، ضربة استباقية لمخطط "دايتون" قبل أن يدخل طور التنفيذ الفعلي. إذ ردت على فوضى العملاء الهلاكة بـ"فوضى" المقاومة الجهادية الخلاقة. فتمكنت، في ضربة خاطفة، من كنس غزة من العملاء والفُساد. وتحقيق الأمن والاستقرار للناس. وأذكر انني نشرت في صحيفة الشرق، يوم 14 يناير 2007، قبل أشهر من أحداث غزة الأخيرة، مقالا، ساءلت فيه حماس: "لماذا لا تستخدم النظرية البوشية عن "الفوضى الخلاقة"، من منظور رؤية المقاومة. بمعنى قلب الطاولة على الجميع: عباس وعصابته، إسرائيل وتكتيكاتها، أمريكا وعربها. وذلك من خلال الإصرار على التمسك بعمرها الشرعي كأغلبية في السلطة التشريعة والتنفيذية. وإظهار العين الحمراء لـ"سلطة الرئاسة" الأوسلوية، وعدم مهادنتها أو مسايرتها في مشروعها التسووي. وتقوية القوة التنفيذية كقوة مقاومة ضاربة مشكلة من كافة فصائل المقاومة المسلحة، بما فيها الفتحويون الوطنيون الشرفاء في كتائب شهداء الأقصى. واستئناف العمليات العسكرية المكثفة ضد إسرائيل، كحل ناجع لوقف الاقتتال الداخلي ـ على مبدأ داوني بالتي هي الداء! إذ إن أبا مازن وجماعته، وفي مقدمتهم المتآمر المتصهين دحلان، يبرزون، وينتعش مشروعهم التسووي، في أوقات الهدنة. ومعروف أن إسرائيل وافقت على الهدنة لتتيح للمتآمرين فرصة تنفيذ مؤامرتهم في إسقاط حكومة حماس... "

والحاصل أن لا مستقبل للشعوب العربية، في امتلاك إرادتها الحرة، وتمكينها من حق تقرير مصيرها السياسي الديمقراطي إلا باعتناق "فوضى" المقاومة الخلاقة ـ التي لا تعني الإرهاب ـ للتحرر من الاحتلال وأنظمة الاستبداد والتبعية.. وذلك بالمقاومة المسلحة المشروعة ضد المحتل الأجنبي... وبالتظاهر والاعتصامات وممارسة مظاهر العصيان المدني ضد أنظمة الاستعبداد والعمالة، من أجل إسقاطها، وإقامة أنظمة ديمقراطية وطنية، تعبر عن إرادة شعوبها في تحدي الهيمنة الصهيوأمريكية ومقاومتها رسميا وشعبيا حتى إخراجها نهائيا من العالم العربي والإسلامي.... هل ذلك ممكن؟!... نعم إذا تحررت الشعوب من طغاتها العملاء..!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 26 يوليو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home