Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الإثنين 26 يوليو 2010

العرب بين تركيا وإيران.. ما الموقف؟!

فرج بوالعَـشّة

إن العرب أما أن يقودوا منطقتهم متوحدين في مشروع حضاري جامع، أو أن يكونوا خارج التاريخ. أي مجرد أدوات في لعبة الأمم الكبيرة، سواء التي من حولهم أو تلك البعيدة ما وراء البحار والمحيطات. عندما كان العرب، قبل الإسلام، قبائل متشرذمة خارج التاريخ، لكل قبيلة إله خاصتها، أذلهم ملوك الأحباش واستخدمهم الروم والفرس أدوات لصراعهما على المنطقة العربية. فكان فريق منهم عميل للروم والآخر عميل للفرس. ولم يدخلوا التاريخ إلا عندما توحدوا في مشروع حضاري جامع تحت عنوان الإسلام. به تمكّنوا في سرعة تاريخية خاطفة من طرد الروم حتى أسوار القسطنطينية، والقضاء نهائيا على عرش الأكاسرى ومن ثم دخول أهل فارس في الإسلام ليصيروا إخوة في الإسلام، حيث "إنما المسلمون إخوة". ونتيجة لما اعترى العرب، عماد السلطة الأمبراطورية، في نهايات انحطاط الدولة العباسية، من ترف ودعة واستهتار بالمشروع المحمدي الحضاري، أخذ الفرس مقاليد السلطة، في العهد البويهي، بحيث كان الخلفاء العباسيون مجرد واجهة سياسية لحكمهم، الذي دام قرابة قرن ونصف (320 - 447هـ/932 - 1055). وكان من أبهى عهود الحضارة الإسلامية. فالبويهيون وإن كانوا من أصول فارسية إلا أنهم حكموا الأمبراطورية العباسية بصفتهم مسلمين من رعايا أمبراطورية الإسلام شمالة الأعراق والثقافات. ولما وهنت شوكتهم آلت حكم الأمبراطورية العباسية إلى السلاجقة، وهم من أصول تركية. وقد أعلن ثالث حكامهم ركن الدين طغرل بك بن سلجوق نفسه حاميا للخلافة العباسية وخلع عليه الخليفة لقب السلطان. وبعد السلاجقة آل حكم الدولة الإسلامية إلى الأيوبيين فالمماليك. وهم جميعهم في دورات حكمهم للدولة الإسلامية كانوا يحكمون بصفتهم مسلمين وليسوا أعراقاً دخيلة أو مستعمِرة. ولما وهنت شوكة المماليك جاء الأتراك، كفاتحين وليس غزاة، في رداء العثمانيين بعد استيلائهم على القسطنطينية، وضموا أمصار العرب ولايات تابعة لإمبراطوريتهم الإسلامية العظمى. ولما وهنت شوكة أمبراطوريتهم العظيمة بعد قرون من الهيمنة العالمية وتفككها انفصالياً، أستولى الاستعمار الغربي على الإيالات العربية مستخدمين العرب لمحاربة الخلافة العثمانية بحسبان الأتراك دخلاء مستعمرين يقفون حائلا بين العرب واستقلالهم وبناء مملكتهم العربية الكبرى. فكانت مسخرة "الثورة العربية الكبرى" التي أفضت إلى سايكس ـ بيكو ووعد بلفو وتوجيد إسرائيل.

والحال أنه، بعد خصم دور الرواد العظام في إبداع عصر النهضة العربية، وبعد خصم محاولة النهوض القومي الناصري المُجهضة بهزيمة 5 يونيو 67، وبعد خصم إضاءات حركة تحرير الجزائر الأسطورية وحركات المقاومة الحيّة في فلسطين ولبنان، وبعد خصم حركة الحداثة العربية الأصيلة، فإن ما لدينا اليوم، في الواقع العربي التاريخي الجاري، صورة مُقرَّبة لإنحطاط أمة بوسع قارة متشرذمة إلى أنظمة، في معظمها حتى لا نعمم، مستبدة بشعوبها من جهة، وخانعة، من جهة أخرى، للروم الجدد وشايلوكهم الصهيوني.

في هذا الواقع العربي المزري، يظهر من صوب الإعلام العربي المتطوي على هوى عبري، معلقون ومحللون يمتلكون قدرة خارقة على الصفاقة في الترويج للرواية الإسرائيلية من حيث توصيف إيران كخطر على العرب أكثر من إسرائيل. وهم يقيّمون الدور التركي الداعم للقضايا العربية، وفي قلب منها اللقضية الفلسطينية، على أنه تنافس فارسي ـ عثماني للسيطرة على القرار العربي (وكأن هناك قرار عربي حقاً!!)

وتعكس هذه الأراء، التي تروجها وسائل إعلام أنظمة الاستبداد والتبعية، سياسة ما يسمى بـ "محور الاعتدال"، الذي هو في الحقيقة محور مناعمة (من نعم). بمعنى مناعمة أنظمة هذا المحور لما تطلبه أمريكا (إسرائيل ضمنياً) منها كي تنال رضاها عن حكمها وتسكت عن استبدادها بشعوبها. وما تطلبه واشنطن، في هذه المرحلة، وبالدرجة الأولى، يتركز على إستعداء العرب ضد الإيرانيين، بوصفهم (عرقياً) فرساً ومجوساً، واستعداؤهم (مذهبيا) بوصفهم شيعة روافض. وهم في الحقيقة التاريخية إخوة في الإسلام، حيث "إنما المسلمون إخوة"، بغض النظر عن خياراتهم المذهبية والسياسية التى أرتضوها لأنفسهم. أما تركيا أردوغان فهي، عند جوقة المانعمين، صاحبة مشروع عثماني جديد يستهدف الهيمنة على الأمة العربية (وكأن شأن الأمة العربية يعني هؤلاء حقاً!!)، أو هي، بتعبير آخر من لدن هؤلاء، تريد إحكام نفوذها السياسي في قضايا الشرق الأوسط للحصول على أوراق ضاغطة لأجل كسب عضويتها في الاتحاد الأوروبي (وكأن ليس من حق تركيا وهي الأمة المسلمة أن يكون لها نفوذ ومصالح مشروعة في مجالها العربي ـ الإسلامي، بينما وصلت الهيمنة الصهيوأمريكية على عرب الخنوع والتبعية إلى درجة غزوالجيوش البوشية العراق من أراضي عربية، بينما رفضت تركيا مرورها من اراضيها وهي العضو البارز في حلف الناتو!!)

إن موقف العرب الصحيح يفترض ، لو أن أنظمتهم تمثيل لإرادتهم (كما هو الحال في تركيا وإيران) الترحيب الموضوعي، بلغة المصالح المشتركة وضرورات الأمن القومي العربي، بقوتين إقليمتين لا يمكن لهما أن يكونا عدوين، لأنهما إخوة للعرب في الإسلام. وذلك ليس مجرد كلام عاطفي منثور للشكر والعرفان. إنما تبني موضوعي لمدخلات التاريخ ومخرجاته المشتركة بين العرب والفرس والترك في بوتقة الإسلام الحضاري. وفي رأيّ أن أنظمة المانعمة للمشروع الصهيوأمريكي لن تنجح في تعمية وعي الشعوب العربية، بلغة الفتنة الطائفية، ودغدغة النوازع القطروية على مبدأ "مصر أولاً ... الأردن أولاً ... السعودية أولاً.. لبنان أولاً ..إلخ" للتنصل من قضايا الأمة العربية والإسلامية، التي تقف منها إيران وتركيا موقف المدافع والمؤازر.

وفي الختام فإن تلك الأنظمة، المستبدة بشعوبها والخانعة للسيد الأمريكي، بجوقتها الدعائية المتصهينة، مقبلة، أكانت تدرك أو لا تدرك، على نهاية حقبة الاستبداد والتبعية في غضون عقد قادم (بالكثير!!!). وأخص هنا مصر ( ففي نهوضها نهوض للعرب وفي هوانها هوان لهم). إذ لسوف تصبح مصر، في المستقبل المنظور، في عهدة نظام وطني ديموقراطي، لا يفهم لمصر دوراً إلا بما هي قائدة لأمتها سياسياً ورائدة لها حضارياً (ولن يكون رئيسها البيه بواب معبر رفح)... عندها سيقع تقييم دوري ايران وتركيا، من منظور الأمن القومي العربي، بحسبانهما قوتين إقليمتين كبرتين مضافتين لقوة العرب الناهضة بفضل أنظمة وطنية ديموقراطية تستمد شرعيتها من رضى شعوبها عنها وليس من رضى البيت الأبيض عبر تل أبيب...

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في صحيفة "القدس العربي" بتاريخ 14 يوليو 2010


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home