Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس، 26 يونيو 2008

تلاقح الحضارات بين المأمون وأرسطو..! (*)

فرج بوالعَـشّة

بظهور الإسلام، وبدءاً من عام الهجرة، بدأ التاريخ الإسلامي. وعُد ما قبله من عادات وتقاليد وأعراف وآداب وقيم، مجرد تاريخ جاهلي، بعدما أخرجت الرسالة المحمدية الناس من الظلمات إلى النور في نزعة أممية إنسانية شمّالة للأعراق والقوميات والثقافات....

جاءت الرسالة المحمدية بتصوِّر انقلابي لوجود العرب المبعثر في بطون وأفخاذ قبلية ضائعة خارج التاريخ، تلتقي على عبادة360 إلهاً مقامة في مجمع الكعبة بمكة ـ المركز التجاري الحضري لقبائل العرب المتشرذمة والمتناحرة في اجتماع اقتصاد بدوي ـ رعوي ـ شبه زراعي في فضاء ثقافة وثنية حسية..
كانت الحاجة التاريخية ملحة لتدشين وعي تاريخي جديد يفتتح لحظة انبثاق خطاب الوحي ـ الرسالة، ويقطع، فاصلا، مع ما قبلها.إنها نهاية تاريخ لبداية تاريخ جديد...
الحضارة المسيحية ربطت ميلادها بميلاد السيد المسيح حسب التقويم الشمسي أما الحضارة الإسلامية فقد اتخذت من هجرة النبي «صلى الله عليه وسلم» بداية تقويمها القمري كون الهجرة علامة تاريخية فارقة للدلالة على هجرة مكة الجاهلية إلى المدينة المنوَّرة، أي الخروج من التاريخ القديم والدخول في تاريخ جديد بتأريخ «كرونولوجي» جديد، مفارقا بخطابه الحضاري الكسمولوجي حضارة الروم المسيحية المتسيدة في القسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط المتوسط، وكذا الحضارة الفارسية المحتضرة، آنذاك، واللذين(الرومانية والفارسية) ستُهزَمان وتتنازلان عن السيطرة على المنطقة لصالح القوة الجديدة المندفعة في فتوحاتها الكاسحة عسكريا وثقافيا.فيحدث أن ينسحب الروم إلى مركزهم في القسطنطينية، وتدمج الحضارة الفارسية في ثقافة الحضارة الإسلامية الوليدة...

كان الخطاب الإسلامي وتصوره الكسمولوجي يمثل رؤية شمولية للكون والتاريخ.فرسالته نهاية الرسالات ونبيه خاتم الأنبياء. وتحت لواءات هذا التصور تم توحيد القبائل العربية في مضمون ديني وهوية حضارية أممية إنسانية شمّالة للشعوب والقبائل والأقوام، وتفتّح عقلاني طلاّب للمعرفة والعلم" اطلبوا العلم ولو في الصين" على ما جاء في الحديث النبوي...

وبعد وفاة الرسول «صلى الله عليه وسلم»، وفي عهد الخلفاء الأربعة انطلق تاريخ الصراع السياسي الدامي مُدشِّنا بأسلوب الاغتيال السياسي (اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب والخليفة عثمان بن عفان والخليفة على ابن أبي طالب).. وتطوّر الأمر إلى حروب أهلية تخمد وتشتعل..وهكذا لم تنقطع الثورات والحروب منذ التدشين الأيديولوجي (تدوين السنة) في خدمة سلطة الأمويين ثم العباسيين في فضاء نمط إنتاج إقطاع عسكري (خراجي)...

يُعد معاوية بن أبي سفيان هو المؤسّس الفعلي للدولة العربية الإسلامية وفق أسلوب حكم إمبراطوري مستمد من الفرس والرومان مسقطا مبدأ الشورى...
مع معاوية تعمّق توظيف الوعي الديني سياسيا وصياغة أيديولوجية إسلام سنّي رسمي إذ تحول الجامع إلى وكالة أنباء دينية رسمية والإمام إلى منظِّر أيديولوجي والفقهاء إلى مثقفي سلطة وحراس عقل تدويني يراكم تراث سلطوي يضيِّق خناقه على منهج الاجتهاد العقلاني المهمِّش والمنبوذ والمكفَّر!

وهكذا صار النص الأصلي موضوعا لتفسيرات بحيث تراكمت التفسيرات على التفسيرات والشروح على الشروح وتداخلت الفروع بالفروع..تمذهبت وتشيعت الأيديولوجيا عبر الفتوحات كما تراكمت الثروات والمعارف...
كانت شهية امتلاك المعرفة عظيمة في عصر الترجمة الذهبي وبواسطة مترجمين مسيحيين (سريان) وفرس وعرب نقلوا قسطا وافرا من معارف وعلوم الإغريق للتعلم منها واستيعابها ومن ثم تجاوزها إلى ابتداع خصوصية حضارية إسلامية تأصلت في فضاء إسلامي أممي متعددة الأعراق والإثنيات والثقافات...وليس من غير دلالة حضارية عميقة رواية أن المأمون حلم بمقابلة أرسطو حيث دار بينهما حوار فكري متبادل عن الجمال والعقل والقانون... وقد حفّز هذا الحوار الحضاري الحلمي المأمون على توسيع أفاق مؤسسة "دار الحكمة" لتعميق انفتاح العقل العربي الإسلامي على الثقافة الإغريقية ومقاربة فكرها...

كان زمنا حضاريا مزدهرا ومزّهرا لقرون عديدة في الوقت الذي دخل فيه غرب المتوسط (الأوروبي) في زمن القرون الوسطى...كانت روح الإسلام الإبداعية فتحا حضاريا خلاّقا في اللغة وفي الكيمياء والحساب والجبر والهندسة والمعمار والفلك..روح شغوف بفض المغالق اللامتناهية نحو رفع الحجب عن معنى الوجود في اللامتناهي الأكبر واللامتناهي الأصغر..في التجربة الروحية كما في التجربة العلمية..في إبتكار الصفر «نقلا عن الهند» وقد سماه العرب بالخيّر والمظفّر لكونه بمثابة الرمز الشفري في حل معادلات الوجود الذهني/الرياضي وتأسيس النظام الرقمي الذي وصل إلى ما وصل إليه اليوم...

لقد جرى اتصال العقل الحضاري الإسلامي بالعقل الحضاري الإغريقي وفق منهج شرعي اقتضى إقصاء مقصود للأساطير والشعر الملحمي والمسرح والفلسفة ذات النزعة المادية ـ الذرية والسفسطائية والأبيقورية بحسبانها تراثاً وثنياً يقدس تعدد الآلهة... وبذلك لم تحضر روح الفلسفة الإغريقية بعمق إلا في ما تسرب من مذهبها الذري في فلسفة الاعتزال الإسلامي المهمشة..أو في التيار العقلاني الأرسطوطاليسي وخصوصا عند الشارح الأكبر ابن رشد...

إن تحديد الزمن التاريخي في إن (ما كان يكون سيكون) هو من دواعي منطق مصادرة الحراك لصالح الثبات، والإبداع لصالح الإتباع، فيغدو واقع الحال في حالة رقود وثوقي لعقول كسولة خاملة سعيدة بجهلها.. ويصبح الحاضر والمستقبل متضمنا في الماضي ويقصى نهائيا من منهج التفكير والتحليل مبدأ السبب والنتيجة ويسيطر منطق الجبرية والقدرية الرضوخية الجهول على جل متن الاجتماع الذي لا يسعفه نبضات وإضاءات تنويرية خافتة مشتتة هنا وهناك في الهوامش والحواشي والمنافي...!

هذه الروح الخائرة والذهنية الخرافية والذاكرة الاتباعية أدت إلى تحلل المركز الحضاري في بغداد، وكذا في أطرافه الانفصالية، وأصبح تغيّر الخليفة بخليفة آخر، عمل روتيني من أعمال حراس وموالي الخلافة. كان الزمن الحضاري يتآكل في المشرق فيما كانت الحاضرة الأندلسية تعيش أواخر زمنها الذهبي المنقطع عن أبوة المشرق المتداعي تحت سنابك الاجتياح المغولي.وكذا كانت الحاضرة الأندلسية المنخورة بحروب أمراء الطوائف، تساقط إماراتها إمارة فإمارة في سلة حروب الاسترداد المسيحية الإسبانية...!

كان الزمن الحضاري الأندلسي ينطفئ بؤرة بؤرة مسدلا إظلامه التدريجي على مشهد العقلانية الرشدية ومقالها الفاصل ما بين الشريعة والحكمة من اتصال...!
إن استرداد الأندلس بقوة سيف المسيحية الإسبانية الناهضة قوميا وإمبراطوريا نحو اكتشاف العالم الجديد (في العام الذي سقطت فيه غرناطة) كان ذروة سقوط واندثار العقلانية في الفكر العربي الإسلامي.إذ حُرِّمت الفلسفة بمرسوم سلطاني وهيمن منهج التلقين والتحفيظ، بالفلقة، وأطبقت على العرب قروسطية في قبضة إنكشرية عثمانية، في الوقت الذي خرجت فيه أوروبا من كهفها الكنسي القروسطي تفرك رؤيتها وتقدح عقلها مضيئة دروبها إلى المستقبل ومخلفة تراث الخرافات وذهنية التحريم وتقاليد التخلف تبلى وتُباد...

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 26 يونيو 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home