Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 26 April, 2007

عـزمي بشارة: المعـركة هـنا!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

الحملة الإسرائيلية المنظمة، سياسيا وأمنيا وإعلاميا، ضد عزمي بشارة، المثقف والمناضل الفلسطيني العروبي، تستهدفه كمثقف عضوي، مسجل خطر على الإيديولوجيا الصهيونية وديموقراطيتها اليهودية العنصرية. مسلح بكلمات فتاكة، ذخيرتها عقل فكري ـ فلسفي نقدي، مؤسس على دراسات «ما بعد الكولونيالية» ومناهجها التحليلية الحديثة في دراسة خطاب الهيمنة الكولونيالية ـ الإمبريالية، وكشف كيفياتها وآلياتها (السياسية ـ السوسيوثقافية) في إخضاع المستعمَر (بفتح الميم) وثقافته المقهورة لسيطرة المستعمِر (بكسر الميم) وثقافته القاهرة!

وكون عزمي بشارة، إلى جانب أنه مثقف عضوي جذري، هو قائد سياسي مناهض للدولة، فإنه يتوسل، من تحليله وتعريته للنموذج الكولونيالي الصهيوني العنصري، بحسبانه آخر احتلال استطياني استئصالي استحلالي، قائم على وجه الأرض، وبرعاية من الكولونيالية الكلاسيكية الأوروبية الغاربة ووريثتها الأمريكية الناشبة في طورها النيو إمبريالي، استخلاص رؤية فكرية منهجية لطبيعة المشروع الاستعماري الذي يواجهه شعبه، داخل إسرائيل بالتحديد. وبالتالي الاستدلال على مشروع جمعوي شامل للمقاومة المدنية!

ومن هنا مصدر الخطر الذي يشكله عزمى على الإيديولوجية الصهيونية، لأنه يمثل طرازاً حداثياً لصورة المثقف القيادي، الذي يؤسس وعيا جمعويا، سياسيا وفكريا (ثقافيا)، لدي فلسطينيي الداخل، يمكّنهم من الإدراك المعرفي العقلاني لطبيعة الدولة اليهودية(الصهيونازية). وبالتالي تمكين ذاتهم الجمعوية من هويتها الثقافية الخاصة، ومقاومة التدميج القسري لها في الثقافة الصهيونية المهيمنة!

ولأن سدنة الصهيونية، في الحكومة والقضاء والأمن والإعلام، يخشون أفكاره، منعت المحكمة نشر أي تفاصيل عن قضيته. ولجأ الادعاء إلى تلفيق التهم الأمنية ضده، مثل «الاتصال مع العدو اثناء الحرب» والمقصود حزب الله وسوريا خلال الحرب على لبنان. وهنا يقول بشارة: «لقد فشلوا في الماضي بإلصاق تهم جنائية (ضدي) من نوع التحريض على العنف وفشلوا في التهم الدستورية من نوع (مناداته بتحويل إسرائيل) دولة لجميع مواطنيها أو عدم الاعتراف بيهودية الدولة، والآن جاء دور التهم الأمنية بالتفسير الإسرائيلي للأمن».. وهو ما يُعتبر مقدمة للزج به في السجن، أو تصفيته جسديا على يد صهيوني ـ «مختل عقليا» ـ، على دارج توصيف كل إسرائيلي يقتل فلسطينيا بالمجنون لرفع الذنب واللوم عنه!

إن الخطر الفكري ـ السياسي، الذي يشكله عزمي بشارة ومشروعه، يُذكّرني بالخطر الفكري الذي شكله ولا يزال يشكله إدوارد سعيد (حتى بعد موته) على الإيديولوجية الصهيونية المؤسِّسة للدولة اليهودية، من خلال مواقفه ونشاطه السياسي على المستوى العالمي في مناهضة الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما ما كتبه بالإنجليزية عن القضية الفلسطينية في ثمانية كتب، تُرجمت إلى أكثر من 35 لغة. كشف فيها، بالتحليل المنهجي، حقيقة الحركة الصهيونية كحركة استعمارية عنصرية اقتلاعية. ولأنه حامل للجنسية الأمريكية فلم يكن من الممكن اعتقال إدوارد سعيد ومحاكمته، فقاموا بشن حملة دعائية عالمية، منظمة ومتواصلة، ضده، بوصفه معادا للسامية والسلام، وداعية كراهية وعنف. وقد استخدموا كما قال: «ضدي كل الوسائل بغية إخافتي وإسكاتي بدءًا بالمقالات والتعليقات المغرضة في الصحافة وانتهاءً برسائل الشتم والتهديد بالقتل بما في ذلك تلك التي كان وراءها الزملاء (الأكاديميون) الذين أكتشفُ فجأة ولاءهم للكيان الصهيوني»!

وحدث الأمر نفسه مع محمود درويش، الذي يشكّل شعره أوذيسيا الوجدان الفلسطيني المقاوم، المترجم إلى عشرات اللغات الأجنبية. وقد اهتز الكنيست، سخطاً، بسبب قصيدته «عابرون في كلام عابر»، حيث وقف اسحق شامير، رئيس الوزراء وقتها، منددا بها، واعتبرها دعوة لتدمير إسرائيل. ولا ننسى عديد المثقفين الفلسطينيين الجذريين الذين اغتالهم الموساد، مثل غسان كنفاني وكمال عدوان وماجد أبو شرارة، وغيرهم!

وبالمقابل تقوم الدولة الصهيونية بتكريم المثقف الفلسطيني، الذي يتأسرل فكريا وثقافيا، كما حدث مع أميل حبيبي الذي مُنح «جائزة إسرائيل للإبداع»، لأن أدبه وفكره، وإن كان مكتوبا باللغة العربية، يتماهي في الحركة الصهيونية، إلى درجة أنه برأها من العنصرية، ليصبغها على العروبة ويصم الحركة القومية بالفاشية. كما أنه اعتبر الفلسطينيين مجرد مجموعة سكانية تمثل جزءا ملحقا بالدولة اليهودية. وهوالقائل: «لا يوجد في اسرائيل قوميتان، وانما يوجد شعب اسرائيلي واحد». وهو ما يتماثل مع الرغبة الصهيونية في جعل الفسلطينيين يكتفون بمواطنة الدرجة الثانية في ممارسة حياتهم اليومية. وبمقعد الدرجة الثانية في كنيست دولة الديمقراطية اليهودية!

من هنا جوهرية الرؤية، التي يمثلها عزمي بشارة، وجذريته التأسيسية في التعامل مع القضية الفلسطينية، داخل ما يسمى بالخط الأخضر، كقضية تقرير مصير. وليس باعتبارها قضية مطلبية لتحسين مستوى المعيشة ومستوى الحقوق المدنية في إطار «الديموقراطية اليهودية»، وعلى أساس الموالاة لدولة إسرائيل. وإنما من حيث كونها حركة مقاومة شعبية مدنية، تقوم على خط فكري ـ سياسي، مسنود بقراءة تاريخية نقدية مزدوجة، للذات الفلسطينية، بحسبان وجودها من وجود الأرض، وللآخر ـ الغير (الصهيوني)، باعتبار وجوده وجودا اغتصابيا استحلاليا، قائما على قوة الإلغاء المادي والثقافي للوجود الفلسطيني الأصيل. ولذلك يشترط فعل المقاومة تحرير الذات الفلسطينية من «دعة» الركون المستسلم للاستلحاق بـ أو الانسحاق في الأسرلة، إلى التعويل على امتلاء الذات بالثقة في أصالتها، لإعادة صياغة الهوية الثقافية الخاصة، في سياق خطاب مقاومة مدنية متأصل في الوعي التاريخي التحرري بالوجود الفلسطيني كوجود أصيل، بحكم الجغرافيا والتاريخ، في مواجهة وجود صهيوني استعماري طارئ، بحكم القوة السالبة!

وهو ما يجعل الفلسطينيين يستمدون، كما يقول بشارة: «حقهم في الوجود على الأرض من وجودهم الفعلي عليها جيلاً بعد جيل. وبهذا المعنى، مضافاً إليه البعد الثقافي والديني والقومي وغيره، هذا هو وطنهم. والمقصود أن وطنهم ليس إسرائيل، بل البلد الذي قامت على أنقاضه دولة إسرائيل. ولذلك وطنيتهم ليست وطنية إسرائيلية بل فلسطينية.....».

ولأن بشارة مثقف ما بعد كولونيالي، مناهض للهيمنة الثقافية للخطاب الكولونيالي الاستئصالي، أعطى للوجود الفلسطيني داخل إسرائيل هوية السكان الأصليين، في سياق فصل وجودي هوياتي ما بين الهوية اليهودية الصهيونية الاحتلالية (للأرض والذاكرة)، وبين الهوية الفلسطينية العربية (إسلامية ـ مسيحية) الرافضة والمقاومة لسياسات التدميج التبعي. وذلك لا يتأتى إلا في ضوء مشروع فلسطيني عروبي مناقض، على كل الخطوط، للمشروع اليهودي الصهيوني. وبتعبير عزمي: «ولا يوجد مشروع يمكن تسميته مشروعاً شاملاًَ للجماهير العربية تتميز به سوى: أولاً، ان الدولة لكي تكون ديموقراطية ولكي تتحقق فيها المساواة يجب ان تكون لجميع مواطنيها، وهذا يعني ان المساواة والديموقراطية إذا طرحت بشكل مثابر وصحيح لا يصح ان تكون اندماجية في الصهيونية أو على هوامشها، بل مناقضة ومنافية لها. وثانياً، انه في هذه البلاد تعيش قوميتان واحدة منهما هي قومية الأصلانيين، وأن العرب الذين بقوا هم جزء من القومية الأصلانية. لا يوجد مشروع آخر. وهم يعلمون أن هذا المشروع لم يعد حزبياً بل أصبح إرث كل شاب وفتاة عربية يرفضان التخلي عن عروبتهما وعن المساواة الكاملة، ويرفضان نظام الوصاية الاستعماري الطابع (.........) يجب ان نتذكر اننا اصحاب الارض الاصليون. يريدوننا ان نتصرف كأننا ضيوف في أرضنا، وان نثبت لهم كل الوقت ان كل شيء يسير على ما يرام. كل شيء لا يسير على ما يرام. اننا فلسطينيون عرب، ابناء هذه الارض، وسنقوم بما هو مناسب لمقاومة الاحتلال والعدوان»!

وأمام مشروع كهذا تتهاوى أوهام المساواة والعدالة في دولة يهودية صهيونية، تعتبر: «شمل العائلات من جانبي الخط الاخضر يشكل خطرا على أمن الدولة لأن هذا الحق الأساسي قد يمنح بطاقات الهوية الاسرائيلية لبعض الأطراف الخطرة». على حد تعبير اسحق ليئور، يهودي مضاد للصهيونية، في صحيفة هآرتس!

إن إسرائيل تتعامل مع الوجود الفلسطيني الديموغرافي، داخل الخط الأخضر، على أنه خطر استراتيجي. أي قنبلة ديموغرافية موقوتة، مدمرة لمستقبل وجود الدولة اليهودية. وبهذا المعنى فإن بشارة منظر استراتيجي لهذا الخطر. وقد كان تصريح رئيس الشاباك واضحا عندما طالب بوضع حد لما سماه بـ«ظاهرة عزمي بشارة»!

والحال أن خطرا حقيقيا يتهدد سلامة عزمي بشارة، في حالة عودته إلى إسرائيل. فقد يتم اسكات صوته وشل نشاطه، أي وضع حد لظاهرته بالسجن أو التصفية الجسدية. ولا أملك إلا أن أدعوه ألا يمنح النازيين الجدد فرصة إسكاته وشل نشاطه، بأن يبقى، حرا كما قال: «في اختيار الإيقاع وقواعد اللعبة..» ويمكن له، عبر «الجزيرة»، غرفة عمليات الوعي العربي الناهض، أن يتواصل مع شعبه، ويواصل، على نطاق الأمة، تحليل الخطاب الصهيوني وكشف أحابيل السياسات الإسرائيلية وأكاذيبها «الشالومية»، من جهة، ومن جهة أخرى تبيان أصول الخطاب القومي الديموقراطي الحديث، في نقد أنظمة الاستبداد والتبعية العربية، والتنظير لعروبة إنسانية ضد عرقية، في أفق مشروع عربي نهضوي تحرري.. فهل تضيف «الجزيرة»، إلى جانب محمد حسنين هيكل، عزمي بشارة، في برنامج اسبوعي يُعنى بتحليل الأحداث والقضايا العربية من منظور عقلاني تنويري، يجيده بشارة. ويحتاجه العقل العربي المُجهَّل؟!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 26 أبريل 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home