Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 26 فبراير 2009

المثقف المنقلب على مواقفه...!! *

فرج بوالعَـشّة

1
ماذا عن المثقف الذي ينخرط، بواعز إيماني صادق، في مناصرة "مشروع سياسي"، استطاع التمكن من الوصول إلى السلطة.. ويعمل بجد واجتهاد، من أجل الدفاع عن موقفه المناصر... ثم ينقلب على الضد منه؟!.. أي ينقلب من اليسار إلى اليمين؟! ولقراءة هذا الانقلاب التحولي يعرض إدوارد سعيد صورة لمثقف إيراني تعرف عليه العام 1978 في ديرة الغرب:"كان كاتبا واستاذا ذا إنجازات كبيرة وعلم جدير بالاعتبار، قام بدور هام في فضح عدم شعبية نظام الشاه، وبدور هام أيضا، لاحقا في تلك السنة ذاتها، في التعريف بالشخصيّات البارزة الجديدة التي كانت على وشك تسلّم السلطة في ظهران...."..!
وعندما انتصرت الثورة الإيرانية العام 1979، التي تحولت سريعا إلى ثورة إسلامية خمينية، تمكنت من السيطرة على أدوات السلطة، عمل لأجلها سفيرا في إحدى الدول الغربية:"وأذكر أني ـ يقول إدوارد سعيد ـ حضرت وإيّاه،بعد سقوط الشاه،ندوات عن الشرق الأوسط، واشتركت معه في واحدة أو اثنتين منها. كنتُ أراه في أثناء الأزمة الطويلة جدا للرهائن، كما سميّت في أمريكا، فيعبّر بانتظام عن عذابه النفسيّ الشديد، وحتى غضبه من الأوغاد الذين دبّروا عملية احتلال السفارة الأمريكية في طهران وما تلاها من احتجاز خمسين أو نحو ذلك من المدنيين كرهائن. وكان الانطباع الجلي الذي تركه في ذهني أنه رجل جدير بالاحترام، التزم بالنظام الجديد، وصولا إلى الدفاع عنه، لا بل حتى إلى خدمته كمبعوث وفي في الخارج..."...! ثم ترك منصبه كسفير وصار مستشارا مقربا من الرئيس بني صدر.. وحدث وأن عزل الخميني بني الصدر، الذي هرب إلى منفاه الفرنسي. فلحق به مثقفنا بعد معاناة صعبة في تدبير هروبه..!
وفي منفاه الغربي تحول إلى:"ناقد علني صاخب لإيران الخمينيي، يهاجم الحكومة والرجل اللذين سبق له أن خدمهما، من على المنابر إيّاها التي اعتلاها سابقا في نيويورك ولندن للدفاع عنهما معا. لكنه لم يفقد حسّه الانتقادي للدور الأمريكي، ودأب على التحدث عن إمبرياليّة الولايات المتحدة..".. لكنه ما لبث، بعد أشهر، أن انقلب على مواقفه، أثناء حرب الخليج العام 1991، عندما خاضت الولايات المتحدة، والمتحالفون معها، حرب النفط العالمية النفطية بدعوى "تحرير الكويت"..!
انقلب المثقف الإسلاموي الثوري إلى مؤيد شرس للحرب الأمريكية على العراق. وصار يرى كما يقول إدوارد سعيد:"شأنه شأن عدد من مثقفيّ اليسار الأوروبي، أن من واجب المرء في حال نشوب نزاع بين الإمبرياليّة والفاشية،أن يقف في صف الإمبرياليّة. ودُهشت لأن أيّاً من أولئك الذين صاغوا هذين الخيارين الهزيلين لم يخطر في باله أن من الممكن فعلاً، بل من المرغوب فيه حقّاً، فكريّاً وسياسيّاً على السواء، رفض الفاشية والإمبرياليّة كلتيهما معاً.."
قصد إدوارد سعيد من هذه القصة الصغيرة، كما سماها، تبيان طبيعة المأزق الأخلاقي الذي ينتج عن تورط المثقف، ليس فكريا فقط، إنما مشاركة فعلية مباشرة في خدمة المشروع السياسي، لسلطة قائمة أو قوى مناهضة لها..وهي المشاركة التي قد تصبح ورطة ضميرية أخلاقية عندما يخيب أمل المثقف في ما يأمله منها، أو يعي تضارب مهامها مع مصداقية استقلاليته الفكرية.. والأخطر أن تقوده خيبته إلى الانقلاب الانفعالي المضطرب إلى أقصى الضد مما كان يؤمن به، أولدواع انتهازية بحتة تتعلق بقدرة عجائبية لنوعية من المثقفين على الانتقال من إيديولوجية إلى نقيضها كحاوٍ يخرج من كمه جرذان بيضاء نظيفة ومن أنفه مناديل حرير ملوَّنة..!
إن قصة المثقف الإيراني الذي تحول من مثقف يساري،معارض لديكتاتورية الشاه،إلى مؤيد سياسي لثورة الخميني الأصولية وموظف سياسي مرموق في دواليب دولته الدينية، ثم إلى مناصر متحمس للامبريالية الأمريكية متغنيا برسالتها الكونية، تذكرني بأصناف رديئة من مثقفي اليسار العربي الذين تحولوا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وافلاس التمويل "الثوري" المنفوط، لاسيما بعد غزو العراق 2003،إلى محافظين عرب جدد في استنساخ ركيك للمحافظين البوشيين الجدد.!

2
من ناحيته يظهر لنّا إدوارد سعيد، من موقعه كوطني فلسطيني، مثقفا متماسكا، موِّطن الهوية،بعد ترويض خبير، على ضبط العلاقة، عاطفة وعقلا، بين مكاسب الوجود في المنفي واعتبارات فقدان الوطن. بين عقلانية الثبات على الموقف الفكري ضد المنفي وضد الوطن أيضا عندما يتعارضان مع الموقف الوجودي منظور الإيمان بقيمة الإنسان حرا من قيد الآخر، كريما في عيشه، هانئا بهويته ..بمعنى أن المنفى قد يكون لحسن حظ المنفيّ،بغض النظر عن اسباب نفيّه المأسوية، موطنا أفضل من الوطن..مثل إدوارد سعيد الذي مع إعترافه بأنه منفي عن وطنه، فقد وطّن نفسه على البقاء في منفاه بقية عمره..أي،في رأي،لو لم يتعرض إدوارد سعيد للنفي القسري عن وطنه فلسطين،الذي يحب،لما حظينا بذلك المثقف الأنسي الكوني الذي صاره..!
ومن موقعه كمثقف أنسي كوني، معانقا قضية فلسطينه بحسبانها قضية ظلم إنساني، موحِّدا بها وفيها كل قضية ظلم، فردية أو جماعية، بحسبانها القضية نفسها، استنادا إلى محدداته الفكرية الحاسمة، من حيث هو ذلك المثقف العلماني العنيد"ربما على نحو غبي". حيث إن المثقف الحقيقي،حسبه،غير إنضمامي،غير حزبي،غير رسمي..والأهم غير مطروح للبيع..

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 26 فبراير 2009م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home