Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


Faraj Abul-Asha


Wednesday, 18 January, 2006

البروباغـندا الدونكيشوتية

فرج أبوالعـشة

في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، اخترع دهاقنة المحافظين الجدد سؤال: "لماذا يكرهوننا؟!". وأطلقوه على لسان الرئيس، كي يروج بين الأمريكيين. سيما وأن سذاجة السؤال تتوافق مع سذاجة التفكير الأمريكي، المعروف بمعرفته السطحية عن العالم والقضايا الدولية. أرادت الإدارة الأمريكية توظيف السؤال، في خلق شعور عام، لدى الأمريكيين، يُظهرهم على مثال "الأبرياء" المندهشين لكراهية الآخرين لهم. ويُظهر بلادهم على مثال أمريكا "الطيبة"، ضحية هجمات "البرابرة الهمجيين".

المنظرون والمحللون والمعلقون والدعاة، من أتباع إيديولوجية المحافظين الجدد والأصوليين المسيحيين المتصهينين، روجوا السؤال نفسه، الذي أُطلق على لسان الرئيس، ولاقوا الإجابات نفسها، التي رددها الرئيس، في خطاباته المتوالية: "إنهم يكرهوننا بسبب رخائنا" أو إنهم: "يكرهوننا بسبب مشروعنا الحر".. إلى غير ذلك من التفسيرات التضليلية، لإقناع الأمريكيين بأن الدافع وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر هو الكراهية لأمريكا، وللأمريكيين. وبالتالي إبعاد تفكيرهم عن البحث في الأسباب الحقيقية، التي جعلت السياسة الأمريكية ـ وليس أمريكا كأمة، أو الأمريكيين كشعب ـ مكروهة. لا في ديار العرب والمسلمين فقط، وإنما في بقية أنحاء العالم، ما عدا إسرائيل!

الإدارة البوشية ترفض أن تُعيد تركيب السؤال في صياغته الموضوعية والموضعية، على نحو صريح: "لماذا يكرهون سياستنا؟! "لأن ذلك يرتب عليه إجراء مراجعة نقدية لاستراتيجيتها، وتصحيح مواقفها المعادية لحقوق العرب، في استرداد أراضيهم المحتلة، ورفع الدعم والحماية عن مستبديهم، الذين يستمدون شرعيتهم من رضا البيت الأبيض عنهم، وليس من رضا شعوبهم. صحيح أن الرئيس بوش طرح رؤية فضفاضة لدولة فلسطينية. واعترف، وشكليا، بأن أمريكا"ارتكبت خطأ كبيراً على مدى 60 عاماً مضت، عندما غضت النظر عن غياب الديمقراطية في الشرق الأوسط بهدف المحافظة على مصالح آنية". وكان يمكن للقوى الوطنية الديمقراطية العربية أن تتعاطى بشيء من المصداقية مع مثل هذه التصريحات لو أنها تنزلت ممارسة حقيقية على الأرض، ولم تتحول إلى استخفاف مفضوح بعقول العرب ومشاعرهم. إذ سرعان ما أخذ السيد بوش يشيد بديمقراطيات الأردن والبحرين والمغرب ومصر وتونس. يهاجم النظام السوري. ويسكت عن "الجماهيرية العظمى". والأسخف تمجيده لـ"ديمقراطيته" العبثية في عراق الخراب والشقاق، على أنها مستقبل المنطقة من دمشق إلى طهران. أما رؤيته الفضفاضة، للدولة الفلسطينية، فقد كيّفها حسب مقتضيات رسالة الضمانات التي أعطاها لشارون. ليتحول وعده للفلسطينيين بدولة مستقلة إلى "بلفور" جديد للإسرائيليين بعدم تقسيم القدس، وعدم العودة إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وعدم عودة اللاجئين.

لقد كان من الواضح أن الإدارة البوشية المتصهينة قائمة على استمراء المخادعة وصناعة الأكاذيب، وتسويقها، بلغة الدعاية الإعلانية، على أنها الحقيقة بعينها. لذلك لم يكن مستغربا استعانتها بخبيرة الإعلانات تشارلوت بيرز ـ صهيونية ـ لقيادة حملة إعلامية دعائية لإقناع الشارع العربي بـ"طيبة" أمريكا، اعتمادا على نجاحها المدوي في تسويق أرز «اونكل سام»، مما يعني في التفكير الأمريكي (السوبرماركتي) نجاحها، بالضرورة، في تسويق صورة «العم سام» القادم بالحرية إلى العراق وبدولة فلسطينية على طبق من ذهب، سيما أن العرب يحبون الأرز حبا جما...!

وفشلت تشارلوت، في تحسين صورة أمريكا، من خلال بث إعلانات تليفزيونية تُظهر كيف أن المسلمين في أمريكا ينعمون بالحرية والرخاء. فجاءوا بسيدة ثانية، هي مارغريت تاتويلر ـ صهيونية ـ سفيرة أمريكا لدى المغرب، لتكون "المكلفة بالعمل على تحسين صورة الولايات المتحدة في الخارج". لكن أتضح فشل مهمتها بعد بضعة أشهر، فقدمت استقالتها، أو الغالب استقيلت. وقد ترافق ذلك مع الكشف عن فظائع "ابوغريب". وطبعاً لم تكن مارغريت من النوع الذي يستقيل احتجاجا على ما حدث من فظائع. فهي لم تكن بعيدة عن ممارسة أشكال منها أثناء القيام بمهمتها في العراق. فحسب ما نقلته صحيفة "الوطن" المغربية، يوم 24 أبريل، نقلا عن أوساط مقربة من السفيرة : "إن القرآن الكريم كان سببا في التعجيل برحيل السفيرة عن العراق، حيث منعت افتتاح إرسال التليفزيون العراقي الجديد بالقرآن، ومارست رقابة شديدة على نشرات الأخبار، بل ارتكبت خطأ فادحا بتكليف زوجة الزعيم الكردي جلال الطلباني بقراءة الأخبار قبل بثها..."

وبعدها جربوا رجل، فتم تعيين سفير سابق، هو كريستوفر روس ـ يهودي ـ، في منصب "المنسق الخاص للدبلوماسية الشعبية"، باعتباره يجيد اللغة العربية، وخدم في المنطقة العربية. وهو أيضا لم يستمر في عمله أشهرا، حتى تُرّك. وهنا تدخّل الرئيس بوش، شخصيا، في الأمر، عندما عيّن صديقته المقربة، كارين هيوز، في منصب وكيلة وزارة الخارجية للدبلوماسية العامة. وفي ذهنه، على ما يبدو، خبرتها الناجحة في الإدارة الإعلامية لحملاته الانتخابية، التي أوصلته إلى حاكمية ولاية تكساس، ثم حاكمية البيت الأبيض لمرتين.

ومن الواضح أن السيدة هيوز عادت بالفشل من جولتها التسويقية لأكاذيب سياسة "العم بوش" في المنطقة العربية. إذ ما كان لها إلا أن تصل إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها ملكة دعاية "الانكل بنز". كما فشلت إذاعة سوا ومحطة الحرة(نسبة مشهديها من العرب أقل من واحد في المائة) ومجلة "هاي"، في تحبيب أمريكا للعرب. بحيث لم يعد أمام السيد الرئيس، المغتاظ بشكل عصبي من الإعلام العربي، إلا أن يحيل مشروعه الدعائي الدينكيوشتي، إلى البنتاغون. فحسب صحيفة:"يو إس إيه توداي"، عدد يوم الأربعاء 14ـ12ـ2005، فإن البنتاغون على وشك إطلاق برنامج سري، تصل كلفته إلى 300 مليون دولار، يستهدف تحسين صورة أمريكا في العالم، وبالدرجة الأولى، العالم العربي والإسلامي. وكون البرنامج مُعدا في البنتاغون، حيث "مكتب التضليل الإعلامي"، فإن للمرء أن يتصور أساليبه في صناعة صورة أمريكا المشتهاة في عيني رامسفيلد منعكسة في عيون العالم. يعتمد البرنامج، في منهجيته، على خبراء في الحرب النفسية، مهمتهم برمجة خطة فعاّلة تؤدي إلى تكسيد:"إيديولوجية الإرهابيين" وشن حرب معلومات مضادة على تنظيم القاعدة، مقابل الترويج لـ:" التأييد في الخارج لسياسات الولايات المتحدة". ومن تلك الأساليب المقترحة:تمرير رسائل مؤيدة للسياسة الأمريكية في وسائل الإعلام الأجنبية دون الكشف عن مصدر تلك الرسائل. ودفع أموال لكتاب وإعلاميين يروجون للسياسة الأمريكية. وحسب تصريح أحد المسؤولين المطلعين على برنامج البنتاغون الدعائي السري، رفض الكشف عن اسمه، فإن الجهات المستهدفة، من الترويج للسياسات الأمريكية، تشمل المواقع الإلكترونية والصحف والمجلات والإذاعات وقنوات التلفزة. والبرنامج لا يخرج عن الروح الإعلانية العبيطة نفسها، عندما يقترح استخدام ملصقات ميدانية، وقمصان "تي ـ شيرت" تحمل شعارات ترفع من شأن أمريكا:"المنارة الحضارية". كما يشمل البرنامج الدعائي نشر مقالات وإعلانات وبيانات عامة.

ومن المتوقع إطلاق المشروع، بشكل شامل، حسب أجندته المرسومة، مع بداية هذا العام، في الدول الحليفة للولايات المتحدة، والى الدول الخالية من الصراع المسلح ضد المصالح الأمريكية. ولأن أمريكا هي أمريكا "الدولة ـ الشركة"، فقد عهد البنتاغون تنفيذ المشروع إلى شركات خاصة للتسويق الدعائي. ومنها شركة "لنكولن جروب"، المتعاقدة مع البنتاغون. التي قامت بترجمة مقالات خاصة إلى العربية. واستخدمت متعاقدين معها بالباطن، كي يقدموا المقالات المُعَّدة إلى الصحف العراقية، بصفتهم صحفيين بالقطعة، أو ممثلين لوكالات إعلامية. كما قامت بتوزيع تسجيلات مصورة على محطات تلفزة أمريكية، على أساس أنها قصص إخبارية وعندما انكشف الأمر، وعد المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" بإجراء تحقيق في الموضوع، الذي أصبح من اختصاص مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس، باعتباره يدخل في باب "الدعاية السرية"، المرفوضة حسب قوانين الكونغرس.!!

ووفقا للعبة توزيع الأدوار فإن الرئيس يعبر عن انزعاجه، أو يخوّل من يقوم بذلك، باسمه، كلما كشفت وسائل الإعلام عن تورط إدارته في فضيحة سياسية، رغم معرفة الجميع أن السيد الرئيس هو رأس اللعبة كلها. وفي هذه الحالة خوّل بوش مستشاره ستيفن هادلي للأمن القومي، الذي قال إن الرئيس منزعج جدا لهذه الأنشطة الجديدة في العراق(يقصد رشوة الصحافة العراقية لمدح السياسة الأمريكية)، وأنه قد يوقفها إذا تأكد له أنها تضر بجهود ما سماه بناء وسائل إعلام مستقلة في العراق. وإن الجيش الأمريكي سيجري تحقيقا في الموضوع. لكن ذلك مجرد تمييع للقضية. فالسيد رامسفيلد مستمر في مشروعه، وبموافقة الرئيس. فهما يبغضان وسائل الإعلام، الملتزمة بنقل الحقيقة. وغالبية الإعلاميين، الملتزمين بشرف المهنة، واثقون أن تفكير بوش في قصف الجزيرة كان رغبة جدية. ومعروفة حالات خروج رامسفيلد عن طوره السياسي الدبلوماسي في تهجمه المتكرر على قناة الجزيرة بالذات. وقد نقل عنه قوله إن على الإدارة الأمريكية الترويج لسياساتها بطريقة أفضل، لأن وسائل الإعلام: "تتناقل بسرعة أسوأ الأخبار عن أمريكا وعن الجيش، وتذيعها في كافة أنحاء العالم".

ومعروفة تصريحات الرئيس شبه الهسترية، أحيانا، ضد الإعلام العربي الملتزم. ومستمرة شكواه المتكررة. وأخرها ما جاء في خطابه بمناسبة تدشين، ما سماه:"مبادرة الأمن القومي لتحسين المهارات اللغوية لدعم تدريس اللغات الأجنبية"، عندما هاجم بعنف التليفزيونات العربية، لأنها حسبه:" لا تنصف بلدنا.. وغالبا ما تعطي انطباعا خاطئا عن الولايات المتحدة... (وتبث) دعاية غير صحيحة وغير عادلة ولا تعطي للناس الانطباع بشأن ما نحن عليه.. (وأنه) لا يمكنك ان تكتشف امريكا عندما تشاهد بعض محطات التليفزيون تلك.. لا يمكنك ان تفعل ذلك.. لاسيما في ضوء الرسالة التي تنشرها.."

وهكذا مرة بعد مرة، تخرج الإدارة البوشية من فضيحة لتسقط في أخرى. وستستمر على هذا المنوال، لأن انتخابها قام على الغش، ومقاصدها الاستراتيجية قائمة على الكذب. إن الإدارة الأمريكية، الحالية، تتعمد استغباء نفسها وشعبها قبل استغباء العرب والمسلمين. فمخططو عقلها السياسي الحاكم يدركون أن مشروعهم الإمبريالي في العراق، أكثر فشلا من التجربة الفيتنامية، ليس من منظور الخسائر البشرية، وإنما من منظور الأهداف السياسية الاستراتيجية. لكن "القيصر" بوش وأركان إدارته يكابرون مكابرة الإمبراطوريات المغرورة. فالإمبراطورية البريطانية كانت ترفض إلى آخر لحظة أن الشمس قد غربت عنها، حتى بعدما خسرت جوهرة تاجها: "الهند"، وقناة السويس. وأمريكا اليوم تعيش الطور نفسه تقريبا، ولكن بمعطيات عصرية مختلفة، وشديدة التعقيد. إن خروجها المرجح من العراق، بفعل المقاومة المسلحة أو السلمية، أو الاثنين معاً، سيتراجع عصرها، وينهار مشروعها لما تسميه بـ"الشرق الأوسط الكبير". مثلما تتراجع هيمنتها على حديقتها الخلفية: أمريكا اللاتينية. وتفقد عزوتها القديمة أوروبا"القديمة". صحيح أن القوة العسكرية الأمريكية الخارقة تستطيع أن تلغي العراق بالكامل من الوجود بقوة أسلحة الدمار الشاملة التي تملكها. لكن ذلك ليس هدفها. فهدفها في العراق، حسب الحلم البوشي، تحويله إلى بلد طيع التشكيل كما كانت اليابان وألمانيا، بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، مما يتيح للهيمنة الأمريكية السيطرة عليه لنصف قرن قادم على الأقل. لكن العراقيين، العرب المسلمين، هم من طينة أخرى، لا علاقة لها بعقلية اليابانيين أو الجرمان، علاوة على الظروف التاريخية المختلفة. عقلية العرب العراقيين سبق وأن اختبرها الجنرال البريطاني "ستانلي مود" قائد الغزو البريطاني للعراق العام 1917، باسم تحريره من "طغيان الحكم التركي"، كما جاء في بيان الغزو، مخاطبا العراقيين: "إن جيوشنا لم تدخل مدنكم وأراضيكم بمنزلة قاهرين أو أعداء بل بمنزلة محررين. لقد خضع مواطنوكم، منذ أيام هولاكو، لمظالم الغرباء، فتخربت قصوركم، وتجردت حدائقكم، وانّت أشخاصكم وأسلافكم من جور الاسترقاق. لقد سيق أبناؤكم إلى حرب لم تنشدوها، وجردكم القوم الظلمة من ثروتكم وبددوها في أصقاع شاسعة.... يا أهالي بغداد! تذكروا بأنكم تألمتم مدة ستة وعشرين جيلا، آذاكم الظلمة الغرباء الذين سعوا دائما أبدا إلى الإيقاع بين البيت والبيت لكي يستفيدوا من انشقاقكم. فهذه السياسة مكروهة عند بريطانيا العظمى وحلفائها، إذ انه، حيث العداوة وسوء الحكم، لا يستقيم سلام ولا فلاح، فبناء عليه أنني مأمور بدعوتكم بواسطة أشرافكم والمتقدمين فيكم سنا وممثليكم إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم الملكية لمعاضدة ممثلي بريطانيا السياسيين المرافقين للجيش كي تناضلوا مع ذوي قرباكم شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، في تحقيق اطماحكم القومية.."!!

وكان للعراقيين رأيهم الخاص، في تحقيق أطماحهم القومية، عبرت عنه ثورة العشرين، وما تلاها من حركات مقاومة جهادية متواترة ضد المحتلين الإنجليز وعملائهم المحليين. ولنتذكر أن الجنرال ستانلي مود مدفون في مقبرة الإنجليز عند "باب المعظّم"، بعد موته نتيجة لإصابته بالكوليرا، في 14 نوفمبر مساء 1917، حيث أخذ يتغوط، في إسهال مستمر، لمدة أربعة أيام، حتى فطس، في مساء يوم 18 نوفمبر.

faragasha@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home