Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Monday, 25 December, 2006

نهـاية الريادة المصرية!!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

هل انتهى، فعلا، عصر الريادة المصرية للنهضة العربية؟! والمقصود الريادة في مناحيها الحضارية المتعددة: ثقافيا (فكرا وأدبا وفنا)، واقتصاديا، وسياسيا... ؟! لكن قبل ذلك علينا أن نحدد، في خطوط عريضة، لحظة انبثاق النهضة العربية، ومحطات انقطاعاتها وتحولاتها!

انبثقت النهضة العربية، في طورها الأول بتأثير من صدمة الحداثة الحضارية، التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر 1798، في عقول المصريين ونفوسهم، بما ظهرت عليه، وجاءت به، من مظاهر تقدم عصري علمي مذهل، فوق تصور العقل الشرقي النائم في كهف الخرافة آنذاك!

وإذا كانت الحملة الفرنسية العسكرية قد جلت عن مصر 1802، فإن صدمة حداثتها الحضارية بقيت تفعل مفاعليها في أذهان المصريين وطرائق عيشهم. وكانت المحرِّض الجوهري لمشروع محمد علي النهضوي التحديثي 1805 - 1848، تعليما وعسكرة وتصنيعا، وقد أفضى، بالضرورة، إلى انبثاق حركة فكرية تنويرية نهضوية، تستهدف التوفيق بين الشريعة الإسلامية ومعطيات العصر الحديث، بأفكاره العقلانية، ومعارفه العلمية، واقتصاده السياسي، وطرائق عيشه العصرية، كما كان الحال مع المشروع الإصلاحي التنويري للشيخ رفاعة الطهطاوي، والشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا، وغيرهم من شيوخ التنوير.

ولأن مشروع محمد علي استهدف بناء دولة إسلامية عصرية قوية، مركزها مصر، بالتوحد مع سوريا، ومد نفوذها، من السودان إلى الحجاز، تحالفت الإمبراطورية العثمانية والدول الكولونيالية الأوروبية ضده. فاجتمعت بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا، بمشاركة الدولة العثمانية، في مؤتمر لندن، يوم 15 يوليو 1840 وأصدرت "معاهدة لندن"، التي تعهدت، بموجبها، الدول الأربع بمساعدة الدولة العثمانية على تحجيم مشروع محمد علي، وحصره داخل مصر، على أن يُمنح محمد علي ولاية مصر وعكا طيلة حياته، مقابل تخلي نظامه عن تمثيل السياسة الخارجية لمصر، وارتباطه بمركز الدولة العثمانية في الآستانة، ودفع الجزية لها، وتقليص عدد جيشه، وغير ذلك من الشروط، التي قبلها محمد علي، بعد هزيمة قواته على يد العثمانيين في سوريا، وإجباره على سحب جيشه إلى داخل مصر!

أما الطور الثاني، من الريادة المصرية للنهضة العربية، فقد تشكل مع اضمحلال الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، واحتلال بريطانيا لمصر، واتخاذها أنموذجا لنشر مشروعها الليبرالي الكولونيالي!

والحال أن النهضة العربية، الفكرية والأدبية والفنية والصحفية، الواسعة، التي ولدت في مصر، لم تكن أصولها مصرية صرفاً. كانت مصر حاضنة للعرب الذين لجأوا إليها، هربا من الاضطهاد العثماني أو الاستعمار الغربي الفرنسي والإيطالي أوللتجارة واستثمار أموالهم. وقد بلغ تعداد الشوام، من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين، أكثر من مئة ألف، مع بداية القرن العشرين. تركزت إقامتهم في القاهرة والإسكندرية. وشكلوا طبقة تجارية ـ برجوازية ناجحة. ظهر نشاطها الاقتصادي من خلال امتلاك البنوك والفنادق والمقاهي والملاهي والمؤسسات والوكالات التجارية الكبيرة. وكان نشاطهم بارزا وفاعلا في الطباعة والنشر وتأسيس الصحف، وإنتاج الأفلام، والموسيقى. وكان منهم الصحفيون والكتاب والمفكرون والمسرحيون والممثلون والمغنون!

وكما هو متوقع، مصلحيا، تحالفت الطبقة التجارية الشامية مع الطبقة العليا المصرية: (أعيان، باشاوات، ذوات) في خدمة الحكم الملكي من جهة، والمستعمر الأجنبي من جهة أخرى!

ولأنها كانت نهضة داخل مشروع المستعمر البريطاني، متطبعة بطابع ليبراليته الكولونيالية المستنسخة، حبلت بفسادها وتفسخاتها. كان تفسخ فسادها السياسي بيّنا في عمالة القصر الملكي للإنجليز.

وكان البرلمان لعبة القصر والسفارة البريطانية معاً. والحياة السياسية موبوءة بأحزاب إقطاع اقتصاد سياسي فاسد، يُسّيرها الأعيان والباشاوات وأصحاب الذوات. وكانت حرية الصحافة مزورة. وزج الجيش في حرب فلسطين بأسلحة فاسدة. كما كان بيّنا تمسّخ تلك النهضة في تقليد الطبقة البرجوازية المصرية الطرَفية لطرائق عيش الطبقة الإنجليزية المستعمِرة، في ما تلبس وتأكل وتسمع. وكان تزويرها الفني للواقع بيّنا في أغنية عبد الوهاب "محلاها عيشة الفلاح" بينما ذاك الفلاح يعاني عيشاً تعساً تحت نير باشوات الإقطاع. وفي حرص المخرج محمد كريم على غسل الجاموسة بالماء والصابون قبل تصويرها في أفلامها حتى تظهر نظيفة جميلة!

لكن ذلك لم يمنع من أن تكون الريادة المصرية حيوية وقائدة في المنطقة، من حيث حركتها الفكرية والأدبية والفنية. في الفكر والأدب والمسرح والسينما والغناء. وستكتسب قوة طاغية، في طورها الثالث، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانبثاق حقبة تصفية الاستعمار وحركات التحرر الوطني والثورات التقدمية. وذلك في حقبة النهضة القومية الناصرية، عندما تضافرت النهضة الفكرية الفنية مع الرؤية السياسية الوطنية ـ القومية في رفض الاستعمار والهيمنة والتبعية، وتحرير الإرادة الجماعية والتعويل على التنمية الذاتية. وكان من العناوين البارزة لتلك المرحلة النهضوية الريادية: قانون الإصلاح الزراعي، تأميم قناة السويس، والتصدي للعدوان الثلاثي، بناء السد العالي، الوحدة مع سوريا، وإصلاح الأزهر، وتحرر المرأة، وتأسيس الهيئات والمؤسسات المتنوعة الخاصة بتنمية الحياة الثقافية: دور طباعة ونشر، إذاعات، معاهد موسيقى، فنوناً شعبية، فنوناً تشكيلية، ومعاهد عليا للمسرح والسينما والفنون الشعبية، أوبرا، متاحف، دور عرض، مدن ملاه، قوافل ثقافية، سيركاً قومياً، باليه، اوركسترا سيمفونية. افتتاح التلفزيون العربي من القاهرة في 21 يناير 1960..!

كانت معظم الأنظمة العربية المعادية لمشروع عبد الناصر القومي، بسبب تبعيتها للمشروع الغربي، تخشى قائد الأمة، لأن في إغضابه إغضاب شعوبها. فكانت تجاري إرادته. فترضى بما يرضى به. كانت جامعة الدول العربية قومية تماما. وكان أمين عام الجامعة يستمد قوته وتأثيره من قوة وتأثير ناصر. وبالتالي كانت قرارات مؤتمرات القمة وبياناتها محكومة برؤية قائد الأمة. ورغم أن معظم الحكام العرب كانوا يعادونه في العمق، والكثير منهم تحالف مع أعداء الأمة لهزيمة مشروعه، إلا أنهم كانوا يخافون من سلطانه القومي على شعوبهم، فيضطرون إلى مسايرته، وهم يتمنون في الوقت نفسه الخلاص منه. لذلك تنفسوا الصعداء عند موته!

في رأيي أن بداية إصابة الريادة المصرية بالإعياء حدثت عندما شعر ناصر بالإعياء وهو يودع أمير الكويت، يوم 28 سبتمبر 1970، حتى كاد أن يسقط. لكنه كابر وتكبر على ألمه!

كانت جنازة ناصر، أبعد من كونها توديعاً تراجيدياً لبطل الأمة، هي توديع لعصر الريادة المصرية القيادية للعرب. وفي رأيي لم تكن هزيمة 5 يونيو 67 هي أسوأ ما حدث في عهد عبد الناصر، بل تنصيبه السادات نائبا له!

فبصعود السادات إلى رأس هرم السلطة، تحولت مصر من الجمهورية العربية المتحدة إلى جمهورية مصر العربية. انتهت حرب 6 اكتوبر ـ تشرين العظيمة إلى حرب تحريك خطوة خطوة على طريقة العزيز كيسينجر!

أُخرست أغنية النهار في حنجرة عبد الحليم، قبل أن يموت، وخلى صلاح جاهين باله من زوزو. وأصبح"المجد"لعدوية. رحلت أم كلثوم. وأصبح عبد الوهاب لواء الموسيقى الساداتية. تحول نجيب محفوظ من"أولاد حارتنا"إلى نهش عبد الناصر في"الكرنك". كما تحوّل توفيق الحكم من"عودة الروح"في مديح البطل المنتظر، إلى "عودة الوعي" في ذم عبد الناصر ومدح السادات. وأصبح أنيس منصور فيلسوف "الانفتاح". وصار إنتاج السينما ضربا من تهريب المخدرات. ولم يعد من الممكن التفريق ما بين استديو النحاس والباطنية!

وفي الوقت نفسه كان الطلبة الإسلاموين يدخلون الجنازير إلى الجامعة وكأنها سندويتشات. كان السادات يريدهم لضرب القوى الناصرية واليسارية، مدعيا انه الرئيس المؤمن!

ثم ظهر فجأة وهو طائر فوق عش بني صهيون. كان الصهاينة أكثر ذهولا من العرب وهم يشاهدونه يهبط من الطائرة بابتسامته البلهاء. كان ذلك إعلانا صاخبا عن نهاية ريادة مصر للأمة، بل خروجها منها. دون أن يعوضها غيرها!

قررت أنظمة العرب، في مؤتمر إخراج مصر الساداتية من ناديهم، نقل مقر الجامعة العربية إلى العاصمة التونسية. لكن روح العرب بقيت في روح المصريين.

بعدما هبط السادات على بني صهيون، تصارع قادة الانقلابات القومجية الفاشية على ريادة زعامة الأمة. ولم يكن أي منهم يليق بملء فراغ الخليفة الراحل. لم يكن ناصر ديكتاتورا على شاكلة أي منهم. إذ إن اصلب من يدافع عن عهد ناصر، حتى الآن، هم التقدميون الذين تعرضوا للسجن في عهده. كونهم يدركون، كما أدرك في هذه اللحظة، أن ناصر كان صاحب مشروع نهضوي ريادي لبعث الأمة العربية!

ولم تمض سوى سنوات معدودة حتى أعُلن الخبر المنتظر عن موت السادات.

وجاء مبارك!

والحال، بغياب ناصر، غابت الريادة المصرية القيادية للعرب، سياسيا وفكريا وفنيا!

سياسيا، يحكمه نظام تابع للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. يُذبح الفلسطينيون ويحاصرون ويُجوَّعون، على حدودها، ورئيسه المسن مستمر في تزويد إسرائيل بالنفط والغاز، والإبقاء على "السفارة في العمارة"!

اقتصاديا، الجنيه مصري، فقد 90 في المائة من قيمته، منذ وصول مبارك إلى السلطة. وهو فعلا جنيه مريض لاقتصاد عليل، بالخصخصة المتهورة، واستفحال الاستغلال والفساد، نهب المليارات وتهريبها للخارج. والنتيجة: قلة ثرية على نحو فاحش مقابل أكثرية الشعب الجائع. ارتفاع نسبة التضخم الفعلي إلى حوالي 20%. البطالة تصل إلى مافوق العشرين في المئة. عشرات ألوف الزبالين. عشرات ألوف أطفال الشوارع المشردين,مئات الألوف من ساكنين المقابر!

وهكذا، بعد 36 سنة على رحيل صاحب المشروع النهضوي القومي، تظهر مصر، المكبلة بقيود كامب ديفيد الصهيو-أمريكية، فاقدة ليس فقط لأحقية ريادتها القومية القيادية للأمة العربية، سياسيا وفكريا وأدبيا وفنيا، وإنما لحيويتها الإبداعية، فكرا وأدبا وفنا، في نطاقها القطري. حيث يدير وزير مؤبد ثقافة مائعة لخدمة اقتصاد السياحة والفرفشة!

وبتقزم دور مصر السياسي في قيادة الأمة، تحجم دورها الريادي، الفكري والفني. إذ توزع إنتاج الفكر العربي، كُتّابا وكتبا، بين لبنان والمغرب، ومنافي الغرب. وأحيل تراث السيد درويش إلى رعاية مارسيل خليفة، كي يطلقه في فضائه العالمي الفسيح. ووجدت الدراما المصرية الستينية تعبيرها الدرامي التلفزيوني الحداثي المتطور في الدراما السورية، التي تفوقت بقضاياها ومعالجاتها الفنية على الدراما المصرية المحنطة. كما هي الصحف القومية أهرام أخبار جمهورية محنطة شكلا وموضوعا. ومحنطة القنوات التلفزيونية، الأرضية والفضائية، مقابل تفوق المحطات الفضائية العربية. مثل الجزيرة والمنار والعالم وأبوظبي ودبي والحوار. . . وغيرها من المحطات العربية المُحترِمة لعقل المشاهد.. وفي الختام تظل مصر هي مصر، بمعناها الجيو سياسي ـ تاريخي. فهي، فوق من يحكمها بقوانين الطوارئ والتبعية للأجنبي، خلاصة أمة العرب. وإذا كان دورها النهضوي القيادي، سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، قد تجمد بفعل الرهان الساداتي ـ المباركي على الانقياد المريح للمهيمن الأمريكي وسنيده الصهيوني، فإن مستقبلها المنظور آيل إلى حكم ديمقراطي وطني، يفك عن مصر قيود تبعيتها المهينة، ويعيد مجدها القومي في ريادة النهضة العربية، في طور جديد، يجعل من القاهرة عاصمة الديمقراطية العربية الوطنية، ورأس حربة الممانعة القومية للهيمنة الأجنبية على العالم العربي.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الأحد 24 ديسمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home