Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 24 November, 2006

فضيحة العـرب التاريخية!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

حسب أساطير الفروسية العربية الفحولية، المروّجَة، ما ان تصرخ المرأة العربية:
وافحلاه. حتى يهب ذلك الرجل - الفارس - من أقصى المسافات، ليفك أسرها، ويأخذ بثأرها، بدءاً من عنترة - الفارس القبلي، وحتى المعتصم - الإمبراطور الكوني!
أما في واقع العرب الجاري، اليوم، في ظل حكام الاستبداد والتبعية، فلا حياة لمن تنادي. فقد بات واضحا أن المعتصم كان مجرد كذبة تاريخية بائخة. وعنترة العبسي ليس سوى خُرافةُ، بمعنى الحديثُ المُسْتَمْلَحُ من الكذِبِ، تُروى للمتبطلين خارج التاريخ في مقهى الكسل المريح!
وفي أفضل أحوال احتجاجهم يستحضرون تراثهم الشعري الذي ينفخ في بطولاتهم ومن حين لآخر يغفون على ركبة الخنساء وهي ترثي حالها وترثيهم.
اليوم النساء الفلسطينيات ليس عندهن وقت للرثاء.. وكل فلسطينية فعل مقاوم بذاته. وإذا ما عنَّ لهن السخرية من أشباه عبد الله الصغير، فإنهن يستعدن مقولة عائشة الحرة، التي صاحت بابنها أبي عبدالله الصغير، ملك غرناطة، عندما أجهش بالبكاء بعد سقوط مملكته: "أجل فَلتبك كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال". لكن عبدالله الصغير، المطرود من غرناطة، كان يملك على الأقل الشعور بالبكاء، ندما وحسرة. أما أشباهه، من باعة كرامة الأوطان، فمشاعرهم أبلد من مشاعر أبي رغال!
حكام غرناطات العرب اليوم ليس مطلوب منهم تسليمها والخروج منها، ثم البكاء على ضياعها. الملك فرديناند الأسباني الصليبي، بالأمس، يتجلى اليوم في صورة بوش اليانكي، الذي يفضّل أن يرى، في المنطقة، أشباه لعبد الله الصغير المعاصرين، راسخين في أنظمة مستبدة. مؤدين دور الوكلاء. مقايضين السيادة الوطنية بتأمين استمرارهم في الحكم، رغما عن محكوميهم.
ها هو الشعب الفلسطيني، لأكثر من سبعين سنة، على الأقل منذ ثورة 1936، يدفع ضريبة الدفاع عن بوابة الشرق العربي، دما وتشريدا وحصارا وتجويعا.
وكان يمكن إنقاذ مسرى نبي العرب، وثالث أحرامهم المقدسة، قبل استفحال السرطان الصهيوني، لو لم يكن أشباه أبي رغال وعبد الله الصغير، سادة القاهرة وعمان ودمشق والرياض... عشية نكبة 48!
عندها أدرك فتى العرب المنتظر، اليوزباشي الصعيدي، جمال عبد الناصر، أثناء حصاره وقواته، في الفالوجة الفلسطينية، ان فك الحصار عن فلسطين مرتبط بفك الحصار عن إرادة الشعب المصري، المخنوق، ما بين جور الملك المستبد الفاسد، وسيطرة المستعمر البريطاني!
أراد ناصر أن يرد إلى الأمة روحها الحضارية ووعيها بالتاريخ وتحدياته. كان يريد أن يلبي استغاثة فلسطين المقهورة بتأسيس قوة قومية لإنقاذها. وكان من علاماتها: تأميم قناة السويس... تفكيك الإقطاع الخراجي... مواجهة عدوان 56 بالحرب الشعبية... بناء السد العالي.. تأسيس الدولة الصناعية... توليد الطبقة الوسطى والتحرر الاجتماعي.. إطلاق إبداعات النهضة في طورها القومي، فكرا ووعيا.. حسا عاما وجمالية إبداعية.. في الفكر والأدب والفن. مسرحا وسينما وغناء. وكانت المرأة العربية في أفضل حالات تحررها!
لكنهم هزموه. فهزيمة 67 لم تكن هزيمة ناصر. مشروع الناصر، في التحرير والنهضة، هزمه قائد جيوشه المعقودة خططه حول خصر ممثلة سينمائية، الذي تعامل مع الجيش المصري كعزبة له. وكان المسؤول عن تدبيج بيانات النصر الكاذب، على لسان أحمد سعيد، البريء من فبركتها. وانهزم مشروع ناصر بسبب مؤامرات أبوات رغال، من الحكام العرب، الذين كانوا متشوقين إلى هزيمته أكثر من موشي ديان!
وبغيابه في 28 سبتمبر الأسود العام 1970، غاب القائد مرهوب الجانب، فأوغل النظام العربي الرسمي في توارث انحطاطه، وتفريخ الانقلابات العسكرية الثورجية القومجية. والنتيجة، بقاء فلسطين، محمولة على استغاثة السبية. ولنتذكر قصيدة مظفر النواب الشهيرة، عن فلسطين المغتصبة، عندما عري باعتها - المتباكين عليها، في الوقت نفسه:
" القدس عروس عروبتكم ؟!!
فلماذا ادخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم ، وتنافختم شرفاً
وصرختم فيها أن تسكت صوناً للعرض ؟؟!!
فما أشرفكم !
أولاد الـ؟؟؟؟؟؟ هل تسكت مغتصبة؟؟!"
كانت الثورة الفلسطينية، رغم ما طال أهلها من مذابح، على يد "الملك الهاشمي" في الأردن، ومخلفات الصليبيين في لبنان، محاولة إعجازية لتوليد أسطورية "المعتصم" المنقذ، في مشروع مقاومة ثورية مسلحة. ولاشك كانت، ولا تزال، كما وصفها ناصر، قائد الأمة المفتقد، أنبل ظاهرة عربية. كانت قفزة فوق المستحيل، رغم ما طالها من فساد وإفساد. ولأنها قفزة فوق المستحيل، ما أن أعتقد شارون أنه طردها من لبنان إلى المنافي القصية، حتى تفاجأ بعرفات يقود المقاومة، في طور جديد، من رام الله!
واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على انطلاق رصاصة الرفض الفلسطيني في اتجاه صدر المحتل الصهيونازي، المحمول على أقذر الذرائع الاستعمارية المتخيلية، ينتفض شعب الجبارين في دمه الصارخ في وجه الوحش الصهيوني، رغم سفيره الذي في القاهرة، وسفيره الذي في بلاط "الهاشميين"، ومستشاره عند بلاط أمير المؤمنين في بلاد طارق بن زياد. وسكوت راعي الحرمين عن حماية الحرم الثالث والقبلة الأولى ومسرى فاتح مكة!!
فليخل "فحول" العرب، ولو قليلا، حيث النسبة العالمية الأكبر في الضعف الجنسي مسجلة باسمهم. والنسبة العالمية الأكبر في استهلاك الفياغرا مسجلة باسمهم. ومسجلة باسمهم النسبة العالمية الأكبر في الأمية... وباسمهم مسجلة النسبة العالمية الأدنى في التنمية. وهم، العرب، أخر شعوب الأرض التي لا تزال اسقاط طغاتها، كما فعل الرومانيون والجورجيون والأوكورانيون والقرغيزيون.. ومع ذلك فإننا أكثر شعوب الأرض تبجحا بالرجولة والفحولة، في الوقت الذي نعيش، فيه، إلى الآن، في ظل أنظمة الزيف والقهر والتخلف. وبدلا من أن نُعيد مفهوم الرجولة والفحولة في مشروع للتحرر من الاستبداد السياسي والعقد الاجتماعية، في مستقبل ديمقراطي وطني - قومي، يحررنا من عقدة الخصاء الذكوري القبلي، لتتحرر المرأة من شروط الرؤية المختلسة من فتحتي الضرورة القصوى لتلمس النظر عند خروجها. وفي مجتمعات عرب أخرى يكتفون بالسماح لها بعين واحدة!
إن معنى الفحل، في أصول الثقافة العربية، هو النبيل والكريم. وهو أحسن الشعراء شعرا، وأوسع العلماء علما.. إلا أن فحول العرب اليوم، في واقعهم الحياتي الدارج، لا يمتلكون من معنى الفحولة إلا بمعنى الذَّكرُ القادرُ على الأنثى من كلّ حيوان. لذلك نجدهم يصرفون فحولتهم المهانة في قهر زوجاتهم أو ضربهن أو الزواج عليهن!!
ودون أن يتحول المرء إلى فرويد، أو يغرق في التهكم على تراث الفحولة العربية المتورم، يكفي التذكير بشهور ماضية قليلة، حيث الدم الفلسطيني المهدور على يد بني صهيون يغطي الشاشات التلفزيون! ولم يكن ينقص فضيحة الفحولة العربية المزيفة إلا مشهد الحانونيات، الأمهات والزوجات والأخوات والعمات والخالات والصبايا العذراوات، في سوادهن المقدس، ينطلقن لفك الحصار عن الأحبة، الفحول الفحول عن حق، أشرف رجال العرب، سادة المقاومة: الأبناء، الأخوة، الأزواج الجدد، الآباء الصغار، الأخوال، الأعمام، في خندقهم المقدس بمسجد ... يندفعن بقوة إيمانهن بالأرض المقدسة، المطهرة في ندائهن الطليق. بصدور الأمهات العامرة بكل الحنو على الابن - الفحل بحق. وبأحضان الحبيبات الفائضة بكل الشوق إلى ضم الحبيب - بحق .
كان من الطبيعي أن يرتعب الجند الصهيونازيين لمرأى هذه التظاهرة النسائية الخارجة عن منطق حساباتهم العسكرية. قد يكون قائدهم اتصل بقيادته قائلا، ما معناه: "أواجه مسيرة من النساء المتشحات بالسواد يركضن بكل حرية في اتجاه مسجد البلدة.. " أو في الغالب لم يفعل. وفي الحالتين القرار الصهيوني هو نفسه فتح النار على كل ما أو من يتحرك. سقطت شهيدتان وعدد من الجرحى، لكنهن تمكّن بعملهن من تحرير المجاهدين الأحبة - الأبناء، الأزواج، الأخوة، الأعمام، الأخوال... !
كنتُ أتابع المشهد في منفاي الجرماني، عبر قناة الجزيرة، بصحبة صديقة جرمانية. فاكتشفتُ بلادة شعوري وأنا أراقب صديقتي المنذهلة كالبلهاء في متابعة ما يحدث. وعندما شرحت لها طبيعة الموقف. قالت إن ذلك ضرب من روايات قرون ماضية. يذكرها بحكاية هجوم النساء الفرنسيات، من صغار البرجوزيات، بالمكانس على قصر فرساي، مفتتحات بعملهن الخارق عصر الثورة الفرنسية!
قلت لها: مأساة العرب انهم لم يثوروا بعد على باستيلهم، رغم ما يتلقونه على رؤوسهم من عصي المكانس!!
قالت: ألن يتحرك رجالكم بعد هذا المشهد؟! أين فلسفة النخوة التي أرهقت ذهني في تفسيرها؟!
قلت لها، في نفسي، يا صديقتي الجرمانية العزيزة: هؤلاء لسن مثل أي نساء. فهن فلسطينيات: أمهات وزوجات وأخوات وبنات وعمات وخالات لفحول بمعنى الأفحل في النحوة «من؟؟؟» والبسالة «من؟؟؟؟». إنهن الحانونيات الفلسطينيات، وهن يركضن، بكل حمولة شرفهن العروبي الإسلامي الطاهر، لتحرير أحبابهن، دائسات، في ثورتهن الراكضة، تحت أقدامهن، علثمة ملك الإعراب، خريج رابعة ابتدائي، ويرجمن أبي رغال الثاني على الضفة الأخرى..... !!!

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 23 نوفمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home