Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 24 سبتمبر 2009

الإمبريالية وثقافة المقاومة*

فرج بوالعَـشّة

يكتب إدوارد سعيد في فصل "المقاومة والمعارضة"، من كتابه "الثقافة والإمبريالية،أنه: "ينبغي أن نأخذ بالاعتبار التفاوت اللجوج المستمر في القوة بين الغرب وسوى الغرب إذا أردنا أن نفهم فهما دقيقاً أشكال ثقافية كالرواية، والإنشاء (الخطاب) العرقغرافي والتاريخي، وبعض أنماط الشعر والمغناة، حيث تكثر الإلماعات إلى هذا التفاوت وتكثر البنى القائمة عليه". أي بين "الغرب" و"آخريـ"ـه المخضَّعين ضمن ممتلكات الغرب الاستعمارية ما وراء البحار والمحيطات، والتي تظهر، في المخيال الإمبريالي، أمكنة غرائبية يقطنها أوناس غرائبيون. وتشكل خلفية لأحداث الرواية الاستعمارية، التي تدور، غالبا، حول مغامرة بطل الرواية الأبيض وأحكامه الذاتية عن تلك الأمكنة الغرائبية وأولئك الناس الغرائبيين.

أما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وانبثاق حقبة التحرر الوطني وفكفكة الاستعمار وظهور حوالي مائة دولة مستقلة عن الاستعمار المباشر، فقد أنتشرت بقوة الثقافة المُقاوِمة للإمبريالية الكولونيالية. وأصبح الغربيون للمرة الأولى: "مطالبين بأن يواجهوا أنفسهم لا من حيث هم الحكام الاستعماريين وإنما كممثلين لثقافة بل لأعراق مُتَّهمة بارتكاب الجرائم- جرائم العنف، جرائم القمع والاضطهاد، جرائم الضمير". وقد تحول العالم إلى فئتين متحاربتين: الاستعمار والمقاومة، حسب جان بول سارتر. فمقابل خمسمائة مليون من الغربيين ينهض ألف وخمسمائة مليون من السكان الأصلانيين". الفئة الأولى تملك الكلمة؛ والآخرون يملكون استعمالها. وفي المستعمرات وقفت الحقيقة عارية، لكن مواطني البلد الأم (فرنسا) فضَّلوها لابسة ثيابا"..

وكانت ساحة الصراع العالمي، بين الإمبريالية الاستعمارية وحركات التحرر الوطني، ساحة أيضا لصراع، غير مباشر، على مناطق النفوذ بين الإمبراطوريتين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي،الناهضتين كونياً بعد الحرب العالمية الثانية على أنقاض كسوف الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية. وكانت مكتبة نوعية تأصيلية قد تكونت من مؤلفات أدبية وفكرية في سياق ما بعد الكولونيالية، والدراسات المنضوية لكتاب أصلانيين، أفارقة وآسيويين، وكذلك مفكرين غربيين. مثل "خطاب حول الاستعمار" لإيمي سيزير (1955) و"نهاية الإمبراطورية" لجون ستراتشي و"المعذبون في الأرض" لفرانز فانون (1961). وظهرت روايات غربية في خضم نهوض المقاومة الوطنية والقومية ضد الاستعمار، كما في رواية "ممر إلى الهند" لـ إي.إم.فورستر، الذي وإن استشرف كسوف العصر الإمبريالي إلا أنه نظر إلى نضال الهنود من أجل الاستقلال عن بريطانيا، نظرة مُستخِفة بقدرة الهنود على حكم أنفسهم بأنفسهم دون مساعدة بريطانيا. أما في فرنسا فقد كان الخطاب المناوئ للمشروع الكولونيالي الإمبريالي أقوى بكثير منه في بريطانيا، بفضل قوة الحزب الشيوعي المناوئ للإمبريالية، وبفضل التأثير القوي للأنتلجنسيا المثقفة في الرأي العام الفرنسي منذ بدايات القرن العشرين. وفي طليعتهم أناتول فرانس (1844 ـ 1924) الحاصل جائزة نوبل في الأدب لسنة 1921، وأندريه جيد في كتابيه: رحلة إلى الكونغو (1927) وعودة من التشاد (1928)، ثم جيل جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، روبير بارات والمستشرقان الشهيران لويس ماسينيون وجاك بيرك، وفرانسيس جانسون،الكاتب ـ المثقف العضوي،الذي ناضل عمليا في صفوف الثورة الفرنسية، وغيرهم. لكن الرؤية الأصلانية العميقة لفككة الاستعمار مثلها كتاّب ومفكرين أصلانيين، مثل فرانز فانون (مارتنيكي من أصل إفريقي) وإيمي سيزير (مارتنيكي من أصل إفريقي) والبير ميمي (يهودي من أصل تونسي) ومالك بن نبي ومالك حداد وكاتب ياسين، وغيرهم، الذين خرجوا من ثقافة المستعمَر وكتبوا بلغته برؤية نقدية تفكيكية لبنية الخطاب الإمبريالي ومشروعه الكولونيالي. وأنتجوا روايات مناهضة للاستعمار بفنية إبداعية عالية مثل رواية "نجمة" لكاتب ياسين و"سأهبك غزالة" لمالك حداد، و"النهر الما بين" للإفريقي نغوغي وأثيونغو، التي أعاد فيها إنتاج رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد، في "نسق جديد، كان مقموعاً في قلب الظلام، يولِّد منه نغوغي أسطوريات جديدة، يوحي مسارها الواهي وإبهامها النهائي بعودة إلى إفريقيا الإفريقية". ورواية "موسم الهجرة للشمال" للطيب صالح، التي قلبت رحلة "كورتز" في قلب ظلام إفريقيا إلى رحلة في قلب شمال الغرب "حيث يُطلق مصطفي سعيد (بطل موسم الهجرة إلى الشمال)، وهو صورة مرآوية لكورتز في رواية قلب الظلام، عنان عنف طقوسي ضد نفسه وضد النساء الأوروبيات وضدّ الفهم لدى الراوي". وبالإجمال تقريبا "يحمل كتّاب العالم الثالث في مرحلة ما بعد الإمبريالية ماضيهم في أعماقهم ـ ندوبا لجراح مُذِلة، وتحريضاً على خلق ممارسات مختلفة، ورؤى للماضي تملك الطاقة على التنقيح وتنزع نحو مستقبل ما بعد استعماري، وتجارب قابلة بإلحاح لإعادة التأويل والتوزيع والمركزة، فيها ينطق الأصلاني الذي كان صامتاً في السابق ويمارس الفعل على أرض أستعادها، كجزء من حركة مقاومة شاملة، من المستعمِر المستوطن". ومع ذلك فإن مهمة مقاومة الاستعمار ثقافيا لم تتوقف باستقلال الدول والشعوب المستعمرة بل استمرت في "فكفكة استعمار العقل" بحسب كتّاب نغوغي وإثيونغو (1986).

إن المقاومة الثقافية للإمبريالية،كاستعمار مادي للأوطان أو كاستعمار ثقافي للعقول والألسنة (اللغة)، تقوم على الحق التاريخي في تحرر الأمة المستعمَرة، وإحياء اللغة القومية وثقافتها وتراثها ومخيالها لاجتماعي، وخيالها الإبداعي. ورغم أن الشعوب المستعمّرة أتخذت مسارات ووسائل وأساليب مختلفة في تمردها ومقاومتها، إلا أنها تشترك في نشدان تحررها من السيطرة الاستعمارية. مع ملاحظة ضرورة التمييز كما يقول إدوارد سعيد بين مناهضة الاستعمار anti -colonialism ومناهضة الإمبريالية anti-imperialism، فمناهضة الاستعمار مهمة تاريخية محددة في التحرر من الوجودي المادي للمستعمر. إذ أن الاستعمار "دائما تقريباً من عقابيل الإمبريالية". الإمبريالية التي تواصلت مفاعيلها ما بعد الكولونيالية الكلاسيكية (بريطانيا، فرنسا) في هيمنة الامبراطورية الأمريكية ومنافستها الإمبراطورية السوفييتية، والأخيرة أنهارت بعد سبعة عقود ونيف، لتصبح واشنطن روما الجديدة وصاحب البيت الأبيض عظيم الروم. وإذا كانت ثقافة مناهضة الاستعمار قد غابت عن المشهد الثقافي العالمي بغياب الاستعمار، اللهم في بعض ديار العرب والمسلمين، كما هو الحال في فلسطين والعراق وأفغانستان، فإن حركة مناهضة الإمبريالية بقت مستمرة، فكريا وأدبياً وفنياً سياسياً، يخوضها، في الشرق والغرب،كتاب ومفكرون ومبدعون، ونشطاء ومنظمات مدنية مناهضة للسيطرة الإمبريالية العسكرية والاقتصادية على الشعوب، بوجهها الأمريكي المهيمن في حقبة العولمة الرأسمالية وثقب الأوزون وتدمير البيئة والمجاعات والاوبئة.

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 24 سبتمبر 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home