Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 24 August, 2007

حكاية «أطفال بنغازي» وغياب الحقيقة والعدالة...! (*)

فرج بوالعَـشّة

(1)

لا شيء يمنح الضحايا السلام الأبدي في موتهم، وذويهم راحة الضمير سلوان، إلا معرفة الحقيقة وإقرار العدالة النزيهة المنصفة...أما التعويضات المالية أو العينية، فإنها مهما بلغت من مقادير لا تعوض القيمة المعنوية (الثمينة) التي تتحقق بإجلاء الحقيقة والاقتصاص العادل من المسؤول الفعلي عن الجريمة، أكان شخصا أو أشخاصا أو نظاما...!

فهل ظهرت الحقيقة وتنزلت العدالة النزيهة المنصفة في قضية "أطفال بنغازي المحقونين بفايروس الأيدز"..؟!!

(2)

تعود معرفة الرأي العام الليبي بظهور حالات إصابة بفايروس الأيدز بين الأطفال، في مستشفى بنغازي، إلى عام 1994، أي قبل وصول الممرضات البلغاريات إلى ليبيا بأربع سنوات.فقد تطرقت مجلة "لا" الليبية إلى هذا الموضوع في العدد المزدوج (41ـ42) لعام 1994، وفي عام1997، أي قبل عام من استلام الممرضات عملهن، سُجل، رسميا، 207 حالة إصابة بفيروس الإيدز، في مستشفى الأطفال ببنغازي.

ونتيجة لعدم اكتراث الجهات المسؤولة بمتابعة الأمر بمسؤولية تامة لمحاصرة المرض والسيطرة عليه بمعرفة أسبابه وبالتالي اتخاذ الإجراءات الطبية، الوقائية والعلاجية، اللازمة، استمر التعامل مع الأمر بمنطق الاهمال والتسيب المعتاد، فتضاعفت الإصابات بين الأطفال.فعادت مجلة "لا" ونشرت، في العدد (78) نوفمبر1998، تحقيقا صحفيا موسعا، بعنوان:"الأيدز بين أطفالنا:إهمال أم جناية؟!"، استند إلى وقائع محددة ووثائق وتسجيلات، تثبت كما قالت المجلة:"وجود كارثة صحية حقيقية، تتمثل في إصابة عشرات الأطفال بمرض فقدان المناعة ـ الأيدز ـ لأسباب ما تزال مجهولة كما تقول التصريحات الرسمية..."..!

وبدلا من إجراء تحقيق طبي، بوسائل علمية دقيقة، لتحديد ما إذا كانت المسببات ناجمة عن الإهمال وتردي الخدمات الصحية، أم أنها مسألة جنائية، قامت السلطات بالتعمية على ما يحدث، وسحبت عدد المجلة من الأسواق.وكانت قد فرضت على الأطباء في المستشفى عدم الحديث عن المسببات بشكل قاطع.لذلك عندما طلبت المجلة من مدير مستشفى الأطفال، حيث توجد معظم الحالات، تحديد بؤرة معينة خرج منها المرض؛أجاب:"لكي يكون الحديث مسؤولا، نحن وحتى يوم أمس جاءت إلينا جهة أخرى لمتابعة هذه القضية وانتم جهة إعلامية تريدون توضيح الأمر للناس ولستم جهة قضائية...." وتعلق المجلة بأن الحوار مع مدير مستشفى الأطفال أُجري قبل شهرين من صدور العدد. وأنه خلال فترة الشهرين زادت الحالات المصابة وزادت شكوى الآباء وتطورت الأمور"حيث أخبرتنا اللجنة الوطنية لمكافحة الأيدز أن الحقيقة ستظهر بعد أسبوع وستقدم لنا الحقائق كاملة.لكن مرت أسابيع عديدة ولم نصل إلى أية نتائج، إلى أن فجر الآباء الموضوع في مؤتمر الأطباء.وتحصلنا خلال هذه الفترة على الكثير من المعلومات "الموثقة" والتي قد تُشير إلى الإهمال أو قد تُشير إلى تضليل الصحافة والمواطن..."...!

(3)

إن "الجهة الأخرى"، التي أشار إليها مدير المستشفى دون أن يبين طبيعتها، هي جهة أمنية موجَّهة تولت القضية على طريقتها وسيّرتها حسب "التوجهيات العليا".واليوم، بعد اعترافات سيف الإسلام، نجل العقيد، الذي أكد لوكالة أنباء ( رويترز ) بالنص:"نحن، الليبيين، خلقنا هذه القصة فقد وجدوا بلغاريات وطبيبا فلسطينيا وهذا يعنى صلة ما باسرائيل والموساد والمخابرات الغربية وهناك مؤامرة.. لقد الفوا قصة واجبروا البلغاريات على الاقرار بشيء ما ومن ثم صارت لدينا رواية ولدينا مؤامرة وتكوّن لدينا هذا الملف المعقد الذي استغرقنا نحو ثمانية أعوام..."...!

وهكذا أصبح واضحا أن "الجهة الأمنية" الموجَّهة، التي تدخلت في القضية، تعمدت مبكرا إيجاد كبش فداء لتقديمه للقضاء للتغطية على المسؤولين الفعليين عن هذه الجريمة البشعة.فوجدوا في خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، يعملون في المستشفى الموبوء، ضالتهم الملائمة.فالممرضات الخمس مجرد بلغاريات، في تصور الذهنية الليبية الثورجية، أي أوروبيات درجة ثانية، من مخلفات أوروبا الشيوعية ـ لم تكن بلغاريا قد انضمت بعد إلى الاتحاد الأوروبي ـ، يُسهّل تلفيق التهمة لهن دون إزعاج دولي يُذكر.ومعهن طبيب فلسطيني متدرب وذلك عز الطلب، فلا دولة له تدافع عنه أو تطالب به أو حتى تأسف عليه، بل إن السفير الفلسطيني، في طرابلس، تواطأ مع "الجهة الأمنية"، وشهد زورا ضد الطبيب الفلسطيني ووصفه بالعميل لإسرائيل.....وهكذا زُج بهم في قضية مفبركة للتغطية على التخريب المتعمد للوضع الصحي في بلاد بالغة الثراء، وحيث تتراتب المسؤولية رأسيا في تسلسل قيادي هرمي تنتهي فيه عند الرأس الأكبر، الذي بيده الثروة والسلطة والقضاء والسيف...!..

تم القبض عليهم في في عام 1999 ووجهت لهم تهمة. حقن ثلاثمائة وثلاثة وتسعين طفلا من الأطفال النزلاء بمستشفى الفاتح لطب وجراحة الأطفال بفيروس العوز المناعي المكتسب انتقلت إلى تسعة عشر أما من أمهات الأطفال المذكورين حالة كون الفعل قد نتج عنه موت ثلاثة وعشرين طفلا وعلى النحو المبين بالأوراق.اضافوا عليها بهارات من نوع التعامل في النقد الأجنبي بخلاف الشروط والأوضاع التي حددها مصرف ليبيا المركزي. واتهام الطبيب الفلسطيني بإقامة علاقات جنسية مع ثلاث من الممرضات البلغاريات.وتصنيع الخمور وتعاطيها...وقد اسقط الادعاء تهمة العمالة للموساد والسي آي أيه بعدما اتضح أنها غير مهضومة (كذبة فالطة) في مواجهة الرأي العام الغربي...!

(4)

وحتى إذا افترضنا أن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني مسؤولون عن إصابات الأطفال بفايروس الأيدز منذ استلام عملهم عام 1998، ماذا عن عشرات الاصابات من بين الأطفال التي حدثت منذ عام 1994؟!...لماذا لم يقبض على المسؤولين عنها ليحاكموا؟!..ولماذا حوكم المتهمون أمام ما يسمى "محكمة الشعب"، التي هي محكمة استثنائية "ثورية" موجَّهة من "الخيمة"؟!

لقد كان واضحا لكثير من الليبيين أن تفشي الوباء، منذ عام 1994، سببه خراب الوضع الصحي في ليبيا.وهو ما اثبتته بالدليل العلمي تقارير طبية موثوقة من لدن أطباء علماء مشهورين على مستوى العالم.منهم.الطبيب الفرنسي، لوك مونتغنير، أول من عزل فايروس الإيدز في المعمل، بيّن، بعد دراسة علمية للموضوع، أن مسببات انتشار المرض (كامنة) في سوء الإدارة الطبية والإهمال والتسيب في اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، وعدم توفر الأدوات والوسائل والامدادات الطبية مما أجبر المستشفى على إعادة استخدام الحقنة (ذات المرة الواحدة) لحقن أكثر من مريض... دون أن نتطرق إلى مضمون الاشاعات الرائجة في الشارع الليبي مفادها أن أطرافا في النظام خططت لنشر الوباء في مستشفى الأطفال انتقاما من مدينة بنغازي باعتبارها معقل المعارضة النشطة ضد نظام القذافي. وقد تحدثت تقارير علمية عن احتمال أن انتشار الفايروس يعود إلى فشل تجربة سرية لابتكار مصل مُحصِّن ضد ضد الفيروس المسبب لمرض الأيدز؟؟ لكن يبقى الثابت أن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني ابرياء، كما دلت على ذلك الأدلة العلمية واعترافات سيف الإسلام المذكورة آنفا.ولم تكتف "الجهة الأمنية" الموجهَّة بتلفيق القضية جنائيا، وإنما نقلتها من القضاء الجنائي العادي؟؟إلى محكمة ثورية استثنائية تُسمى:"محكمة الشعب"، مختصة بمحاكمة المعارضين السياسيين للنظام الحاكم.وبالتالي كانت الرغبة في تسييس القضية، وليس إظهار الحقيقة وإقرار العدالة، هي التي استدعت إحالة المتهمين إلى "محكمة الشعب" حتى يسهل التحكم السياسي فيها.وعندما تبين للنظام الليبي أن بلغاريا ليست هي بلغاريا القديمة وقد اصبح ما يمسها يمس أوروبا، أوعز، إلى "محكمة الشعب"، بأن تحكم بعدم اختصاصها في النظر في الدعوى.فاحيلت القضية إلى المحاكم الجنائية العادية.لكن السلطان السياسي كان قاضي القضاة.وموجها لهيئة الإدعاء.وكانت الأدلة كافة ملفَّقة كما اعترف بذلك سيف الإسلام نجل الكولونيل الليبي....!

ونتيجة لتحكم السلطان السياسي في السلطان القضائي، تعرضت القضية أو الدعوى المطروحة لأحكام متناقضة.وهو ما سماه الطبيب الفلسطيني أشرف الحجوج، بعد الإفراج عنه، بالشيزوفرينيا القضائية:فبعد خمس سنوات على احتجاز المتهمين الست، حكمت محكمة ليبية عام 2004 باعدامهم بتهمة تعمد اصابة 426 طفلا بالفيروس. لكن المحكمة العليا ألغت، في 25 ديسمبر 2005 أحكام الاعدام وأحالت القضية الى محكمة أقل درجة لاعادة المحاكمة فيها، وذلك سعياً للتوجيه السياسي ولمزيد من كسب الوقت في لعبة الابتزاز المتبادل بين الجماهيرية والغرب.فعادت محكمة أخرى، بمدينة بنغازي لتحكم عليهم من جديد بالإعدام، لأن مفاوضات الابتزاز المتبادل تعقدت...ومن جهة أخرى نجد أحد المحاكم تبرئ ساحة تسعة ضباط في الشرطة الليبية من تهمة تعذيب الممرضات والطبيب الفلسطيني..فيرفع الضباط المبرأ ساحتهم دعوى ضد الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني بالافتراء عليهم بارتكاب التعذيب لانتزاع الاعترافات منهم.لكن المحكمة تبرئ أيضا الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني من تهمة الافتراء على الضباط..!!!!!!...

وهكذا كانت أحكام القضية تتأرجح حسب الأهواء والمواقف السياسية.فالقضية كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن سيف الإسلام، من حديثه لمجلة نيوزويك الأمريكية في 3أغسطس2007، كانت:"ابتزازا" لكن الاوروبيين ايضا ابتزوا الليبيين و"دفعوا ثمن (..) لعبة غير اخلاقية".. وفي رد على سؤال حول موقف طرابلس من قضية الممرضات قال نجل القذافي "هل هو ابتزاز؟ ربما. انه ابتزاز، لكن الاوروبيين ايضا مارسوا الابتزاز". واعلن سيف القذافي "انها لعبة غير اخلاقية لكنهم حددوا قواعدها والاوروبيون يدفعون الان الثمن" مؤكدا "كل واحد لعب ورقته من اجل مصالحه في بلاده....وفي الحقيقة لم يكن النظام الليبي يلعب ورقته من أجل مصالح بلاده، وإنما من أجل مصالحه الخاصة في تأمين حكمه.فعندما أدرك النظام أنه تورط في ملف معقد، اصبح قضية أوروبية ـ إمريكية، مدعومة بضغوطات هيئات ومنظمات حقوقية غربية ومطالبات لمؤسسات أوروبية رسمية تدين انتهاك حقوق الدفاع عن المتهمين وتدعو إلى الإفراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني، وبيانات ومناشدات لشخصيات دولية بارزة، مثل مطالبة مائة عالم من الحائزين على جائزة نوبل العقيد القذافي بإجراء محاكمة عادلة للمتهمين.لكن التدخل الأقوى جاء من السيد بوش، حيث يدرك العقيد القذافي معنى ذلك، وهو الذي كان أكرم من الطائي في تقديم التنازلات المتوالية لإرضاء سيد البيت الأبيض، من أجل غفران ماضيه "الإرهابي" وقبول انخراط نظامه في المجتمع الدولي..!

لقد خشى العقيد الجماهيري من أن عدم تقديمه لحل مرض لأمريكا وأوروبا في قضية الممرضات، سوف ينسف ما بناه من جسور تودد مع الغرب.ويُعيد تثبيت صورته كزعيم إرهابي يحتجز الرهائن للمساومة والابتزاز، ويحكم بالحديد والنار دولة مارقة خارجة عن الشرعية الدولية.لذلك كان عليه ان يتبع أسلوبه الناجح في التأمين على نظامه بتقديم التنازلات.فأصبح كل همه البحث عن مخرج لقفل الملف والافراج بطريقة أو أخرى عن الممرضات بما يحفظ ماء وجهه ويرضي بروكسل والبيت الأبيض..!

كان النظام الليبي يرغب بشدة في الافراج عن المعتقلين وقفل الملف نهائيا، لكنه، في الوقت نفسه، خائف من أن الافراج عنهم، سيمكّنهم من كشف حقائق تدين النظام وتسلط الضوء على الوضع الطبي المزري في ليبيا رغم مداخيلها البترودولارية الضخمة، التي تتجاوز ثلاثين مليار دولار سنويا، ومع ذلك يضطر الليبيون إلى معالجة أنفسهم، حتى من أمراض بسيطة، في مستشفيات تونس ومصر والأردن، وغيرها...!

(5)

ومع تزايد الضغط الأوروبي والأمريكي أصبح الإفراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني مسألة وقت.ومن المعروف أن سيف الإسلام القذافي كان قد طمأن الاوروبيين والأمريكيين بعدم إعدام المتهمين، وقد صرح بذلك إلى الصحيفة البلغارية"24 تشاسا"، في 28 يونيو 2007، قائلا إن الممرضات البلغاريات لن يعدمن وأنه "يضمن ذلك".وهو تدخل سياسي استباقي واضح لحكم القضاء، الذي يصر النظام الليبي على استقلاليته ونزاهته...!

كانت القضية سياسية منذ البداية، وتحولت في النهاية إلى ابتزاز مصلحي متبادل بين الغرب ونظام القذافي.وتدخل فيها منطق العصا والجزرة.فمن جهة العصا طلب بوش أثناء زيارته لبلغاريا في 10 يونيو الماضي، في لهجة حادة صارمة، ليبيا بضرورة إطلاق سراح الممرضات والسماح لهن بالعودة إلى أسرهن، معتبرا إطلاق سراحهن يمثل أولوية مهمة بالنسبة للولايات المتحدة.ومن جهة الجزرة أرسل فرانسيس تاونسيند، مستشارة الأمن الداخلي بالبيت الأبيض، مبعوثا خاصة برسالة منه إلى العقيد القذافي، يُشيد فيها بالعقيد الليبي لأنه ألغى برامج أسلحة الدمار الشامل الليبية، ودفع التعويضات لأقارب الضحايا الأمريكيين الذين لقوا حتفهم في طائرة بان أمريكان عام 1988 فوق لوكربي.وأنه يتوقع منه الإفراج عن الممرضات البلغاريات والسماح لهن بالعودة إلى بلادهن.وقد صرحت تاونسيند فيما بعد لوكالة رويترز، قائلة:"تعمدنا عدم الكشف عن محتويات الرسالة بالكامل...".مضيفة أن التعليمات التي لديها كانت واضحة .. كانت من الرئيس وكان عليها أن تسلمها إلى القذافي "وهذا ما فعلته".فقد اجتمعت مع القذافي نحو نصف الساعة وشكرته على السماح للولايات المتحدة بإرسال أول سفير إلى ليبيا في 35 عاما. وهو جين كريتز الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس البعثة بالسفارة الأمريكية في تل أبيب، لكنها ربطت إرسال السفير الأمريكي لدى ليبيا بإطلاق الممرضات..وقد أعلنت تاونسيند من طرابلس، بعد لقائها "الأخ العقيد" عن ملامح سيناريو الإفراج عن الممرضات البلغاريات.أما القذافي فقد وجّه، بُعيد لقائه مبعوثة السيد بوش، ما يسمى "مجلس القضاء الأعلى" بإلغاء عقوبة الإعدام، والمباشرة في إجراءات الإفراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني، بعد توقيعهم على وثيقة يتعهدون بموجبها بعدم تقديم أى دعوى فى المستقبل ضد الدولة الليبية أو أى جهة رسمية.وتزامن التدخل الأمريكي الحاسم مع المسرحية الاستعراضية التي قام بها ساركوزي وزوجته إلى جانب مفوضية الاتحاد الأوروبي.كان الأمريكيون والأوروبيون يدركون أنها لعبة ابتزاز متبادل، عليهم أن يخرجوا منها رابحين على مستوى إطلاق سراح الممرضات وعودتهن إلى بلادهن، ودون دفع أي تعويضات مالية، بل وحصول فرنسا على صفقات تجارية رابحة، أثارت غضب الألمان..!

(6)

والحال، في غياب حرية الرأي في ليبيا، دعك من غياب الديموقراطية والقضاء المستقل، تم تلفيق القضية بحذافيرها، كما قال نجل العقيد:"وجدوا بلغاريات وطبيبا فلسطينيا وهذا يعنى صلة ما باسرائيل والموساد والمخابرات الغربية وهناك مؤامرة.. لقد ألفوا قصة واجبروا البلغاريات على الاقرار بشيء ما ومن ثم صارت لدينا رواية ولدينا مؤامرة وتكوّن لدينا هذا الملف المعقد الذي استغرقنا فيه نحو ثمانية أعوام..."...ولم يكن مسموحا لأحد أن يقول عكس ما يقول به إعلام النظام، الذي اعتبر:"كل من حاول التشكيك في القضية هو طرف فاعل في الجريمة." كما جاء في إحدى الجرائد الرسمية.إذن ها هو "نجل القائد" طرف فاعل في الجريمة...!

والآن انتهى الفيلم نهاية غربية سعيدة.كانت قصته قصة رهائن ومساومة على إطلاق سراحهم.حاول القذافي أن يبادلهم بإطلاق سراح المتهم الليبى في قضية لوكيربى عبد الباسط المقراحى، لكنه فشل.وحاول أن يجعل الأوروبيين يدفعون عشرة ملايين دولار، مثلما دفع هو لتعويض أهالي طائرة البانام الأمريكية، لتعويض كل طفل ليبي مصاب على سبيل "الدية"، لكنه فشل.فقد رفضت بلغاريا وحلفاؤها الفكرة لأن إقراراً بدفع تعويضات سيكون اعترافا بالذنب. لجأ إلى أمير قطر طالبا مساعدته لإنهاء ملف القضية بينه وبين الغرب.فتدخل الرجل بدافع إنساني كعادته. فكما صرح السفير محمد جهام الكواري سفير دولة قطر لدى فرنسا ومبعوث دولة قطر إلى ليبيا، فإن:"هناك الجانب الانساني.. اطفال ليبيون نتصور ان يكون أحد ابنائنا في هذا الوضع الصعب جدا ، والجانب الانساني بالنسبة للجانب الاوروبي هو وجود الفريق الطبي البلغاري ، لذلك من هذا الجانب رأينا بتقبل الطرفين طبعا - وبطلب الطرفين - وحرصهما على ايجاد حل ، وقطر سعت لايجاد حل لهذه القضية الانسانية...".. وفي النهاية فإن معظم الأموال التي دُفعت إلى ذوي الضحايا والمصابين جاءت من خزينة القذافي.وهي أموال ملوثة كما هو دم الأطفال الملوث، بعدما اعترف سيف القذافي وفي عدة وسائل إعلامية ببراءة الممرضات والطبيب الفلسطيني سئ الحظ كشعبه. هي أموال ملوثة لأنها مدفوعة من طرف النظام لإعفاء نفسه من المسؤولية، ولإسكات عائلات الأطفال الضحايا عن المطالبة بكشف الحقيقة.ومحاكمة المسؤولين عن هذه المأساة الإنسانية الفظيعة....إذ أيعقل أن وزير الصحة الذي انكشفت في عهده الكارثة هو اليوم رئيس الوزراء.إن التعويضات المالية مهما عظمت قيمتها، تبقى طرفا فاعلا في الجريمة، إذا دُفعت في غياب الحقيقة والعدالة، وهو ما حدث في قضية نقل فايروس الإيدز إلى أكثر من 400 طفل ليبي، وحيث لا يزال المجرم الحقيقي حرا طليقا، بل ويتمشى في جنازة القتيل... فهل حقا قُفل ملف القضية؟!ـ بالتأكيد قُفل، غربيا، بعدما تشاركت أوروبا السياسية المنافقة:"في نسج خيوط لعبة قذرة.." كما قال المحلل الألماني، راينر زوليش، مستجيبة للابتزاز تحت غطاء قانوني..لكن الملف سيبقى مفتوحا بالنسبة للشعب الليبي حتى يعرف الحقيقة كاملة ويُنزل بالمسؤولين عن الجريمة القصاص العادل، طال الزمن أو قصر!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 23 أغسطس 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home