Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Sunday, 24 June, 2007

استنساخ "المنطقة الخضراء" في رام الله!!(*)

فرج بوالعَـشّة

ما يحدث اليوم، في غزة والضفة، هو نتيجة طبيعية لتبعية محمود عباس (أبو مازن) للمشروع الأمريكي، كما هو حال قرضاي في أفغانستان، والسنيورة في لبنان، والمالكي في العراق. والمشروع الأمريكي هو مشروع لنشر القلاقل والاضطرابات السياسية، والفوضى الهدامة باسم "الفوضى الخلاقة"!

الرهان الأمريكي، على أبو مازن، مبني على تقييم استخباراتي لشخصيته التنازلية، يصنفه في خانة "المعتدل"... وتعني في التفسير الأمريكي الحقيقي: الممتثل للإملاءات، والجاهز للاستخدام. وقد اُستخدم أبو مازن، كرئيس وزراء، بضغط أمريكي، لتحجيم قيادة عرفات التاريخية وتقليص سلطاته، والتغطية على محاصرته وعزله ثم قتله. وهو يستخدم، اليوم، كرئيس لما يُسمى بالسلطة الوطنية، لضرب مشروع المقاومة!

إن تاريخ أبو مازن السياسي تاريخ قفز على الثوابت الوطنية الفلسطينية وخرق للمحرمات. فهو المنظر والمفاوض الرئيس للتسوية السياسية مع إسرائيل. وكان أول من فتح قنوات اتصال وتفاوض سرية مع الدولة الصهيونية، منذ منتصف السبعينيات. وفي العام 1977 صاغ مع الجنرال الإسرائيلي ماتيتياهو بيليد إعلان "مبادئ للسلام" يتضمن الاعتراف بإسرائيل مقابل إقامة دولة فلسطينية غير محددة الملامح!.

وهو الذي قاد المفاوضات السرية التي أدت إلى "اتفاق أوسلو". ووقعه بنفسه العام 1993، وصاغ مع يوسي بيلين الوثيقة المعروفة بــ :"وثيقة عباس - بيلين"التي تضمنت تنازلا عن القدس وعودة اللاجئين وحدود 4 يونيو 67، وهو الذي وصف شارون، بعد التوقيع "إتفاق واي بلانتيشن"، العام 1998، بأنه:" الزعيم الصهيوني الأهم منذ هرتزل"، قائلا:"شارون الطيب الذي تغير ولم يعد ذلك الرجل الذي عرفناه في صبرا وشاتيلا.. (وأنه):رجل عادي. خارج المفاوضات يصبح أقرب إلى الفلاح منه إلى العسكري". وعندما اشتعلت الانتفاضة الثانية أدانها بقوة، لأنها، في رأيه:"دمرت كل ما بنيناه في أوسلو وكل ما بني قبل ذلك".

لذلك وجد فيه بوش البديل المناسب لعرفات، الذي اعتبره "مثيرا للمتاعب"، و"غير جدير بالثقة" الأمريكية. وعليه قرر هرقل الروم الجدد إزاحته من المعادلة الفلسطينية عن طريق انقلاب سياسي، داخل القصر، أو بالتعبير الأمريكي: "تغيير قواعد اللعبة" في قيادة السلطة الفلسطينية ونظامها السياسي. وقد نجح التيار التنازلي، داخل "السلطة الوطنية"، في تنفيذ انقلاب جزئي ضد سلطات عرفات، أسفر عن استحداث منصب "رئيس وزراء" يتمتع بسلطات تنفيذية واسعة، تناسب مهام "رئيس وزراء معتدل" حسب التعبير الأمريكي الدبلوماسي. وتعني، في واقع الأمر، رئيس وزراء عميل. كان المنصب المبتدع مصمما على مقاس أبي مازن والدور المطلوب منه، إسرائيليا وأمريكيا ومصريا وأردنيا!

تقلد أبو مازن منصبه المختلق، في 29 أبريل 2003، وبعد ذلك، بشهر، حضّر الأمريكيون والإسرائيليون بالتنسيق مع "الهاشميين ـ شرق الأردن" لانعقاد مسرحية: "قمة العقبة" ما بين 3-4 يونيو 2003!
وبينما كان القائد التاريخي للثورة الفلسطينية محاصرا خلف الجدار الأخير، جلبوا أبو مازن إلى العقبة. وأملوا عليه ما يجب أن يقوله على المنصة، في حضور شارون وبوش و"المضيِّف"؛ فتباكي على معاناة اليهود عبر العصور، متعهدا بإنهاء الانتفاضة ووقف المقاومة المسلحة، قائلاً: "هدفنا واضح وسنطبقه بحزم وبلا هوادة، نهاية كاملة للعنف والإرهاب"، ومتجاهلا أي ذكر للثوابت والحقوق الوطنية الفلسطينية: حق العودة، القدس، إزالة المستوطنات، السيادة.. !.

وبينما شعر الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة بالسخط على خطاب أبي مازن، الذي سكت عن جرائم اليهود، وتجاهل مظالم الفلسطينيين، بل أظهرهم في صورة الجلاد، وهم الضحية، هللت تعليقات الصحف الإسرائيلية لظهور سادات جديد. فكتب بلوتسكر أحد كبار المعلقين في صحيفة يديعوت احرنوت:"منذ عشر سنوات واسرائيل تنتظر ظهور سادات فلسطيني. ولفترة قصيرة مليئة بالأوهام كان يبدو أن عرفات سوف يقوم بهذا الدور. لكن عرفات خيب الآمال منذ اللحظة التي أخرج فيها قدمه من سيارة المارسيدس المدرعة، لتطأ تراب غزة... في قمة العقبة، تضمن خطب أبو مازن رئيس الوزراء الفلسطيني، ولأول مرة، نغمة أنور السادات المنشودة... لقد قام بعمل نادر بين أوساط السياسيين العرب والفلسطينيين، فلقد أخذ المسؤولية على عاتقه واعترف بالذنب وتوقف عن لعب دور الضحية الأبدية".

ونتيجة لرفض الشعب الفلسطيني لخطاب أبي مازن الانهزامي، والمهين لتاريخ النضال الفلسطيني، ولأن عرفات، رغم حصاره، كان له بالمرصاد، إذ قاطعه، ليظهره، أمام الفلسطينيين، معزولا ومنبوذا من القيادة التاريخية، ضاق الخناق على مشروع أبي مازن الانهزامي، ولم يعد أمامه، بعد مائة يوم ونيف من ترأسه للحكومة، سوى الاعتراف بهزيمته، وتقديم استقالة حكومته، واستقالته من جميع مناصبه، في فتح، والسلطة الوطنية، ومنظمة التحرير، في بداية سبتمبر 2003!

ولم يعد أمام الإسرائيليين والأمريكيين، وربما معهم البعض من التيار الانهزامي داخل "السلطة الوطنية"، إلا التفكير جديا في إزاحة عرفات من الوجود!
وفي الحادي عشر من سبتمبر 2004 رحل أبو الشعب الفلسطيني، القائد التاريخي ياسر عرفات، مُسمَّما على الأرجح. وورث سلطاته محمود عباس (أبو مازن)، الذي هو (أبو إوسلو)!
احتفل اليهود شماتة في موت القائد الفلسطيني، وفرحوا لبديله (أبو مازن)، ومعهم فرح الأمريكيون، لأن ما هو جيد لبني صهيون جيد لبني اليانكي!

راهن الصهاينة واليانكيون على أن أبا مازن، بعدما أصبح رئيسا لما يسمى بالسلطة الوطنية، ورئيسا لحركة فتح، ورئيسا للجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، سيباشر التعاون الأمني الوثيق مع الإسرائيليين، ويطلق يد دحلان في محاربة "الإرهاب الفلسطيني"، ويقبل بالتفاوض حسب الأجندة الإسرائيلية!

بدأ أبو مازن منذ توليه رئاسة "السلطة الوطنية" التحرك وفق موجِّهات "خارطة الطريق" البوشية، باعتبارها الحل الوحيد للقضية الفلسطنية!
تحرك أمنيا، بواسطة دحلان (رجل المهمات القذرة) في اتجاه استئناف التنسيق الأمني مع إسرائيل، والعمل على "وقف عسكرة الانتفاضة"، من خلال تطبيق البنود الأمنية حسب خارطة الطريق، التي تندرج في الأجندة الأمريكية باسم "محاربة الإرهاب". أي محاربة المقاومة، واعتبار "عسكرة الانتفاضة كارثة" حسب أبي مازن. وحاول تفكيك بناها التحتية"، وإبطال عمليات إطلاق صواريخ القسام وقذائف الهاون ضد المستوطنات. ولكن لم يمض وقت طويل حتى بدأ الإسرائيليون والأمريكيون يشكون في قدرته على تنفيذ التوجيهات التي التزم بها!

إلا أن ذلك لم يمنعهم، وخصوصا الأمريكان، من مواصلة الرهان عليه، لا سيما بعد فوز حماس بالسلطة التشريعية والتنفيذية. إذ ليس لديهم بديلا عنه!
والآن، بعد نحو سنتين ونصف من فوزه بالرئاسة المتعددة الرؤوس(السلطة الوطنية، منظمة التحرير، فتح، أجهزة الأمن)، ينظر إليه بنو صهيون، بعين الموساد الخبير، على أنه:"من المستحيل الاعتماد علي عباس، لأنه في وضع سيئ للغاية، وانه كما المريض في غرفة الإنعاش المكثف وهو يتنفس تنفسا اصطناعيا... " حسب تشخيص الجنرال بيري رئيس الشاباك السابق. ومع أن عباس وطاقمه يعرفون أن الإسرائيليين يحتقرونهم ويستخدمونهم للمماطلة والتنصل من الحل النهائي... إلا أن أبا مازن استمر في ابتلاع الإهانات الإسرائيلية، والانصياع لتوجيهات الست رايس. والنتيجة أن نهجه الانهزامي أوصل الشعب الفلسطيني إلى اليأس والفوضى والاحتراب. ومسؤولية ذلك لا تقع على حماس إلا بقدر ضئيل جدا. فحكومة حماس لم تعط الفرصة الملائمة لتنفيذ برنامجها، لأن عباس وجماعته، في فتح، عملوا بكل قوة على عرقلة حكومة حماس، منذ توليها رئاسة الحكومة في مارس 2006، في سبيل اسقاطها، بالتواطؤ مع الحصار الدولي والإقليمي، والسيطرة على الأجهزة الأمنية واستخدامها كميليشات خاصة، يديرها دحلان ورجاله، من أمثال بوشباك ومشهراوي، وفق مخطط مرسوم يستهدف خلق الفتنة والقلاقل الأمنية، لجر حماس إلى مصادمات دموية، وإظهارها كخطر على الشعب الفلسطيني، والسبب في حصاره!

والآن، بعدما تمكنت حماس من كنس غزة من الانقلابيين والعملاء والقتلة؛فإن التوقع، الأكثر احتمالا، حسب محلل إسرائيلي:"هو أن سقوط حكومة الوحدة سيؤدي الى الانفراط التام للسلطة الفلسطينية، وعندها لن يكون هناك مفر من التدخل الاسرائيلي... "!

وفي رأيي أن انفراط "السلطة الوطنية"، التي لا تخدم إلا المشروع الصهيوأمريكي، يصب في صالح مشروع المقاومة الوطنية. أما التدخل الإسرائيلي فهو أمر متوقع دائما وفي كل الأحوال. والحال أن ما قامت به حماس هو فعلا كما سمته:" تحرير ثان لغزة" من عملاء المشروع الصهيوأمريكي. وإذا أجادت الحركة البناء على ما تحقق من منطلق وطني وليس فصيلويا ضيقا، فإنها تستطيع أن تبني قاعدة مقاومة شعبية وطنية متماسكة. وتجعل من غزة بقعة محررة من تجار القضية الفلسطينية، الذين أحالوا الثورة إلى ثروة. وجعلوا من رام الله "منطقة خضراء" مستنسخة عن أصلها في بغداد!

ومن هناك، من "المنطقة الخضراء" في رام الله، يستنجد أبو مازن بالست رايس، مطالبا بقوات دولية لتحرسه (تحرس إسرائيل في الواقع). فتطمئنه أنها ستدرس الموضوع!
إن أبا مازن يظهر في دور هزلي وهو يصدر المراسيم السلطانية بحل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة إنفاذ طوارئ. والتي هي إجراءات ليس لها ادني قيمة عملية، على رأي المتحدث باسم حركة حماس سامي ابو زهري!

إن ما حدث في غزة، الذي يسميه التيار "الفتحاوي" الانهزامي بالانقلاب، وتسميه حماس بـ"تحرير ثان لغزة"، يمثل منعطفا مفصليا حاسما في مسار القضية الفلسطينية، منذ اتفاق أوسلو وقيام "السلطة الوطنية". منعطف مفصلي حاسم في مواجهة مفترق طرق خيارات وطنية مصيرية. فسيطرة حماس على غزة، التي اعتبرها صائب عريقات:"اسوأ ما اصاب الفلسطينيين منذ هزيمة 1967"، يمكن أن تكون من أفضل ما حدث للفلسطينيين منذ اوسلو. ويتوقف ذلك على محددات الرؤية الاستراتيجة لحماس، التي يتوقف نجاحها على تثمير سيطرتها الأمنية على "غزة" لصالح مشروع التحرر الوطني. وليس لصالح مشروعها التنظيمي ـ الإيديولوجي الاحتكاري!

ومن هنا على حركة حماس ألا تضع رأسها برأس "سلطة وطنية" فاسدة، صنيعة مشروع صهيوأمريكي. فلتتركها لعصابة اوسلو في رام الله، مع عدم الاعتراف بشرعية حكومة الطوارئ، والتمسك بشرعية حكومة الوحدة الوطنية والمجلس التشريعي. وأن تواصل محاربة مافيات الأمن الوقائي وحرس الرئاسة والعملاء واللصوص إذا حاولوا إثارة القلاقل من جديد. وإن تحقق الأمن والطمأنينة للناس دون تدخل في مجال حرياتهم الخاصة. وأن ترحب بالحوار الوطني مع حركة فتح ولكن بمشاركة جميع الفصائل والقوى الوطنية. ومن الأفضل، تكتيكيا، أن توقف، بالاتفاق مع بقية فصائل المقاومة، عن قصف إسرائيل بالصورايخ إلا ردا على إعتداءاتها، وأن تركز جهدها على تمتين الوحدة الوطنية بين الفصائل في القطاع، لخلق قاعدة متينة للمقاومة. فالمخطط الإسرائيلي ـ الأمريكي (بمعية العرب التبع) يستهدف تخليق نموذجين (مع وضد). نموذج (مع) في رام الله، يمثل "الاعتدال السياسي" و"الاستقرار الأمني" وحتى "الرفاه الاقتصادي"، وذلك بضخ أموال المساعدات الخارجية إلى "حكومة الطورائ"، في رام الله، وتسهيل إسرائيل للإجراءات الأمنية في الضفة. وقد ظهر إيهود أولمرت، في أمريكا، وهو يعلن عن استعداد إسرائيل أن تكون شريكا حقيقيا لحكومة الطوارئ الفلسطينية، واعدا ببحث قضية الإفراج عن أموال عائدات الضرائب. وأنه "على استعداد لإجراء مناقشات مع عباس حول الأفق السياسي لما سيصبح في النهاية أساسا لاتفاق دائم بيننا وبين الفلسطينيين.... (و).... حل المشاكل اليومية الباقية والتقدم في البحث عن حلول تتيح حل المسائل الكبرى"!

وفي المقابل يعمل المشروع الصهيوأمريكي، بالتعاون مع عباس وصحبه، والعرب التبع، على إظهار غزة كنموذج للتطرف والفوضى والجوع. وحيث ستعمل إسرائيل على تعزيز عزل قطاع غزة، وعدم السماح"بمرور أي شيء باستثناء الكهرباء والماء"، حسب تصريح إليعازر، وزير البنية التحتية الإسرائيلي!

وهنا ينبغي على حركة حماس، مع رفضها العلني الواضح للفصل بين القطاع والضفة، أن تكون في مستوى التحدي بأن تجعل من "غزة المحررة" نموذجا للمقاومة الصلبة ضد العدو وعملائه، ونموذجا للوحدة الوطنية، والتضامن الاجتماعي، وحفظ الأمن وتوفير الأمان وإشاعة روح التسامح والرحمة بين الناس، والقضاء على مظاهر الفساد. عندها ستظهر حقيقة نموذج عملاء المشروع الصهيوأمريكي، المتحصنين في رام الله، على أنه استنساخ لحكومة "المنطقة الخضراء"العميلة للمشروع الصهيوأمريكي في بغداد.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 21 يونيو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home