Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 24 May, 2007

«بكوش» ليبيا قال كلمته ومضى!!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

البكوش تعني: الأخرس، في اللهجة الليبية. وعبدالحميد البكوش، السياسي والشاعر، رئيس وزراء ليبيا الأسبق، في العهد الملكي، الذي وفاه الأجل المحتوم، يوم 2 مايو الحالي، لم يكن (بكوشا) أبداً. لا بلسانه الطليق، في الحق، ولا بفكره التنويري الديمقراطي، ولا بخياله الشعري الجامح في حب ليبيا، التي أوقف أجمل قصائده في عشقها:

من حبيبتي إذا لم تكوني؟
من سوى أنت يشعل النار في دمى
ويغذى هواجسي
ويبيع الظنون في خاطري بالظنون
من همومي وسلوتي؟
وعذابي وفرحتي وشجوني
..............................
أنت همي وفرحتي
واضطرابي ولهفتي
وضجيجي وهدأتي وسكوني
ويقيني وحيرتي وظنوني
فإن لم تكوني فكوني
(من قصيدة حبيبتي ليبيا)

سمعتُ باسمه أول مرة عندما كنتُ طالبا، في الصف الخامس الابتدائي العام يوم زارنا رئيس الوزراء الشاب في مملكتنا الديمقراطية الشابة (لم يكن مر على استقلال ليبيا سوى 16 عاما) في الفصل الدراسي لعام 1968، لتفقد سير العملية التعليمية، بعد البدء في تطبيق مشروعه لتدريس اللغة الإنجليزية في المرحلة الابتدائية.

كان في الثالثة والثلاثين من عمره (مواليد العام 1933) عندما كلّفه الملك إدريس بتشكيل الحكومة، في سبتمبر 1967، سيرته نموذج لسيرة النخبة الرائدة المؤسسة لدولة الاستقلال. وهي نخبة صغيرة إذا عرفنا أن ليبيا عند استقلالها (1951) كانت بلاداً مدمرة ومفلسة. وكان الشعب الليبي أفقر شعب في العالم، وقتها، حسب تصنيف البنك الدولي في تقريره لعام 1951، ولم يكن هناك من وجود لبنية تحتية. وفاقت نسبة الأمية 95%. في ظل عدم وجود جامعات أو معاهد عليا. وكان عدد خريجي الجامعة، الذين درسوا في الخارج، يعدون على اصابع اليدين. ويتذكر السيد عبد الحميد البكوش: «أذكر وأنا صغير افتقار ليبيا إلى كلّ المقوّمات، فبعد احتلالها من قبل الإنجليز والفرنسيين إثر انتصار الحلفاء على المحور العام 1943، كانت البلاد لا تملك أيّة مقومات. وقد شاهدت الناس يموتون جوعاً عامي 1948 و1949 إثر سنواتٍ متتالية من الجفاف، وكنّا نعيش على معونة قمحٍ أمريكية، ولا أنسى خروج سكان مدينة طرابلس في احتفال لتحية الباخرة المصرية التي أحضرت شحنة من الأرز هدية...... كنت طالباً في المدرسة الابتدائية قبل الاستقلال. وشاركت العام 1948 في المظاهرات الصاخبة التي كانت تطالب بالاستقلال. وفي العام 1954 ذهبت ضمن بعثةٍ دراسية إلى جامعة القاهرة حيث حصلت على ليسانس القانون ودبلوم في القانون الدولي (عام 1959)، وعدت لأعمل قاضياً ثمّ محامياً، ثمّ عضواً في مجلس النواب (1964)..... كنت في عام 1961 شرعت في العمل بالمحاماة، وأستعدّ للترشيح لعضوية مجلس النواب، عندما استدعاني، عن طريق صديقٍ مسؤول، المرحوم البوصيري الشلحي ناظر الخاصّة (الملكية) والمكلّف برعاية الزوايا السنوسية، وأخبرني أنّ الملك يفكّر في وضع قانونٍ لتنظيم الزوايا وإعادة نشاطها، وخلال إعدادي لمشروع القانون بدأت أقابل الملك الذي لم يشأ أن يلجأ في هذا الشأن إلى مستشارين قانونيين غير ليبيّين، وهكذا نشأت صلة قمت، من خلالها، بتقديم المشورة القانونية في أمور كثيرة، حتى أشركني المرحوم محمود المنتصر العام 1964 في وزارته (الثانية) وزيراً للعدل، ومنها استمرّت صلتي بالملك، واقتربت منه كثيراً إلى أن كلّفني برئاسة الوزارة.»!

لم يكن البكوش رئيس وزراء تكنوقراطياً محترفاً. فقد جاء إلى رئاسة الوزراء من خلفية المحامي (المشرع القانوني)، والمثقف ـ الشاعر. وكان لديه مشروع ليبرالي إصلاحي لتحديث الدولة والمجتمع. ورغم قصر فترة وزارته (عشرة أشهر) فقد حققت حكومته زخماً هائلاً من الإنجازات في إصدار القرارات وإعداد التشريعات القانونية التأسيسية لتحديث مؤسسات الدولة وتنظيم أدائها الحكومي. قوانين بشأن الرقابة على الانفاق الحكومي، وتنظيم ضرائب الدخل على الأفراد والشركات. وقوننة نظام التوظيف والتقاعد. وصرف علاوة السكن لجميع موظفي الدولة. وإعادة هيكلة وزراة الخارجية وتحديثها. وإعداد مشروع عصري للأحوال الشخصية، يعكس رؤيته المناصرة لتحرر المرأة من العادات الاجتماعية البالية وترقية شأنها الاجتماعي، بفتح ابواب التعلم والعمل أمامها، مما أثار ضده حفيظة بعض رجال الدين. وركّز، في برنامجه الإصلاحي، على تطوير العملية التعليمية. فضاعف من أعداد الطلاب المبعوثين للدراسة في الخارج، وخصوصا في الجامعات الأمريكية، لدراسة الهندسة المدنية وطب الأسنان والصحافة والدراسات الاجتماعية والهندسة البترولية. وعمل على تحديث مناهج التعليم، لدرجة التخطيط الجدي لجعل اللغة الإنجليزية لغة التدريس الرئيسية في التعليم الثانوي والجامعي. فثارت ضده معارضة قوية، خصوصا من المؤسسة الدينية، التي رأت في ذلك توجها لسلخ الليبيين عن ثقافتهم وإلحاقهم بالثقافة الغربية. ثم كانت رؤيته حول «الشخصية الليبية» وشعاراتها الداعية إلى «ليبيا أولاً»، وخصوصية «الأمة الليبية»، الأمر الذي رفضته القوى الوطنية المعارضة، والنخبة المثقفة من يساريين وعروبيين وقوميين، لا سيما أن الفكرة طُرحت بعد هزيمة 5 يونيو 67!

كان غرض البكوش من أطروحته عن «الشخصية الليبية» متعدد الأهداف، منها: تنمية الاحساس بالانتماء الوطني. ووضع المصلحة الوطنية فوق أي مصلحة أخرى قبلية جهوية أو قومية، آخذا في الاعتبار أن ليبيا لم تعرف في تاريخها، قبل الاستقلال 1951، معنى الوطن الواحد والدولة الواحدة والشعب الواحد. فقد كانت ممزقة بين إقاليم ثلاثة. ثم أنها(أطروحة الشخصية الليبية) كانت تتساوق مع معارضته لطرح القومية العربية المهيمن وقتها. ويشير الدكتور محمد المقريف، في موسوعته المهمة «ليبيا: بين الماضي والحاضر» ـ 1 ـ إلى أنه استناداً إلى الوثائق الأمريكية والإنجليزية، المفرج عنها، ان الطرفين كانا قد رحبا: «ترحيباً كاملاً دون تحفّظ لأنَّها في نظرهما كانت موجّهةً بصفةٍ أساسية ضدَّ «العرب» و«العروبة» و«الأمَّة العربية» و«القومية العربية» وهو ما يصبّ في خانة مصلحة الأجنبي ومصالح الدول الأجنبية.. ». ولم يتخل البكوش عن اطروحته. فقد كتب، في العام 1996، مقالا أكد فيه تمسكه، أكثر مما مضى، بالدعوة إلى «الشخصية الليبية»، موقنا: «إن مغامراً عسكرياً ماكان لينجح في السطو على الشعب الليبي لو لم يكن غالبية هذا الشعب مستسلماً للفراغ، غير منشغل بمستقبله وغير حريص على مالديه ولا يملك الا شعوراً باهتاً بالانتماء...»!

في سبتمبر 1968، قدم البكوش استقالته نتيجة لرفض الملك عدداً من المقترحات والقرارات المتصلة بمشروعه الإصلاحي الليبرالي، الذي اعتبره «مشروعاً للنهضة السياسية الليبية»، واحساسه بفقدانه ثقة الملك. وما لبث أن اصبح سفيرا في فرنسا!

وعندما وقع الانقلاب العسكري، في الأول من سبتمبر 1969، كان السفير عبد الحميد البكوش موجودا في طرابلس. اعتقله العسكر ضمن المعتقلين من رجال العهد الملكي، الذين حوكموا أمام ما يسمى بـ«محكمة الشعب» الاستثنائية. وقد قضى السيد البكوش عدة سنوات ما بين السجن والإقامة الجبرية في منزله، حتى تمكن من مغادرة ليبيا العام 1977، واللجوء إلى مصر، التي اقام بها حتى عام 2001، وأثناء إقامته المصرية كتب سلسلة متواترة من المقالات، نشر معظمها في صحيفة «الحياة» اللندنية. وأصدر أربعة دواوين شعرية، هي: «قصائد من ليبيا»، «الرحيل»، «مطر»، «السكر»، «العودة»، غلب عليها الشوق والحنين إلى ليبياه المختطفة:

أبدا أنا عطشان يابلدى
إلى بلدى
وفي كبدى حنين دائم ابدي
الى الشمس التى انسكبت على الآفاق
والهامات والأحداق
للشعب الذى من شوقه الأشواق
ملهوف أنا
حتى الى الكلمات من شفة
فمنذ سنين لم ارها سوى حبر على الأوراق
يا صبار، يابلدى
...................
أنا اهواك يا بلدى
لأنك لست لى وحدى
فحضن الأم ما أحلاه مزدحما
كعش النحل بالولد
وحتى عندما أدفن
فلن أحزن
لأن أحبتى والأهل بلدى
سيبكوننى
ولن ينسوا بأنى من روائحهم
أحب روائح الورد
فيلقوا فوق جثمانى اكاليلا من الورد
وعهد الله يابلدي
أنا اهواك ياغالى
وعمق الحزن في عينيك موالى
وصبر ترابك العطشان أشعارى وأزجالى
من قصيدة (من سنوات الغربة)

أسس، في مصر، منظمة تحرير ليبيا، العام 1982، بهدف تغيير النظام العسكري الانقلابي، وإقامة نظام ديمقراطي تعددي. فشل النظام الليبي في اغتياله في عدة محاولات. وحدث اشهرها في العام 1984 حيث أحبطت المخابرات المصرية مخططا ليبيا لاغتياله، بطريقة سينمائية مثيرة، تناقلت خبرها وسائل الإعلام العالمية على نطاق واسع. وقصة ذلك أن المخابرات المصرية وصلتها معلومات من عملائها داخل ليبيا، تتحدث عن مخطط ليبي لاغتيال السيد عبدالحميد البكوش، أعدته المخابرات الليبية، مستخدمة أربعة قتلة مأجورين، مقيمين في مالطا، وهم بريطانيان ومالطيان، مقابل خمسة ملايين دولار، يُدفع منها نصف مليون دولار مقدما كنفقات لتنفيذ الجريمة!

وصل القتلة الأربعة المأجورين إلى القاهرة. وجندوا بضعة مصريين للمساعدة في التنفيذ ـ لم يكونوا، في الواقع، سوى عناصر من المخابرات المصرية، دستهم داخل فريق الاغتيال. كانت المخابرات المصرية، استنادا إلى ما تحصلت عليه من معلومات من داخل ليبيا، تراقب القتلة بدقة: تحركاتهم داخل مصر، اتصالاتهم الهاتفية بليبيا. علاوة على عناصرها المندسين، الذين استطاعوا أن يقنعوا القتلة بقدرتهم على تنفيذ عملية القتل بأنفسهم مقابل ثلاثين ألف دولار لكل واحد منهم. وفي يوم تنفيذ الجريمة، 16 نوفمبر 1984، أخذت المخابرات المصرية عبد الحميد البكوش إلى موقع الجريمة المفترض، في مقابر الغفير بشرق القاهرة، وقامت بتصويره في وضع الجثة الهامدة باتقان شديد، حيث تظهر مواضع الطلقات والدماء الحقيقية التي تلوث ملابسه. نقل عناصر المخابرات (المنفذين المفترضين) الصورة إلى القتلة المأجورين، حسب الاتفاق معهم، حتى يتأكدوا من إتمام العملية. لكنهم طلبوا أن يروا بأنفسهم الجثة المدفونة. وعندما وصلوا إلى قبر الجثة المفترضة تم القبض عليهم. فقبلوا بالتعاون مع المخابرات المصرية لتخفيف العقوبة عنهم. وعليه اتصل القاتل البريطاني بضابط المخابرات الليبية، المشرف على تنفيد العملية، والموجود في مالطا، ليأكد له نجاح العملية، ويطالبه بتحويل بقية مبلغ الخمسة ملايين إلى حسابه، بعد ان تصله الصورة التي تثبت مقتل البكوش. ثم سافر أحد عناصر المخابرات المصرية إلى مالطا، على أنه أحد عناصر الاغتيال، والتقى ضابط المخابرات الليبية، المشرف على تنفيد العملية، وسلمه صورة عبدالحميد البكوش وهو جثة هامدة. قام ضابط المخابرات الليبي بتحويل المبلغ على الفور. وطار بسرعة إلى جزيرة كريت حيث كان العقيد القذافي يستعد للقاء ثلاثي يضمه ورئيس الوزراء اليوناني بابا أندريو والرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، على مأدبة عشاء. أطلع ضابط المخابرات القذافي على الصورة، أثناء مأدبة العشاء، بشكل سري. فهمس في أذنه بأمر إذاعة الخبر مرفق بالصورة بأسرع وقت. وعلى الفور طُيّرت الصورة في طائرة خاصة إلى طرابلس، حيث قدّم التلفزيون الليبي خبر «التصفية الثورية» لرئيس وزراء ليبيا الأسبق، خبرا أول، في النشرة الليلية، وتم عرض صورة البكوش وهو مقتول بصورة مركّزة. وفي صباح اليوم التالي، 17 نوفمبر، بث التليفزيون المصري مؤتمرا صحفيا طارئا ظهر فيه وزير الداخلية، حينها، أحمد رشدي، قائلا: «سيداتي سادتي.. أنني أرحب بالسيد عبدالحميد البكوش»!

وفيما بعد عندما علم الرئيس ميتران بما حدث، قال: «إن مجرد التصور الجلوس على مائدة المافيا، لهو شيء مقزز».

وبعد عودة العلاقات الليبية المصرية، في أواخر الثمانينيات، وتوثق العلاقة بين مبارك والقذافي، جرى التضييق على المعارضين الليبيين المقيمين في مصر، فاضطر معظمهم إلى ترك مصر حفاظا على أمنهم، بينما بقي السيد البكوش مقيما فيها، رغم منعه من النشاط السياسي أو الكتابة الانتقادية لنظام القذافي، حتى وصل الأمر إلى الطلب منه مغادرة مصر. فاضطر الرجل، بعد نحو ربع قرن من الإقامة في «المحروسة»، إلى مغادرتها، في العام 2001، واللجوء إلى الإمارات، التي قبلت بإقامته لديها، بشرط التوقف عن الكتابة في الشأن الليبي، وعن ممارسة أي نشاط سياسي. ومنذ ذاك لم يُسمع عنه شيء، إلى أن جاء خبر مرضه المميت، ثم وفاته في الثاني من مايو 2007.

وفي الختام لن يرقد عاشق ليبيا بسلام في قبره الإمارتي، إلا عندما يعود جثمانه إلى ليبيا التي يهوى، ويدفن في ترابها المجبول بدماء شهداء الفاشيست القدامى والجدد:

أنا اهواك يا بلدى
لأنك لست لى وحدى
فحضن الأم ما أحلاه مزدحما
كعش النحل بالولد
وحتى عندما أدفن
فلن أحزن
لأن أحبتى والأهل في بلدى
سيبكوننى
ولن ينسوا بأنى من روائحهم
أحب روائح الورد
فيلقوا فوق جثمانى اكاليلا من الورد
وعهد الله يا بلدى
أنا اهواك يا غالي
وعمق الحزن في عينيك موالى
وصبر ترابك العطشان أشعارى وأزجالى.

اعتمدت في معظم معلومات هذه المقالة على المجلد الخامس (تحت الطبع) من سلسلة موسوعة «ليبيا: بين الماضي والحاضر»، من تأليف الدكتور محمد المقريف، والتي صدر منها أربعة أجزاء حتى الآن، ويتوقع لها أن تكون في عشرة أجزاء.

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 24 مايو 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home