Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Friday, 24 March, 2006

حماس إذ تـُـتـكتـك!!(*)

فرج أبوالعـشة

إلى الآن، وبعد مرور نحو شهرين، على فوز حركة حماس بالسلطة التشريعية والتنفيذية ـ الوزارة ـ ، تعاملت الحركة، ببراغماتية صلبة، مع الاستحقاقات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية. فطمأنت من لم ينتخبها، من شعبها، بأنها ليست حركة إيديولوجية إقصائية، وإنما حركة تحرر وطني، تجمع بين مصاولة العدو، وخدمة الشعب اجتماعيا. ونجحت في التعامل مع الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية الأخرى، من خلال الاتصالات واللقاءات والاجتماعات التشاورية، على قاعدة الشراكة في الدم شراكة في القرار. لكن فتح، الأحرى قادتها، يبدو أنهم لم يفيقوا بعد من صدمة خسارتهم للسلطة التشريعية والتنفيذية. فلا تزال اللغة العدائية تغلب على خطابهم السياسي ضد حركة حماس، التي يتهمونها بالإقصائية، ويشككون في قدراتها السياسية على معالجة المشاكل الحياتية والمعيشية للشعب الفلسطيني، ومواجهة الضغوطات والتهديدات الخارجية. وفي ظني أن حماس نجحت، حتى الآن، على قاعدة البراغماتية الصلبة، وليست الرخوة، التي كانت تنتهجها فتح السلطة، في التعامل مع الضغوطات الخارجية، دوليا وإقليميا. فإزاء التهديدات الأوروبية والأمريكية، بقطع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، جاء موقف حماس، صلبا وطنيا، وصائبا سياسيا، يرفض أن يبيع الشعب الفلسطيني كرامته بالمال، أو المساعدات المشروطة. ومتبوعا بتحرك دبلوماسي اتجاه العمق العربي والإسلامي، بغية وضع الشعوب والحكومات العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها، القومية والدينية، بحسبان فلسطين قضية عربية قوميا، وإسلامية دينيا، وليست مجرد قضية احتلال إسرائيلي لأراض فلسطينية تمثل أقل من ربع الأرض التاريخية، وقد تحولت إلى مجرد أراض متنازع عليها بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في ظل صمت غربي، يجاريه صمت عربي وإسلامي.

وفي مواجهة الغطرسة الصهيونازية، وشروطها الإملائية، ومشاريعها أحادية الجانب، تصرف الجناح السياسي لحماس بمبدئية واضحة، على أساس التمسك بسلاح المقاومة، ورفض الشروط الإسرائيلية المبنية على منطق القوة، ومقابلتها بشروط فلسطينية وطنية مستمدة من قوة الحق. ومقابل اشتراط إسرائيل، حكومة ومعارضة، ومعها الغرب، على حماس الاعتراف بإسرائيل، جاء رد الحركة، على لسان خالد مشعل، حاسما، وذكيا، في صيغة سؤال بسيط: «كيف يمكن للضحية أن تعترف بالقاتل؟!». ويعني ذلك، في الموقف السياسي «الحماسي» ربط الاعتراف المتبادل، بين الفلسطينيين وإسرائيل، بانتفاء وضعية الجلاد ـ الصهيوني ـ والضحية ـ الفلسطيني ـ، عن طريق اعتراف الأول بالثاني، اعترافا ملموسا، مترجما في رد حقوق الفلسطينيين إليهم، دون نقصان، وفق قرارات ما يسمى الشرعية الدولية. وبهذا الموقف تتلافى حماس تكرار خطأ فتح، التي هي السلطة الوطنية، كما هي منظمة التحرير، عندما قابلت إسرائيل اعتراف منظمة التحرير بها كمكسب لها، لا يلزمها باستحقاقات موجبة التنفيذ. استخدمته في إبقاء احتلالها على حاله في الجوهر، مع بعض التنازلات الشكلية. وفرغت اتفاقية أوسلو من أي معنى لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، بأن اختارت منها الالتزام بالبنود التي تلائم أمنها، والتنصل من الحل النهائي. ووظفت أسلوب المفاوضات المرحلية والتجزيئية، لكسب أطول وقت ممكن، خدمة للتوسع الاستيطاني وجعله أمراً واقعاً. ولأن عرفات رفض أن يكون سادات 2 في كامب ديفيد2، أطلقت الدولة الصهيونازية آلتها العدوانية الوحشية للفتك بالفلسطينيين وتدمير مقومات حياتهم، وحلمهم بدولة فلسطينية مستقلة تأتي بها الاتفاقيات السلمية.

واليوم تجد حماس نفسها، بعدما دالت السلطة الوطنية لها، قدام ضغوطات واشتراطات، تأتيها من الصهاينة، ومن الغرب المتصهين، ومن بعض العرب، وحتى من فتحويي سلطة الرئاسة، تطالبها بإعلان الاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقيات السابقة، وبنبذ العنف، وتاليا التخلي عن السلاح.

ولكن الموقف الوطني المبدئي، والرؤية السياسية الصائبة، حاضران بقوة في ربط حماس تخلي الفلسطينيين عن المقاومة المسلحة بتخلي إسرائيل عن احتلال الأرض الفلسطينية. ويبقى السؤال، المطروح هنا على حماس: ما مساحة الأرض الفلسطينية، التي يتوجب على إسرائيل الانسحاب منها، حتى تحلل حماس اعترافها بالدولة الصهيونية؟! يمكن لحماس أن تستند، إيديولوجيا ـ شرعيا، إلى المحددات التي سنها مؤسسها، وشيخها الروحي، الشهيد أحمد ياسين، على أساس القبول بإقامة دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة، وفق حدود 4 يونيو 1967، مقابل هدنة مع إسرائيل. لكن ذلك لن يعفيها من ضرورة الاستناد، سياسيا ـ عقلانيا، إلى محددات القرارات الدولية، بهذا الشأن، الأمر الذي يفرض عليها تحليل التفاوض مع العدو، من حيث المبدأ. على أساس التفاوض على الحل النهائي مرة واحدة، وفي وقت محدد. وهو منهج مغاير لما مارسته فتح وسلطتها الوطنية، من أوسلو إلى خريطة الطريق، التي أغرقها بني صهيوني وبني اليانكي بالإملاءات، والتفاوض على الجزئيات، لصالح الأمن الصهيوني. وهنا يمكن لحماس، وهي تعمل على ذلك، أن تعكس وجودها الغالب، في المجلس التشريعي، داخل المجلس الوطني، الذي يمثل السلطة العليا لمنظمة التحرير، المناطة بها إدارة عمليات المفاوضات مع إسرائيل. وحتى ذلك الحين، ينبغي على حماس أن توجه سياساتها لصالح مشروع فلسطيني وطني شامل، وليس لصالح برنامج إيديولوجي حماسوي. وذلك بأن تمتن الوحدة الوطنية، وتحارب الفساد، وتقاضي المفسدين وتصطاد العملاء. وأن تعيد بناء الأجهزة الأمنية على أساس حماية الشعب الفلسطيني والمقاومة. وتبني اقتصاد المقاومة الاكتفائي، على قاعدة العدالة الاجتماعية. وهي خبيرة في ذلك. وفي الوقت نفسه تجعل الكرة دائما في مرمى بني صهيون. من خلال مواصلة المقاومة، ومقابلة شروط الغطرسة الإسرائيلية ـ الأمريكية بشروط منطق الحقوق الفلسطينية. إذ لا يمكن، منطقيا وقانونيا وأخلاقيا، أن يعترف المستعمر ـ بفتح الميم ـ بمستعمريه ـ بكسر الميم ـ. كيف يمكن للفلسطينيين التمسك باتفاقيات، مثل أوسلو وخريطة الطريق، بينما بنو صهيون، على الأرض، يرسمون الحدود النهائية لدولتهم حسب رغبتهم. فلا معنى لخريطة طريق تقود إلى السلام، والموجود على الأرض طرق استيطانية التفافية، تقود جميعها إلى جدار الفصل العنصري. ولا معنى للثقة في ما توقع عليه دولة إسرائيل، وبإشراف دولي، بينما تفعل حكوماتها عكسه. من رابين إلى أولمرت، صاحب عملية القرصنة على سجن أريحا، المباركة من الأمريكي والبريطاني، الطرفين الضامنين لاتفاقية أريحا. والحاصل أن السلام في غيبوبة مع شارون. وسيموت معه. وخطة اولمرت للترسيم حدود الدولة الصهيونية، ليست إعلان حرب على الفلسطينيين فقط، وإنما على الأردن «أولاً!!!» ، الذي كان على بلاطه أن يطرد السفير الإسرائيلي، كإجراء أولى على خطة أولمرت العدوانية.

وفي الختام، يبقى القول إن حزب الله دحر اليهود من جنوب لبنان، في مشهد مذلّ، لأنه تمتع، علاوة على الدعم اللبناني الشعبي، في محيطه الشيعي تحديدا، بدعم محيطه العربي ـ سوريا ـ، والإسلامي ـ إيران ـ، بينما انتفاضة الشعب الفلسطيني محاصرة من إسرائيل. وكذلك من جهة ما كان يُسمى بدول الطوق، التي تحولت من تطويق إسرائيل إلى تطويق الفلسطينيين.

والحال أن حماس ستنجح في قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، في طور جديد، إذا ما توافر لها، وللشعب الفلسطيني، الدعم العربي والإسلامي اللازم، ماليا وسياسيا. وإن كنت أشك في دعم الحكومات، التي معظمها لا إرادة سياسية مستقلة لها في مثل هذه المواقف القومية المصيرية، فإن الرهان يبقى على الشعوب، علها تنتفض على هوانها وتفرض إرادتها على أنظمتها.

وحتى ذلك الحين لننتظر ونرى ما الذي سيتمخض عنه مؤتمر «القادة» العرب، في الخرطوم، عاصمة لاءات ناصر، بشأن الموقف من دعم الشعب الفلسطيني، ومعاقبة إسرائيل على غطرستها وعدوانيتها، ومواجهة أمريكا، ليس بصفتها طرفا منحازا لإسرائيل، وإنما لكونها شريكا لها في ما ترتكبه من جرائم مستمرة.

falasha@libya-nclo.org ________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية، 23 مارس 2006م


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home