Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 23 يوليو 2009

إمبريالية بروح إنسانية!!

فرج بوالعَـشّة

شبك الغرب الاستعماري عديد المناهج الفكرية والعلمية،مثل "علم الإنسان" و"علم التشريح" و"علم الاجتماع" و"علم التاريخ" و"علم اللغة"،بمشروعه الإمبريالي،لدراسة ثقافة الشعوب المستعمرة ـ بفتح الميم ـ،بغرض تملّك وجودها التاريخي واحتكار تفسير ثقافاتها،بعد إظهارها "قاصرة" عن فهم نفسها،وإظهار نفسه في دور صاحب المهمة التاريخية لتمدين الشعوب المتخلفة،مما يُسوِّغ له غزوها واستعمارها بقوته المتفوقة على وجهيها:القوة الصلبة والقوة الناعمة ..!

إنه المنطق القديم الجديد ذاته الذي قامت عليه الحرب الأمريكية الأولى على العراق العام 1991،حيث تجلت فكرتان أساسيتان كأنهما،حسب إدوارد سعيد:"حُملتا من الماضي وأنهما لا تزالان سائدتين نافذتين: الأولى هي حق الدولة العظمى في الحفاظ على مصالحها النائية ولو اقتضى الأمر غزوا عسكريا؛والثانية هي أن القوى الأقل قوة هي أيضا شعوبا أقل قدرا،ذات حقوق وقيم أخلاقية ومطالب أقل وأدنى."..وقد ظهرت هاتان الفكرتان أكثر جلاء وبشكل كارثي في الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله العام 2003.إذ تم تدمير البلاد وقتل عشرات الألوف من أهلها باسم إنقاذ العراقيين من طغيان صدام حسين وجلب الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية لهم.فيا لها من "إمبريالية بروح إنسانية" حسب جان بريكمون،مؤلف كتاب "إمبريالية بروح إنسانية: حقوق الإنسان، حق التدخّل، حق الأقوى"،الذي شرح فيه بعمق فكري أصيل ثقافة الغرب التبريرية لحروبه الإمبريالية.وقد قال في حوار له مع :"تجذّرت لدينا في الغرب، منذ بداية العصر الاستعماري، أيديولوجية تجيز لنا، لأننا البلدان المتحضرة، الأكثر احتراماً للديمقراطية وحقوق الإنسان، والأكثر تطوراً وعقلانية وإيماناً بالعلم الخ...أن نرتكب أفعالاً مرعبة بحق بلدان نعتبرها أقل تمدنا. فالمسيحية، والرسالة التحضيرية للجمهورية، وعبء الرجل الأبيض لدى الإنجليز، استخدمت تدريجياً كمبرر أيديولوجي لاقتراف جرائم شنيعة. أما الآن، فالأيديولوجية التي ترمي إلى احتلال ذلك المكان كله، هي أيديولوجية حقوق الإنسان والديمقراطية."..ويعني بذلك النيو إمبريالية التي تمنح من سجل محفوظات الثقافة الإمبريالية الكلاسيكية،القائمة على تخريف الشرق وتسفيله،حيث كل ما يقع في الشرق تحت بصر الغرب،من منظور الاستشراق الإمبريالي،يدل على التخلف والاستعباد والاستبداد.مما يبرر للغرب امتلاك هذا «الشرق القاصر» والسيطرة عليه،باسم تثقيفه وتنويره وتحضيره للعصر...!

لقد شكّلت "النزعة الأنسية" ،كمكوِّن ـ مكوَّن ثقافي،عنصرا جوهريا في فلسفة الحداثة الغربية،التي انبثقت أنوارها في منتصف القرن الثامن عشر.وهي النزعة التي تعتبر الإنسان هو صانع التاريخ وسيد العقل والطبيعة،والمُحِب لأخيه الإنسان،كيفما كان لونه،عرقه،لغته،ثقافته.لكن هذه النزعة التنويرية أُُخضعت لمنطق الاصطفاء العرقي والتمركز الحضاري.أي باتت قصرا على الإنسان الغربي الأوروبي،الذي صارت ذاته،العرقية والثقافية،مركز العالم.ومعروف أن النزعة الإنسانية الأوروبية التمركزية هذه تقوت مع نهوض الأيديولوجيات القومية والإمبرطوريات الاستعمارية،خلال القرن التاسع عشر،وإلى منتصف القرن العشرين.وكانت دراسات الأدب المقارن تُعد أبرز حقول "الثقافة الإنسية"،كونها تُعنى،حسب منظريّها والمشتغلين في حقلها،بـ:"تفاعل آداب العالم بعضها مع بعض؛غير أن الحقل كان منظَّما من الناحية المعرفية كنوع من التراتبية التي تحتل أوروبا وآدابها المسيحية اللاتينية المركز والموقع الأسمى منها"، مما جعل معظم الباحثين والمختصين يتخلون بسهولة عن معايير البحث العلمي في العقلانية والموضوعية وعدم التحييز، لا سيما أولئك الذين توظفوا كباحثين مختصين باللغات الأجنبية والأدب المقارن في المؤسسات العسكرية المعنية بشؤون الجغرافيا الإمبريالية المترامية الأطراف،بلغاتها وثقافاتها المتعددة.فغدت العلاقة مترابطة "بين تطور الأدب المقارن وظهور الجغرافيا الإمبريالية" في سياق علاقات تضادية بين: المركز ـ الأطراف،الشمال ـ الجنوب،الأبيض ـ الأسود،الاستعمار ـ المقاومة؛مولّدة تعالقات ثقافية متشابكة متشكالة،في الهوية والتفكير وطرائق العيش..!

إن روح الثقافة الإمبريالية الكامنة في تراث الاستشراق الأوروبي الكولونيالي الضخم،الذي تشكّل بقوة في القرن التاسع عشر،يعاد إحياؤها اليوم بمصطلحات سياسية حديثة،عبر مؤسسات ومراكز بحوث ودراسات استراتيجية، تبيع بضاعتها لوزارة الخارجية والبنتاغون ورجال الكونغرس،ويهيمن عليها صهاينة ومحافظون قدامى وجدد، ينتجون أفكارا وتحليلات ومفاهيم ومصطلحات،محورها العرب والمسلمين بحسبانهم موضوعا للهيمنة والسيطرة..!

إن الثقافة الإمبريالية ليست نظرية مؤامرة.إنها حقائق ووقائع.لكنها ليست بالكامل عملية منظمة تحت إشراف رسمي مباشر.إن تراثها الاستشراقي الهائل ونصوصها الفكرية والأدبية،إلى جانب الوثائق الرسمية لسجل المحفوظات الإمبريالي،تمثّل "بنيات من وجهات نظر وإحالات" في الأدب،كما في الفكر السياسي والفلسفي والتاريخي والاجتماعي والاقتصادي،وظيفتها تبرير الخطاب الإمبريالي وتمثيله:إنتاجا وتأصيلا وتأويلا..بل،حسب إدوارد سعيد:"كان ثمة إجماع،عند معظم المثقفين الغربيين،على أن الشعوب الخاضعة ينبغي أن تُحكم،وعلى أنها بحقّ شعوب خاضعة"؛حتى أن" قطاعات من الثقافات الحواضرية التي كان لها فيما بعد أن تصبح طلائعية في النزاعات الاجتماعية في عصرنا،كانت أعضاء لا تصدر عنهم الشكوى في هذا الإجماع الإمبريالي.فلقد كانت كلا الحركة النسائية وحركة الطبقة العاملة مع استثناءات قليلة،مناصرة للإمبراطورية ." وحتى أننا إن:"نقرأ معظم التقويصيين ،أو الماركسيين، أو التاريخانيين الجدد، هو أن نقرأ كتّابا يقبع أفقهم السياسي،وموقعهم التاريخي داخل مجتمع وثقافة ملتفين مشبوكين بعمق في السيطرة الإمبريالية."....... يتبع....

faragasha@yahoo.com
______________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 23 يوليو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home