Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الجمعة 21 نوفمبر 2008

المثقف المستقل!!(*)

فرج بوالعَـشّة

كنا قد أشرنا في مقال سابق بصحيفة الشرق عدد 16 أكتوبر2008 إلى رؤية المثقف الفرنسي، الفيلسوف جوليان بندا 1867 ـ 1956 الفلسفية الأخلاقية لدور المثقفين.. الذين يرفعهم إلى مصاف المثالية.. إنهم مثقفو "السلطة الأخلاقية" الذين يتمسكون بمواقفهم المبدئية إلى حد "الاستشهاد" في سبيلها..!
وبالتالي هم على الضد من المثقفين المُوظَّفين، الذين:"تنازلوا عن سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميّه بندا في تعبير تنبّوئيّ تنظيم العواطف الجماعية مثل الروح الطائفية، والمشاعر الجماهيرية، والعدوان القومي، والمصالح الطبقية".!
إن الشرط الأخلاقي لسلطة المثقف عند جوليان بندا هو معيار اصطفائي استثنائي خاص بمصاف المثقفين الأخلاقيين الذين لا يبالون في تعريض أنفسهم في سبيل رسالتهم، لمخاطر العقاب:من حرق أو صلب أو نبذ، كما في العصور القديمة، إلى مثالاته في العصر الحديث: من سجن، أو اختفاء قسري أو اغتيال..!
هذا الموقف الإخلاقي المتصلب للمثقف حسب رؤية"بندا"المثالية البيوريتانية الطهرانية، يصيغها إدوارد سعيد في تعبيرات معاصرة منضبطة، بحسبان المثقف إنسانا:" مهمته أن يطرح علنا للمناقشة أسئلة محرجة، ويجابه المعتقد التقليدي والتصلب العقائدي{بدل أن ينتجهما}، ويكون شخصا ليس من السهل على الحكومات أو الشركات{المؤسسات} استعابه، وأن يكون مبرّر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى ويُغفل أمرها على نحو روتيني.."..!
إنه المثقف الذي يتمثل ذاته شخصه في مواقفه، من حيث هما (الذات -الشخصية) الموقف (الموضوع) يتعوّضان ـ من العضوية ـ ذاتا وموضوعا.. ومن حيث هو {المثقف المعني} واع بدوره ومؤمن به، جاهر بقناعاته ومعتقداته، قابل بالنتائج التي تترتب على خيارته. أكان في هذه الجهة أو تلك. في اليمين أو اليسار. في الكفر أو الإيمان. السلطة أو المناهضة.... فالحكم يبقى للسلطة الأخلاقية التي يقر بشرعيتها ضمير المثقف..!
بحيث إذ ما لحق بضمير المثقف ذرة شك في مصداقية موقفه الشخصي أو الفكري ـ الإبداعي، أو بالاثنين معا، إزاء ما يؤمن به ويعمل لصالحه، يكون قد فقد مبرره كمثقف.. فيصبح عليه أما أن يتحول، بموقفه الشخصي والفكري إلى ما يتساوق مع سلطة ضميره الأخلاقية، أو أن يُبقى على انسياقه الواعي في خدمة أفكار لا يؤمن بها.. لكنه يرتهن لها. إما خوفا من سيف السلطان إما طمعا في ذهبه.. أو هوسا بالسلطة والشر.. كما كان الحال مع المثقفين الذين تعاونوا مع الشر السياسي.. سواء نال ضميرهم شيئا من شك أو ندم دون أن ينبذوا أدوارهم.. أو كانوا متكيفين تماما مع أدوارهم.. كما في حالات المثقفين الذين ناصروا الفاشية والنازية والشيوعية البوليسية والرأسمالية الكولونيالية والإمبريالية والعنصرية والصهيونية ...الخ ... من الإيديولوجيات والسلط الفاقدة للسلطة الأخلاقية..في حين أن وظيفة المثقف الحقيقي تنبع من كونه موظفا لدى قناعاته الفكرية المحصَّنة بسلطته الاخلاقية، في صلتها المتعالية بفكرة الحق الميتافيزيقي، حسب المفهوم "الجولياني ـ من جوليان بندا"..أو هي كما أفضلها، حسب المفهوم العقلاني "السعيدي ـ من إدوارد سعيد"، حيث "ليس الغرض من تمثيلات المثقف أي قدراته على التعبير بفصاحة عن قضيّة أو فكرة ما للمجتمع، تقديم حصانة ذاتية لنفسه أو توفير مكانة مميّزة له، ولا يقصد بها في الدرجة الأولى توفير الخدمة في صفوف بيروقراطيات قوية ومع أرباب عمل كرماء. فالتمثيلات الفكرية هي النشاط بعينه، وتعتمد على نوع من الوعي، يكون مرتابا، وملتزما، ومكرَّسا،على نحو مطّرد، لاستقصاء الأسباب واصدار الأحكام خُلُقيّاً، الأمر الذي يؤدّي إلى تدوين آراء المرء وتعرضه للخطر.."
إنه المثقف المستقل، الذي يتبنى إدوارد سعيد تعريفه، نقلا عن سي رايت، عالم الاجتماع الأميركي، على النحو التالي:"إن الفنان والمثقف المستقَّلين هما في عداد الشخصيات القليلة الباقية المجهَّزة لكي تقاوم، ولكي تحارب تعرُّض افكارا حيّة حقا إلى قوْلَبة جامدة وبالتالي إلى الموت. ويتضمّن الإدراك الحسّيّ الجديد حاليا القدرة على العمل باستمرار لفضح التعميمات المتحيِّزة ذات النمط الثابت عن الرؤية والفكر، ولتحطيم هذه التعميمات التي تُغرقنا بها وسائل الاتّصال الحديثة. ولأن عالمي الفن الجماهيري والفكر الجماهيري يُكيَّفان أكثر فأكثر لتلبية متطلّبات السياسة، تصبح السياسة المجال الذي يتحتّم فيه تركيز التضامن والجهد الفكري. وإن لم يربط المفكّر نفسه ذهنيا، بقيمة الصدق في الكفاح السياسي، فلن يقدر على نحو مسؤول أن يكون على مستوى التجربة الحية بكاملها." ... يتبع.........

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 20 نوفمبر 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home