Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 21 September, 2006

ما بين إمبراطور واشنطن... وبابا روما!(*)

بقلم : فرج بوالعَـشّة

لماذا استعمل بوش الثاني تعبير «الفاشية الإسلامية» و«الفاشيين الإسلاميين؟!» الجواب عند كتبة خطب بوش، من الإيديولوجيين المحافظين المتصهينين، الذين أرادوا، بعدما لمسوا تدهور شعبية رئيسهم، وحزبه المقبل على انتخابات نصفية في نوفمبر القادم، أن يضمنوا خطب الرئيس شعارات، من النوع الثقيل، لإظهار حربه الحمقاء في العراق على أنها جبهة حرب عالمية عظمى لتحالف «قوى الخير والحرية» في مواجهة «محور الشر» المتمثل في «الفاشية الإسلامية». هو ما يحيل، مباشرة، إلى صورة أمريكا التي حاربت، في الحرب العالمية الثانية، الفاشية والنازية من أجل «انقاذ» أوروبا والعالم!!!!

وحسب الصحفي الأمريكي جيفري ننبيرج، فإن: «مصطلح الفاشية الإسلامية قد ظهر منذ صدور تقرير اللجنة اليهودية الأمريكية في أمريكا الذي كتبه روبرت ويستريشن الأستاذ في الجامعة العبرية بعنوان العداء الإسلامي للسامية، في 4-2002، ويحتوي فصلاً، عنوانه الفاشية الإسلامية، يقارن فيه بين الإسلام والفاشية والنازية، ثم شاع المصطلح ليستخدمه بوش في محاربته من أسماهم المتطرفين، الذين استخدم اسمهم لإرهاب خصومه وأصدقائه على السواء، لفرض السياسة الأمريكية التي لا تسعى إلا لتحقيق مصالح كبار الرأسماليين الأمريكيين على وجه التحديد».

والحال أن أطروحة «الفاشية الإسلامية»، المحمولة، ضمنيا، على الإسلام ككل، أصبحت رؤية معتمدة في تفكير الإدارة الأمريكية، وجنرالاتها في البنتاجون، ونوابها في الكونجرس. إنها رؤية اختزالية تُظهر العالم الإسلامي عالما عدوانيا، ينطوي على ما أسماه السيناتور الجمهوري، ريك سانتوم: «الحلم الفاشي الإسلاموي المتطلع لإنشاء خلافة إسلامية عالمية، تكون فيها السيادة على العالم بأسره، بيد المتطرفين والفاشيين الإسلامويين».

ورغم أن الفاشية ايديولوجية طالعة من صلب الثقافة المسيحية الأوروبية، وحداثتها العلمانية، إلا أن الإدارة البوشية المتصهينة تصر على تلبيسها العمامة والجبة، لاظهارها في هيئة إسلامية شريرة. ومن الواضح، لغالبية المسلمين، أن الخطاب البوشي المسيحي المتصهين يستهدف الإسلام، بشكل عام؛ رغم ما يقوله حثالة الليبراليين العرب الجدد، من أن المقصود بـ«الفاشية الإسلامية»، في التعريف البوشي، ليس الإسلام، وإنما المسلمين «المتطرفين» الذين اتخذوا من الإسلام «ايديولوجية فاشية». وهم، الحثالة نفسها، الذين دافعوا عن حديث بوش عن الحرب الصليبية. فقالوا إنها كانت زلة لسان وأنه كان يقصد «حملة عسكرية كبرى»، بالمعنى الذي استعمله الرئيس روزفلت في توصيف الحملة العسكرية الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.

قد نجد المبررات الشرعية القوية لدور أمريكا في دحر النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، لكن الولايات المتحدة، اليوم، في العهدة البوشية، تتوسل الديماغوجية السياسية للفاشية والنازية في سياق مشروعها الإمبريالي للسيطرة على العالم الإسلامي، ومن ثم الهيمنة على العالم ككل.

إن الإدارة البوشية تمتح أفكارها وتصوراتها الفاشية من روبيرت شتراوس، فيلسوف المحافظين الجدد، الذي حدد المهمة الأساسية للولايات المتحدة في: «توحيد كوكب الارض تحت قيادتها ومواصلة هيمنة الثقافة الغربية. ـ لذا ـ لا بد من القيام بهذه المهمة بسرعة من خلال التصدي لنمور آسيا واية قوة أخرى لا تنتمي الى الحضارة الغربية.. ان مهمة الشعب الامريكي هي القضاء على الدول القومية... المستقبل على امتداد الخمسين عاماً القادمة سيكون من نصيب الامريكيين ويجب على الولايات المتحدة ان ترسي قواعد الامبراطورية الامريكية......»!

وهذه الرؤية الفاشية- النازية للامبراطورية الأمريكية، محمولة على جناحي الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية. ويستحوذ على توجيه سياساتها والتخطيط لاستراتيجياتها عصابة المحافظين الجدد، الذين توجه إليهم بوش بالكلام، في إحدى خطبه، أمام معهد المؤسسات الأمريكية، فبراير 2004، قائلا: «انكم مجموعة من أفضل عقول بلدنا وإن حكومتي فخورة لاستعانتها بخبرة عشرين منكم». وهذه المجموعة من العقول التكنو سياسية، هم منظرو الفاشية الجديدة. ومشروعهم، المعروف بـ«مشروع القرن الأمريكي الجديد»، يستهدف جعل الولايات المتحدة إمبراطورية ذات طابع نيو فاشي، تمجد الوطنية، وتضيق بوسائل الإعلام الموضوعية، وتزور الحقائق وتروج الأكاذيب الغوبلزية. تسن قوانين غير دستورية للتنصت على مواطنيها والحد من حرياتهم المدنية. تقيم سجوناً سرية ومحاكمات استثنائية، وترفض الامتثال لقوانين الحرب ومعاهدة جنيف!!

وفي الخارج تصبغ على حروبها الاستباقية الاستعمارية قدسية مسيحية متهودة، فيما تشيطن الآخر ـ المسلم في هيئة الفاشي- الإرهابي. وبينما تحاصر وتغزو وتحتل وتغير الأنظمة التي لا تعجبها، باسم نشر الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ترتكب جرائم الحرب البشعة، وتنتهك حقوق الإنسان على نطاق واسع، من «أبوغريب» إلى غوانتانامو، وما إليهما من سجون سرية في جنبات العالم.

وإذا ما أخذنا بالمعنى الحرفي مصطلح «الفاشية الإسلامية»، كما كتب جيفري ننبيرج في صحيفة لوس أنجليس تايمز ، يوم الأربعاء: 23-8-2006: «فسوف نجده خاوياً من المعنى والمضمون، فربما ينطبق الشق الفاشي الأول منه على نظام صدام حسين مثلاً، بكل ما ارتبط به من توجهات عسكرية قومية، ومؤسسة شرسة للشرطة السرية، وقبعات عسكرية غبية بلهاء، درج كافة مسؤوليه على الالتزام بوضعها على رؤوسهم مثلما كان يفعل الفاشيون والنازيون، غير أنه لا شيء إسلامياً البتة في توجهات ذلك النظام ولا سياساته. ولذلك فإنه مما يثير الغرابة أن نجنح إلى وصف الأنظمة القمعية القهرية مثل «طالبان» بالفاشية، وأن نوازي هؤلاء بكل من «سافونا رولا» و«جون كالفين» وجنرالات أسبانيا الذين عمدوا إلى اختزال جهاز الدولة إلى مجرد أداة لفرض الإرادة الإلهية. والحقيقة أن العالم الإسلامي لم يبدُ عليه أن يوفر تربة صالحة وخصبة لطقس عبادة الدولة على النهج الذي كرسته التجربة الفاشية، ولنورد هنا أن استطلاعات الرأي العام التي أجرتها مؤسسة «بيو العالمية» عام 2005، أشارت إلى أن الأغلبيات في الدول الإسلامية ترى أن ولاءها للإسلام يتقدم على ولائها للمواطنة. ولذلك فإن صفة «الفاشية» الشائعة الاستخدام في خطاب وأفواه «المحافظين الجدد»، ليست سوى دمغة جاهزة لوصف كل من هو متطرف ومتشدد ولا يتسم بأي قدر من التسامح الديني».

إن الحركة الفاشية- النازية الأوروبية كانت حركة استعمارية عدوانية، وقد شكلت محورا دوليا مثلته دول جبارة، مثل ألمانيا، اليابان، إيطاليا... بينما لا يمكن وصف أي دولة إسلامية، بما فيها إيران، بأنها دولة فاشية، لها نزعة عدوانية وأطماع خارجية توسعية!!

أما إذا كان المقصود بـ«الفاشية الإسلامية» و«الفاشيين الإسلاميين» هو الجماعات الإسلامية المسلحة، الموصومة بالإرهاب في الخطاب البوشي، فإنها تظل، في معظمها، جماعات مقاومة مشروعة تمارس العنف المبرر ضد الاحتلال، كما في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان والشيشان. وهي ليست دولا يمكن الحديث عن شن حرب عالمية ضدها. أما إذا أراد السيد بوش أن يخلّص العالم من أنظمة ذات طبيعة فاشية داخلية، تقمع شعوبها وتصادر حقها في تقرير مصيرها السياسي ديمقراطيا، فعليه أن يبدأ بحلفائه من الفاشيين العرب.

إنه لمن الواضح أن أسطوانة بوش الجديدة عن «الفاشية الإسلامية» تندرج في سياق حملة دعائية عدائية تستهدف تضخيم «العدو» الإيراني، لخلق قناعة عامة عند الأمريكيين بضرورة مواجهة إيران، وكذلك ضرورة استمرار الجمهوريين في الحكم، باعتبارهم أجدر من الديمقراطيين في إدارة «الحرب ضد الإرهاب»، وهو ما تقول به جل استطلاعات الرأي!!

وتركز الحملة الأمريكية- الصهيونية الدعائية، ضد إيران، على إظهار الرئيس، احمدي نجاد، في صورة «هتلر الإسلام»، الذي يريد «إبادة اليهود ومحو إسرائيل من الخريطة»، وتصوير طهران عاصمة «الفاشية الإسلامية»، الطامعة في السيطرة على العالم العربي. وبالتالي التوجه إلى خلق تحالف عربي سني ضدها، بحسبانها تمثل «خطرا شيعيا» على الأنظمة العربية «السنية». وقد ظهر هذا التحالف واضحا مكشوفا في الدور الذي لعبه المحور السعودي- المصري- الأردني إبان الحرب الصهيو أمريكية على لبنان، عندما قدم، المحور المذكور، بأوامر أمريكية، تغطية عربية للعدوان، شاركت الإسرائيليين والأمريكيين، الرغبة في القضاء على «حزب الله»، لأنه يمثل، عندهم، امتدادا لـ«الخطر الإيراني- الشيعي»، بينما هو يمثل، في حقيقته، عند العرب والمسلمين، امتداداً طبيعيا وعضويا للمقاومة العربية- الإسلامية في مواجهة المشروع الصهيو أمريكي.

في بداية حرب بوش على العراق قالت وزيرة العدل الألمانية هرتا داوبلر بأن بوش يسعى للهجوم على العراق من أجل تحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية مثل الصعوبات الاقتصادية. وعلقت إنها «طريقة فعالة وقد استعملها هتلر نفسه...» فرد البيت الأبيض على تصريح الوزيرة على لسان المتحدث باسمه معتبرا أن ما قالته الوزيرة الألمانية «شتيمة غير مبررة». وفي الحقيقة لم يكن لما قالته الوزيرة الألمانية الشجاعة أي علاقة بالشتيمة، وإنما كان تعبيرا دقيقا ومبكرا في تشخيص الطبيعة الإيديولوجية الفاشية ـ النازية للإدارة البوشية، التي تريد تلبيس الإسلام شرا ليس من طبيعته، لشن حرب هيمنة صهيو أمريكية عالمية، تعتبر كل مقاومة إرهابا، وكل إسلام لا يتبع فرقانها «إسلاما فاشيا».

ولم يكن ينقص الهجوم على الإسلام والمسلمين، من طرف الفاشيين والنازيين الجدد، الحاكمين في واشنطن وتل ابيب، إلا أن ينضم بابا روما، إلى حملة تشويه الإسلام وشيطنته.

... ويبقى، ما لم يقدم البابا اعتذارا واضحا، يتنصل فيه مما اقتبسه وتبناه، من تعبيرات بشعة وشنيعة في حق الإسلام والمسلمين، فإنه سيجسد، في نظر المسلمين، صورة باباوات الحملات الصليبية، في ثوب باباوي عصري، سيفه بيد بوش الثاني.

... ويبقى أيضا، من حق المسلمين الغضب والتعبير عن غضبهم، ولكن بسلوك وخلق المسلم الحقيقي. فليس من الغضب السوي الاعتداء على الكنائس، أو غير المسلمين لمجرد أنهم مسيحيون.

falasha@libya-nclo.org
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 21 سبتمبر 2006م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home