Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

الخميس 21 أغسطس 2008

بين الشيخ المستنير والأفندي المستغرب(*)

فرج بوالعَـشّة

ظهر الخطاب الإسلامي بوجهه الجهادي رداً على المشروع الاستعماري.. ثم ظهر بوجهه الاجتماعي الدعوي رداً على مشروع النهضة العربية الليبرالية.. ثم بوجهه السياسي {سلما وعنفا} ضد الحركة القومية،ماضيا في تطرفه العنفي إلى حد تكفير المجتمع ككل كما حدث في المشهد الجزائري والمشهد المصري،بشكل بارز،بعد فشل مشاريع النهضة العربية في صورها المتعددة: الإصلاحية الإسلامية {الشيخ المستنير} والليبرالية الطرفية {الأفندي المستغرب} والقومية العروبية {الناصرية ـ البعثية ـ الاشتراكية}...!

واليوم، في قرن جديد في ألفية جيدة، عاد سؤال التنوير والنهضة يطرح نفسه من جديد. ولكن،بأس وحسرة على زمن شيوخ الاستنارة الأزهرية : رفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وطه حسين وعلي عبد الرازق!.

وبالمقابل عاد الوعي التنويري،وعلى نحو نقدي،أعمق منهجيا وتأصيليا في حقل قراءات علمية {بالمعنى الأبستمولوجي} في بنية "العقل العربي الإسلامي"هي قراءة،أو قل، قراءات وعي نظري نقضي يجتهد بأدوات منهجية،ورؤية نظرية معرفية،آخذة في التأصل،رغم تشتت أعمال منظريها ومفكريها بين الأوطان والمنافي في ظل ظروف حجر ونفي قاسية..!

حجر يطول مثقفي الداخل {في البلاد العربية} ونفي يطول مثقفي النفي {في منافي الغرب}.. ويلاحظ أن ثقل الحداثة العربية،ومركز تنويرها الساطع يبث فكره،اليوم،من المنفى في الغرب أي أن زمن الحداثة العربية الجوهري زمن منفى ماديا،وهو، في انوجاده الشحيح،يتسرب ويتسلّل تحت جنح ظلمات الرقيب والمحتسب.. والعقول العربية التنويرية ذات القوة النقدية البنائية مشتّتة في جنبات الأرض..عقول كفيل حضورها المتألّق،في اختلافها الخلاّق،أن يقرّب ويؤصّل استحقاقات الحداثة في بنية المجتمع العربي نظرا وعملا،لو تكثّف ذلك الحضور في أوطانها..!

الحاصل،إن العقل العربي {المكوَّن/المكوِّن}السائد والمتسيّد،اجتماعيا وثقافيا،في أزمة حضارية بنيوية ينطوي عليها خطابه السياسي الشمولي،وخطاب عنفه الإسلاموي،في حيز دولة عربية مشوهة حضاريا{قاصرة عن شروط الدولة الحديثة}.. ذات طابع استبداد شرقي تتظاهر بعرض صور ديمقراطية سياسية صورية،تُسَّير من أعلى،على مبدأ ميكافيلية "شعرة معاوية"في محاولة مفضوحة للإنطلاء على مقتضيات الديمقراطية ومعطيات المجتمع المدني المتسق مع روح العصر...!

هي أزمة بنيوية ملتبسة حد التيه الحضاري حيث يُعَيِّرُ الحاضر/الحداثة {تقصيرا أو مطا} بالماضي.. فيصبح المستقبل رؤية مقررّة سلفاً.. أي يصبح الماضي حاضراً غدا...!

إن جذور الأزمة البنيوية الحضارية كامنة، منهجيا، في أساس تشكّل وتكوّن بنية العقل العربي الإسلامي في أزمنة الانحطاط.. لكن السؤال الماثل: هل يستقيم القول بوجود عقل عربي إسلامي؟!

كأن تقول بوجود عقل أمريكي وعقل صيني وعقل أوروبي وهكذا؟

إن العقل عقول،كما هو التراث تراثات والإسلام إسلامات ..وهكذا..!

أما أطروحة العقل الخالص فهي فرضية فلسفية ـ رياضية ذهنية ، تبقى ميتافيزيقية،أي فوق تاريخية إلا ما استقر من مفهومها في العقل العلمي..!

وعلى هذا،فأن العقل العربي الإسلامي متشظي إلى عقول تتصل بأزمنة معرفية متباينة ومتقاطعة مع تزامنات تاريخية تشكّل طبيعة خصوصية مفاهيمها..!

في البدء كان عقل الوحي القرآني(عقل المكوّن الأزلي)المقرون بالعقل النبوي(عقل الحديث والسنة) ثم عقول فقه التفسير والتأصيل المذهبية التي تجاوز عددها أكثر من 140 فرقة.!

خلق ذلك تاريخ أفكار متحايثة ومتداخلة ومتقاطعة بالعنف وفي العنف داخل التاريخ الإسلامي وفي حيازة هيمنة العقل العرفاني،القائم على طرد العقل الاجتهادي إلى حد تكفيره..!

ومنذ صدمة الحداثة المبكرة مع الحملة الفرنسية على مصر(1798)ظهرت الحاجة إلى معالجة التراث، وقد بدأت بفكرة "إحياء التراث"بمعنى تحقيق مخطوطاته ونشرها الذي استمر عقوداً طويلة قبل أن يُطرح السؤال: أي تراث نحتاج؟! وأي تراث هو حي؟!..

ومن ذلك ظهرت فكرة قراءة التراث ونقده،التي كانت ،في الواقع،قراءات متعددة المستويات الفكرية ـ الإيديولوجية : عروبية قوموية وإسلامية وليبرالية علمانوية واشتراكوية ماركسية،الجميع بحث له ، في التراث عن أسلاف وأصول..!

العروبيون القومويون وجدوا في عصر الذهبي {الأموي/العباسي} للإمبراطورية العربية الإسلامية العظمى مجد وحدتهم وقوتهم..! الشيوعيون أو الاشتراكيون ذو المسحة الإسلامية أو من هم مزيج من الاثنين معا جعلوا من أبي ذر، على سبيل المثال،رفيقا بلشفياً لا يُشق له غبار،وحتى الفوضويون عثروا على ضالتهم في دولة القرامطة!!

ما نذكره،هنا،هو مجرد قراءات عابرة في وصف التباسات قراءات التراث(الماضي) موظفة لصالح خيال أيديولوجي،أحادي الرؤية، يبحث له عن جذور.!

اليوم بعد سقوط "الحداثة" العربية بسقوط بيروت عام(1982) وهزيمة المشروع النهضوي القوموي،وانقراض الاشتراكية الماركسية،وظهور الظاهرة الأصولية المتطرفة،تبرز قراءات معرفية نقدية،يتركز ثقلها العلمي في منافي الغرب،تجتهد في تأسيس نظرية ثقافية تستهدف قراءة التراث قراءة علمية عقلانية تتزامن موضوعييا مع ظروف وشروط انبثاقه وتكوّنه...يتبع....

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 21 أغسطس 2008م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home