Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha
الكاتب الليبي فرج ابوالعشة


فرج أبوالعـشة

الخميس 21 مايو 2009

صدام الثقافات..!!

فرج بوالعَـشّة

1
كان لصدام الثقافات الوطنية ـ القومية بالثقافة الاستعمارية الإمبريالية، في حقبة التحرر الوطني ثم مرحلة تصفية الاستعمار، مفاعيلها الجدلية العميقة في عملية الحراك النهضوي للشعوب والمجتمعات المستعمرة ـبفتح الميمـ أي أن الاستعمار الحديث،كما أشار كارل ماركس، فاعل ذو حدّين: مدمِّر ومعمِّر. فعلى حد أول يقوم الغزو الاستعماري على التدمير والقتل والبطش والإذلال. وعلى حد ثانٍ يقتضي احتلاله العسكري، وأحيانا الاستيطاني، تأسيس بنى حديثة، من إدارة وطرق وسكك ومدارس ومستشفيات، وغيرها. وذلك لخدمة مصالحه في السيطرة على مستعمراته، والتحكم في إدارتها. ثم لحاجته إلى نشوء طبقة برجوازية طرَفيّة محلية تعمل كحلقة وصل خدماتية، إداريا واقتصاديا وأمنيا، بين السكان الأصلانيين، والسلطة الاستعمارية، لتسهيل إجراءات السيطرة والتحكم...!

2
كانت رؤية ماركس ذات حدين أيضا. فعلى حد يكشف تشخيصه التحليلي النقدي عن الطبيعة الوحشية للاستعمار الرأسمالي الإمبريالي، وما يسببه للشعوب المستعمرة من ويلات ومآسٍ، شارحا كيف كانت معاملة السكان الأصليين، أفظع ما يكون في المستعمرات الزراعية المكرسة لتجارة التصدير فقط، مثل الهند الغربية، وكذلك في البلدان الغنية والمكتظة بالسكان، مثل المكسيك والهند الشرقية، التي وقعت في براثن النهب. غيرأن الطابع المسيحي للتراكم الأولي تجلى حتى في المستعمرات بالمعنى الدقيق للكلمة. إن بيوريتانيي نيوانكلند، أطهار البروتستانتية الرزينة هؤلاء، قرروا في جمعيتهم التشريعية، عام 1703، تقديم مكافأة مقدارها 40 جنيهاً عن سلخ فروة رأس كل هندي أحمر، وعن كل أسير من الهنود الحمر، وفي عام 1720 ارتفعت مكافأة فروة الرأس المسلوخة إلى 100 جنيه.." .. إلا أنه، على حد ثان، يغلب على تحليله نظرة استعلائية تاريخوية، مبنية على منطق الحتمية التاريخية، إلى تبرير، عنده الفعل الاستعماري باعتباره عاملا إيجابيا في تحديث المجتمعات الشرقية "المتخلفة". وضرورة تاريخية لتقويض نظام "الاستبداد الشرقي" واقتصاده السياسي الخامل. فإنجلترا، حسب تحليله، "تقوم بمهمة مزدوجة في الهند: الأولى مهمة تدميرية والثانية تجديدية، إفناء المجتمع الآسيوي القديم، وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي في آسيا..."..!

3
ولا شك أن الحداثة الكولونيالية، بعيدا عن خطاب الفكر الاستعماري، على وجهيه: الهيغلي البرجوازي اليميني والماركسي الرديكالي العلموي، طرحت تحديات حضارية عويصة على ثقافات الشعوب المستعمرة ـ بفتح الميم ـ ومن بينها الثقافة العربية الإسلامية، التي كانت غارقة في ماضويتها، وقد انقفلت دائرة الاجتهاد على العقل الإسلامي التقليدي، منه فيه، حتى جاءت صدمة الحداثة مع الحملة الفرنسية الاستعمارية الخاطفة على مصر (1798 ـ 1801) ...!

4
إن معظم الشعوب المستعمرة، بفتح الميم، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي استقلت عن الاستعمار، في عصر التحرر الوطني، لم تستقل فعليا ! فهي، حسب إدوارد سعيد، قد تكون استقلت سياسيا: "لكنها من وجوه عديدة لاتزال خاضعة لقدر من السيطرة والتبعية يعادل ما خضعت له حين كانت القوى الأوروبية تحكمها حكما مباشراً..". ولا يعني هذا وضع اللوم على الاستعمار وحده، باعتباره السبب فيما آلت إليه أوضاع البلدان المستقلة، من اسبتبداد "وطني" وتبعية للأجنبي، بينما يعود القسط الوافر من الأسباب للقصور الذاتي، في البنية الاجتماعية الثقافية لدى الشعوب التي استقلت سياسيا عن الاستعمار المباشر، وعجزت عن استحقاق المقومات اللازمة لعملية التحرر الوطني الحقيقي، من ثنائية الاستبداد والتبعية، التي حكمت معظم المجتمعات التي استقلت سياسيا عن الاستعمار المباشر. لكن معطم أنظمتها حكمها مستبدين فاسدين، كثيرهم ركّبهم المستعمر على السلطة، لضمان تبعية مستعمراته القديمة له بعد استقلالها السياسي الظاهر، حيث قام أولئك الحكام: "بحكم البلدان الجديدة بطغيان فظ عاتٍ، استغلالي، يُذكِّر بالآسياد الراحلين"، مسنودين بنخب طبقة وسطى "برجوازية" محلية، نشأت وتكونت، اقتصاديا وثقافيا، كطبقة طرفية، أجيرة لدى المستعمر. مع مركّب ديمقراطي ليبرالي. شكلاني. مظاهره وتمثلاته مزيفة غالبا. في مضمون سيادته الوطنية المزيفة، وبرلمانه المزيف، وانتخاباته المزيفة، وحرية صحفته المزيفة، وعلاقاته الاجتماعية البرجوازية المزيفة .. وإليه إكسسوارات مزيفة، مثل النشيد الوطني والعلم الوطني، والعملة الوطنية.. وكان، نتيجة لذلك، أن تفشت،في العالم العربي، ظاهرة الانقلابات العسكرية، التي قامت باسم تخليص الشعوب من أنظمة الاستبداد الداخلي، والتبعية الخارجية للمستعمر القديم. لكن جُل تلك الانقلابات العسكرية انتهت إلى أنظمة ثورجية فاشية، حكمت بالحديد والنار، باسم مقارعة الإمبريالية وثقافتها الغربية، مقابل تعظيم ثقافة قوموية بشكل شوفيني فض، في استنساخ سطحي ركيك للأيديولوجية القومية التي عرفتها أوروبا في القرن التاسع عشر، إلى أن تلاشت تمثلاتها،الفاشية والنازية، بنهاية الحرب العالمية الثانية....!...يتبع

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 21 مايو 2009م .


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home