Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Writer Faraj Abul-Asha


فرج أبوالعـشة

Thursday, 20 September, 2007

ماذا تعـني العـدالة والتـنمية إسلاميا؟!!(*)

فرج بوالعَـشّة

(1)
بعد سيطرة حزب العدالة والتنمية، ديمقراطيا، على السلطة التشريعية والتنفيذية، للمرة الثانية؛ ها هو عبد الله غول يدخل القصر الجمهوري، إيوان العلمانية الأتاتوركية كأول رئيس للجمهورية من خارج السلالة الكمالية! وتدخل معه زوجته "خير النساء" كأول سيدة أولى محجبة، منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وقد لا تكون هي المرة الأولى تماما. فزوجة كمال أتاتورك "لطيفة أوساكي" كانت محجبة، بمعنى ارتداء غطاء الرأس، عند قيام الجمهورية الكمالية، إلا أنها ما لبثت أن نزعته، عقب شروع أتاتورك في تنزيل تعاليمه العلمانية!.

(2)
عندما فاز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية البرلمانية، في المرة الأولى عام 2002، وشكّل حكومته، كتبتُ، وقتها، معتبرا فوزه إعلانا مدويا عن نهاية الإسلام السياسي التقليدي! فحزب العدالة والتنمية التركي لم يفز بالسلطة إلا بعدما قامت القيادات الشابة بزعامة اردوغان ـ غول بانقلاب جذري على القيادة التقليدية للحزب، وإيديولوجيته المُحنِّطة لمفهوم الإسلام السياسي.كان انقلابا جذريا طال مواقف جوهرية كانت تعد مقدسة في تصور عتاة الإسلام السياسي التقليدي!

لقد دخل حزب العدالة والتنمية المنافسة في مضمار الديمقراطية وفق شروط الخصم العلماني بدستوره ومؤسساته وعسكره.ولم يجد عبدالله غول، غضاضة في القول:"لا تسمونا إسلاميين. نحن حزب أوروبي محافظ حديث.لا نعترض إذا وُصِفْنا بأننا ديمقراطيين مسلمون، على غرار الديمقراطيين المسيحيين في الأقطار الأوروبية الأخرى.."

إذن مشروع حزب العدالة والتنمية التركي هو مشروع إسلام سياسي علماني منبثق من حراك اجتماعي عميق في بنية الاجتماع التركي العصري بتاريخه العلماني الطويل والمتجذر في مؤسسات راسخة في بنية الدولة برعاية المؤسسة العسكرية، وفي وجود حركية تفاعل سوسيوثقافي/فكري خلاق بين التراث والحداثة، يتجاوز الصورة المحنطة في خطاب الإسلام السياسي"الإخواني"، الذي استهلكه الجمود الفكري/الإيديولوجي والزعامات الهرمة!.فمع حزب"العدالة والتنمية" نكاد لا نميز شيئا مخالفا فيه لصفة الحزب العلماني. فبرنامجه برنامج انتخابي سياسي صرف لا وجود لوصفات دينية به، وهو يعلن التزامه الكامل بالعلمانية، وبفصل الدين عن السياسة، دون أن يعني ذلك فصل الدين عن المجتمع أو الدولة، لأن -كما يقول عبدالله غول- :"الخلط بين الدين والسياسة يضيرهما معا. فالمبدأ الديني محصن بطبيعته من أي تغيير، أما السياسة فتتغير باستمرار استجابة للواقع."!

(3)
واليوم، في أواخر عام 2007، بعد مرور خمس سنوات على ممارسة حزب العدالة والتنمية للسلطة، وفوزه للمرة الثانية في الانتخابات التشريعية باصوات أكثر من الدورة الأولى، والأهم حيازته السياسية لموقع رئاسة الجمهورية العلمانية، يمكن القول: إنه كما سقطت حاكمية الخلافة البالية في الاستانة (عام 1924) تسقط فيها، اليوم، إيديولوجية"الإسلام السياسي" البالية أيضا، لينهض على أنقاضها إسلام سياسي علماني يمتلك رؤية حداثانية واضحة للإسلام والعصر والمستقبل. ويقدم كذلك مؤشرا تاريخيا على بداية نهاية سيطرة العلمانية العسكريتارية الأصولوية المتطرفة، وقيام علمانية إسلامية أو قل"علمانية مؤمنة"! فما الذي يمكن أن يقال عن حال الإسلام السياسي العربي، مقابل هذا التحول التاريخي الانقلابي الكبير في مركب معادلة الإسلام والسياسة في تركيا!

(4)
لا تزال جماعات الإسلام السياسي في بلاد العرب (اعتدلت أو تشددت) تتعيّش على الاعتقاد بان تفسيرها للنص المقدس هو التفسير الصحيح الوحيد وأن مشروعها الحزبي السياسي الشمولي هو مشروع كامل للمجتمع! بينما استطاع الإسلام السياسي التركي، من خلال حزب العدالة والتنمية، النجاح في ممارسة السياسية الواقعية العقلانية لمتطلبات إدارة الحكم ـ السلطة بالاستناد إلى الآليات الديمقراطية، كما يفهمها العالم ويمارسها، لا كما يتحايل عليها العرب بالتلفيق والتدليس والتزوير!

ولذلك ابتكر الحزب التركي معادلة:"العدالة والتنمية" بما تعنيه من تضافر عضوي جدلي بين عدالة التنمية وتنمية العدالة، في سياق مشروع نهضوي «اجتماعي ـ سياسي» يستلهم روح الإسلام الحضاري، في العدل والتنمية؛ولكن بمنهجية الفلسفة السياسية الحديثة وأدواتها الديمقراطية، لترجمة المعادلة المركَّبة «عدالة التنمية وتنمية العدالة» في مكاسب معيشية ملموسة تلبي مطالب الناس الحياتية/الدنيوية. وهو ما نجحت حكومة اردوغان، في تحقيقه بدرجة لافتة، بعملها الجاد في إعادة تنظيم الحياة الاقتصادية للمجتمع، من خلال محاربة الفساد والرشوة والجريمة الاقتصادية وترسيخ معايير الشفافية بقوة المساءلة القانونية الصارمة؛الأمر الذي أدى إلى تحقيق نجاحات اقتصادية باهرة، من علاماتها الفارقة ارتفاع معدل النمو بسرعة كبيرة، حتى أصبح معدله يترواح ما بين ستة وسبعة في المائة، وخفض نسبة التضخم المخيفة، التي وصلت عام 1994 نحو 150 في المائة إلى 9.4 في المائة عام 2004، وذلك لأول مرة منذ ثلاثين سنة. وارتفاع حجم الصادرات التركية إلى أكثر من 72 مليار دولار.واستقطاب استثمارات أجنبية ضخمة.وبالتالي توظيف مكاسب التنمية الاقتصادية هذه في ترسيخ العدالة الاجتماعية!

إن استحقاق التنمية، في الخطاب الإسلامي الحضاري، مشروطة بتحقق العدالة الاجتماعية.والعدالة، تعني في مفهوم الخطاب الإسلامي الحضاري، ما تعنيه في المفهوم الإنساني:نبذ الظلم، وإحقاق الحق، من حيث المساواة في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو اللون.

وتعني العدالة الاجتماعية (في مستوياتها السياسية والثقافية والاقتصادية) عدالة توزيع المنافع الخدمية، ومساواة في توفير الفرص أمام الجميع، وتأمين جميع الناس بالتساوي من الجوع ومن المرض ومن الخوف.وتلك أصول متأصلة في الخطاب الإسلامي الحضاري. إذ إن الإسلام أكثر الأديان عدالة.ليس بين المسلمين بعضهم وبعض وحسب. وإنما في علاقتهم مع غير المسلمين، من أهل الكتاب أو من هم بلا كتاب. وحتى ما قد يُعد نقيصة في تعامل الإسلام مع غير المسلمين، مثل مسألة الجزية، فإنها، في واقعها التاريخي آنذاك، لم تكن إلا معاملة رحيمة.فالجزية لم تكن سوى إجراء إداري لإعفاء رحيم لغير المسلمين من مخاطر الخدمة العسكرية (الجهادية) مقابل ضريبة بسيطة!

أما اليوم، في عصرنا هذا، فقد أصبحت فلسفة المواطنة، بقوانينها وثقافتها، هي المرجعية الدستورية للدولة الحديثة، وليس بها ما يتعارض مع الإسلام الحضاري، بل هي تطور تاريخي مؤسساتي لأصول العدالة الاجتماعية الإسلامية في أزمنتها الذهبية!

(5)
وهكذا، في الوقت الذي يتحول فيه الإسلام السياسي، التركي، إلى حزب حديث بمواصفات ديمقراطية وافية، لا يزال الإسلام السياسي العربي، بعناوينه المتنوعة، محنطا في شعاراته العتيقة، وتنظيماته الحديدية، التي لا تمت لمفهوم التنظيم الحزبي الحديث بصلة.إذ إن المضمون التكويني، بالمعنى السياسي والانتمائي، لجماعات الإسلام السياسي العربية، محكوم بتركيبته السرية، ومراسيمه الغنوصية، وأفكاره المحنطة عن الطاعة والولاء، ولغته الخشبية ورؤيته المغلقة على نواته التنظيمية الشمولية.والدليل على ذلك أن مرشده من مخلفات تنظيمه السري القديم!

إن أعرق تنظيم للإسلام السياسي، وأعنى الاخوان المسلمين، لا يزال "متغنصا" في فاتيكانه المصري، عاجزا عن التقدم ببرنامج سياسي اقتصادي اجتماعي حداثاني ينقلب "الاخوان" به على أنفسهم، فيغيرونها حسب اشتراطات العصر وليس حسب اشتراطاتهم.

ورغم اختراق "الاخوان" المصريين لحواجز المنع الانتخابي، المحروسة بالدعم المركزي، فإنهم، أو قل إن مشكلتهم أنهم، لم يمتلكوا الرؤية السياسية الثاقبة، التي امتلكها الإسلام السياسي التركي، في الانقلاب أولا على أنفسهم قبل طرح مشروعهم لتغيير الواقع.بما هو ترجمة نهضوية لمعنى:"أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.."!

إن مشكلة الإسلام السياسي العربي، الجوهرية، ليس في وصوله إلى السلطة.ولكن في كيفية ممارستها وإدارتها والقبول بنسبية برنامجه بما هو برنامج حزبي بشري خطاء، وليس نصا مقدسا. وذلك يعني تخلي الإسلام السياسي عن عنوانه الإيديولوجي المتعجرف بامتلاكه الحل النهائي.وحتى ذلك الحين فإن الإسلام السياسي العربي يبقى أطروحة مضادة للمستقبل. فحتى لو وصل أصحابه، نتيجة ظروف ومعطيات خاصة إلى الحكم، فإن المستقبل آجلا أم عاجلا سوف يلفظهم فالأمبراطورية السوفياتية البوليسية قاومت بكل عظمتها مكانيزمات رفض المستقبل لها لنحو سبعة عقود ثم انهارت فجأة كالعهن المنفوش!

(6)
ولكن لربما نجد في تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي ما يبشر بولادة حزب إسلام سياسي عربي حديث، ليس فقط في برنامجه الانتخابي الذي طرحه في الانتخابات الأخيرة، تحت عنوان "معاً نبني مغرب العدالة". ولكن، كذلك، في ممارسته السياسية للمسلكية الديمقراطية، التي تتمثل في سلوك شخصياته القيادية وكوادره الحزبية الرئيسة، ذات الخلفية التعلمية والفكرية الحداثانية، محمولة على رؤية عقلانية لتفسير الواقع المغربي «السوسيوسياسي = الاجتماعي/السياسي»، والتعاطي مع حقائق العصر وشروطه الشارطة.يتضح ذلك من منهجية برنامجه الانتخابي المؤسس على قاعدة تقصيد «من الاقتصاد» السياسة وليس تديينها.بمعنى تغليب منافع المصالح المرسلة للناس على الشعارات المتأسلمة.وبالنسبة لشعار "تطبيق الشريعة الإسلامية" نجد حزب العدالة والتنمية«المغربي»يغيب لافتة:"الإسلام هو الحل"، لأن الإسلام ليس في حاجة إلى الزعيق بالشعارات الشمولية.وإبدالها بشعار "الحفاظ على الهوية الإسلامية للمغرب"، بما هو خلفية ثقافية حضارية لحزب سياسي ديمقراطي حديث.وتلك مقاربة مغربية جريئة لتجربة حزب العدالة والتنمية التركي، رغم الاختلاف الكبير في البيئة السياسية، التي يتحرك فيها كلا الحزبين:التركي والمغربي. فبينما يتوافر للحزب التركي مناخ ديمقراطي حقيقي يقارب مثيله الأوروبي، يعيش الإسلام السياسي العربي مناخاً سياسياً استبدادياً، حتى وإن تزينت، بعض أنظمته، بمظاهر ديمقراطية مزورة.لكن أساليب التزوير والتضيق والمنع والملاحقة الأمنية، لا تصح حجة تمنع جماعات الإسلام السياسي العربي من المراجعة الجوهرية الجذرية لإيديولوجياتها الشمولية، وتفكيكها خطابا وممارسة.ومن ثم صياغة مشروع سياسي عقلاني لحزب ديمقراطي حديث، بالمعنى الحداثاني وليس الزماني.ولتكون مرجعيته الإسلام الحضاري. ولكن ليس إسلام البداوة، بعقليتها الجمودية، وثقافتها وعاداتها ومألوفاتها البالية...!!

faragasha@yahoo.com
________________________________________________

(*) سبق لي نشر هذا المقال في جريدة "الشرق" القطرية ، الخميس 20 سبتمبر 2007م.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home